في تصعيدٍ هو الأول من نوعه خلال العام الجاري، والأول بعد اجتماع باريس في 6 كانون الثاني/يناير، الذي جرى برعاية مبعوث الرئيس الأمريكي الخاص إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف وصهر الرئيس ترامب، جاريد كوشنر، أعلنت إسرائيل تنفيذ سلسلة من الضربات الجوية المركزة استهدفت بنى تحتية ومواقع عسكرية تابعة للحكومة السورية في الجنوب، في خطوة قالت إنها تأتي رداً على ما وصفته بـ«الاعتداءات» التي طالت أبناء الطائفة الدرزية في محافظة السويداء.
ووفقاً للمتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، فقد طالت الهجمات مقرات قيادة ومستودعات ووسائل قتالية داخل معسكرات عسكرية، في وقت تزامن فيه ذلك مع غارة فجر الجمعة استهدفت موقعاً عسكرياً يتبع للفرقة 40 في مدينة إزرع بريف درعا الأوسط (مقر اللواء 12 سابقاً، ويتاخم المدينة من الجهة الشرقية الجنوبية)، واقتصرت أضرارها على الخسائر المادية بدون تسجيل إصابات بشرية.
غير أن دلالة هذه الضربات لا تقتصر على بعدها الميداني فحسب، بل تتجاوