يرتبط مفهوم الحرية السياسية في العقل الجمعي المعاصر بصور نمطية تكاد تتحول إلى عقائد سياسية غير قابلة للمناقشة، وفي مقدمة هذه الصور تأتي التعددية الحزبية وحق تشكيل التنظيمات السياسية المختلفة.
وينظر قطاع عريض من المجتمعات والنخب على حد سواء إلى وجود الأحزاب السياسية وتكاثرها بوصفه المؤشر الأبرز والدليل الأقوى على حيوية الفضاء العام وتمتع الأفراد بالحرية في فضاء الدولة، ويُروَّج لهذه الفكرة على أنها مسلَّمةٌ بديهية؛ فإذا أردت أن تقيس منسوب الحرية في بلدٍ ما، فانظر إلى عدد أحزابه ومدى قدرتها على النشاط والتنافس في الشارع والمنابر الإعلانية.
غير أن هذا المنظور الشائع، على جاذبيته السطحية وبلاغته وشعاراته الرنانة، يغفل فحص الآليات الداخلية لهذه الكيانات الحزبية وعلاقتها الحقيقية بالحرية الفردية، فالتأمل الهادئ والعميق في جوهر الظاهرة الحزبية يكشف عن مفارقة كبرى، مفادها أن التعددية الحزبية في كثير من الأحيان لا تعدو أن تكون تكريسا لما يمكن تسميته بحرية الأحزاب نفسها بوصفها مؤسسات وهيئات اعتبارية، وليست حرية حقيقية للأفراد.
والواقع الملموس يذهب إلى أبعد من ذلك، ليؤكد أن الأحزاب، ببنيتها وعقيدتها التنظيمية، تصادر حرية الإنسان الفرد لصالح بقائها وهيمنتها، واضعة إياه في قوالب فكرية وسلوكية صارمة تفرغ مفهوم الحرية الشخصية من محتواه وتحوله إلى أداة لخدمة الحزب.
تبدأ هذه المصادرة الممنهجة للحرية في اللحظة الأولى التي يقرر فيها الفرد الانتساب إلى حزب سياسي، مدفوعا بوعي واهمٍ وأملٍ بريءٍ بأنه يمارس حريته ويوسّع آفاق تأثيره الفاعل في الشأن العام، ثم ما يلبث أن يكتشف سريعا أن الانضمام إلى الجماعة الحزبية يتطلب منه دفع ضريبة باهظة ومستمرة من استقلاله الفكري والنفسي، فالأحزاب بطبيعتها وتركيبتها الداخلية تتأسس على مبدأ الانضباط التنظيمي والالتزام الصارم بالأيديولوجيا الحزبية أو التوجهات العامة للقيادة الحزبية لا على مبدأ التفكير الحر المفتوح وغير المقيد،
وهنا يفقد العضو بالتدريج صفته ذاتاً مفكرةً مستقلةً، ويتحول إلى رقم في معادلة تنظيمية معقدة، ويصبح لزاماً عليه تبني أدبيات الحزب ومواقفه تبنياً كليّاً دون مواربة، وأي تساؤل نقدي يطرحه العضو، أو أي محاولة لإعادة قراءة بعض الثوابت والممارسات الحزبية، يُنظر إليها داخل الكيان بريبةٍ وشكٍّ، وتُفسر فورا على أنها خروج عن وحدة الصف، أو محاولة لإضعاف الجبهة الداخلية للحزب في مواجهة الخصوم السياسيين.
وفي بيئة مشحونة بمتطلبات الولاء التام، يجد الفرد نفسه مضطرا لقمع تساؤلاته الذاتية، ومصادرة قناعاته العقلية وتناسيها في سبيل الحفاظ على مكانه وسمعته داخل الحزب، وهو ما يمثل تراجعا صريحا عن جوهر الحرية الإنسانية التي تقوم أولا وقبل كل شيء على حق التفكير وإبداء الرأي دون خوف أو وصاية جماعية.
وتغدو القاعدة الذهبية غير المكتوبة الحاكمة للسلوك الحزبي هي مساندة الحزب والدفاع عنه في الخطأ والصواب..
ويتجلى هذا الأسر الفكري بوضوح في تحول عضو الحزب إلى رهينة كاملة لتوجهات الحزب وأيديولوجياته المتغيرة وفقا لبوصلة المصالح والمناورات السياسية، ويصبح لزاما على المنتسب أن يدور في فلك الرؤية الرسمية التي تصدرها القيادة، مدافعا عن سياساتها ومسوّغا لقراراتها في كل محفل، حتى إن كانت تلك القرارات والسياسات تتعارض بوضوح تام مع مبادئه الأخلاقية الشخصية أو حتى مع الحقائق الموضوعية الساطعة على الأرض، وتتلاشى المسافة بين الصواب والخطأ وتتحول إلى ثنائية مصلحية مغلقة؛ فما يقرُّه الحزب ويدعمه هو الصواب المطلق الذي تجب نصرته والدعاية له، وما يعارضه الحزب هو الخطأ الذي يجب محاربته وتسفيه القائمين عليه، وتغدو القاعدة الذهبية غير المكتوبة الحاكمة للسلوك الحزبي هي مساندة الحزب والدفاع عنه في الخطأ والصواب، وهو موقف يلغي العقل والضمير الفرديين بالكامل ويسلم القياد لإرادة الجمع.
وإذا ما تجرَّأ أحد الأعضاء وقرَّر الخروج عن هذا الخط الضيّق المرسوم، مستخدما حقه الطبيعي في النقد الذاتي والتعبير عن رؤية مغايرة، فإن الآلة الحزبية سرعان ما تتحرك ضده بكل ثقلها، فتبدأ عملية التصدي له عادة بالانتقاد والتوبيخ ومحاولات تقويم السلوك، وقد تصل سريعا إلى التشويه المنظم والاتهام بالخيانة الفكرية لثوابت الحزب، وتنتهي في أغلب الأحيان بالتهميش والتشويه وصناعة جدار من العزلة والقطيعة حوله وربما بالإبعاد الفعلي.
هذا المسار القاسي يكشف بوضوح أن الأحزاب كثيرا ما تميل إلى البحث عن أتباع مطيعين يكرّرون شعاراتها ويخدمون أهدافها دون تفكير مستقل، وليس البحث عن شركاء أحرار يتكاملون في بناء الرؤية، وهو ما يعري زيف الادّعاء بأن العمل الحزبي ممارسة للحرية.
وتعزى هذه الظاهرة الخطيرة إلى البنية الهيكلية للأحزاب، والتي تميل تاريخيا وسوسيولوجيا إلى التحول نحو الأوليغارشية البيروقراطية، حيث تصبح السلطة الحقيقية وصناعة القرار وتوجيه الموارد مقتصرة على دائرة ضيقة من القيادات النخبوية التي تتربع على رأس الهرم الحزبي، وتصبح مصلحة الحزب بوصفه منظمة ومؤسسة تبحث عن البقاء والتوسع مقدمة على كل المبادئ السامية التي تأسست من أجلها، وبطبيعة الحال مقدمة على حرية أفرادها وأعضائها.
وتعمل البيروقراطية الحزبية كأنها جهاز رقابي صارم غير معلن، يراقب سلوكيات الأعضاء وتعبيراتهم العلنية والخاصة، ويوجه ترقياتهم وفرصهم في الظهور بناءً على درجة ولائهم للقيادة وليس بناءً على كفاءتهم الفكرية أو استقلاليتهم الأخلاقية.
وفي هذه البيئة المصلحية، يُكافأ المطيع والمساوم الذي يجيد السير تحت ظل الحزب، ويُعاقب ويُبعد المتمسك برأيه والمستقل بفكره، ومن ثَمَّ، تصبح الحياة الحزبية بيئة طاردة بطبيعتها للعقول الحرة الخلّاقة التي ترفض التبعية، وجاذبة للأنماط الاستهلاكية والمساومة في الفكر والسياسة.
هذا التنميط القسري للأفراد ينتهك حريتهم السياسية ويدمر طاقاتهم الإبداعية ويمنعهم من تقديم إسهامات حقيقية ومبتكرة للمجتمع، طالما وجب على كل فكرة جديدة أن تمر أولا عبر مصفاة القيادة الحزبية ومصالحها الضيقة.
ولا تقتصر أضرار هذه المصادرة للحرية على المنتسبين للأحزاب، ولكن تتعداهم لتضرب المجتمع بأسره وتصادر خياراته السياسية العامة من خلال تصميم العملية الانتخابية؛ فعندما تُجرى الانتخابات على أساس حزبي بحت، يُجبر المواطن غير المنتمي للأحزاب -وهو الذي يمثل في كثير من الأحيان الأغلبية الصامتة والمستقلة في المجتمع- على الاختيار من بين خيارات مسبقة الصنع ومعدة سلفا في أروقة الأحزاب التي لا تمثله، ويجد الناخب نفسه أمام قوائم حزبية متنافسة ربما لا يرى في مرشحيها الكفاءة العلمية أو النزاهة الأخلاقية المطلوبة، لكنه يجد نفسه مضطرا للمفاضلة بين خيارات سيئة وأخرى أقل سوءا؛ لأن النظام العام لا يتيح له بدائل حقيقية ومؤثرة خارج هذه المنظومة الحزبية القائمة.
وبالتالي يمثّل هذا الواقع مصادرة صريحة لإرادة المواطنين الأحرار، ويحصر الفضاء السياسي الواسع والمتنوع في بضعة خيارات حزبية متنافسة تقاسمت النفوذ والتمويل، ويحرم المجتمع قسرا من فرصة اختيار الكفاءات والمستقلين وأصحاب الفكر الحرّ الذين يرفضون الدخول في لعبة الاستقطاب الحزبي والخضوع لإملاءاتها، وتصبح الانتخابات في هذا المشهد بمثابة عملية استفتاء لتمرير خيارات النخب الحزبية وتأكيد هيمنتها، وليست عملية اختيار حرٍّ يعبر بصدق عن الإرادة الشعبية.
فضلا عن ذلك، فإن احتكار الأحزاب للعمل السياسي يؤدي بالضرورة إلى تلويث المناخ الفكري والاجتماعي للمجتمع من خلال فرض ثقافة الاستقطاب والخصومة المفتعلة؛ فالأحزاب لكي تحافظ على تماسك قواعدها وجذب المؤيدين والتمويل تحتاج دائما إلى خلق حالة من الاستقطاب وصناعة خصم سياسي تشيطن مواقفه وتضخم أخطاءه وتشكك في وطنيته ونواياه وأعماله، فينقسم المجتمع عموديا وأفقيا وتُزرع بذور البغضاء والفرقة.
ويمنع هذا الاستقطاب الممنهج نشوء حوار وطني عقلاني وهادئ حول القضايا المصيرية التي تهم الناس، إذ تصبح مواقف الأفراد والمجموعات مبنية على الاصطفاف الحزبي المسبق لا على المصلحة العامة أو الحجة المنطقية والموضوعية، فإذا طرح حزبٌ ما مشروعا تنمويا أو اجتماعيا مفيدا، سارع الحزب المنافس إلى رفضه والتشكيك فيه لمجرد النكاية السياسية، والعكس صحيح.
ويقع المواطن العادي ضحية هذا الضجيج والتشويش الفكري المستمر، وتُصادر قدرته على التقييم الموضوعي للأفكار والمشاريع، ويُدفع دفعا نحو تبني مواقف حدية لا تعبر عن قناعاته الحقيقية بقدر ما تعبر عن انحيازه العاطفي والاصطفافي لجهة ضد أخرى.
يتبين أن الحرية السياسية الحقيقية لا يمكن بأي حال من الأحوال اختزالها في مجرد الحق في تأسيس الأحزاب أو الوجود الشكلي لعدد من التنظيمات المتنافسة في الساحة السياسية؛ لأن هذا الفهم الشكلي والسطحي للحرية يغفل الحقيقة الجوهرية وهي أن الحرية قيمة تبدأ وتنتهي عند الفرد الإنساني..
إن هذا التزييف المنظم للوعي العام هو الوجه الآخر لمصادرة الحرية، إذ لا يمكن الحديث عن حرية حقيقية لانتخاب يفتقر للوعي المستقل والمعلومة الموضوعية غير المشوهة بالدعاية الحزبية الكاذبة.
وبناءً على هذه المعطيات، يتبين أن الحرية السياسية الحقيقية لا يمكن بأي حال من الأحوال اختزالها في مجرد الحق في تأسيس الأحزاب أو الوجود الشكلي لعدد من التنظيمات المتنافسة في الساحة السياسية؛ لأن هذا الفهم الشكلي والسطحي للحرية يغفل الحقيقة الجوهرية وهي أن الحرية قيمة تبدأ وتنتهي عند الفرد الإنساني، بوصفه الذات الأخلاقية والواعية القادرة على الاختيار الحر والمسؤول دون قيود تنموية أو ضغوط جماعية.
وعندما تتحول الأحزاب إلى سجون اختيارية تعاقب النقد الفردي وتفرض الولاء الأعمى والمطلق، وتصادر خيارات الناخبين في الخارج عبر احتكار الفضاء العام، فإنها تصبح عائقا أمام الحرية لا محرِّكاً لها؛ لأن الطريق إلى تحرير العمل السياسي يبدأ من إعادة الاعتبار للفرد المستقل، وضمان حقه في التفكير والتعبير والترشح والاختيار خارج القوالب الحزبية الضيقة.
الحرية الحقيقية هي تلك التي تمكِّن الإنسان من أن يقول كلمته بصدقٍ وموضوعية دون أن يخشى عقابا تنظيميا أو إقصاءً اجتماعيا، وهي التي تتيح للمجتمع فضاءً مفتوحا تتلاقح فيه الأفكار بناءً على قيمتها الذاتية لا على وزن الجهة الحزبية التي تقف وراءها.
وما لم نعد النظر في هذه البنى التنظيمية وفي مفهومنا للحرية نفسها، فسنبقى نراوح في مساحة من التعددية الزائفة التي تعطي الحرية للمؤسسات والكيانات وتجعلها فوق النقد، بينما تظل عقول الأفراد وأرواحهم حبيسة جدران الولاء الأعمى وصناديق الخيارات المغلقة.
- تلفزيون سوريا






















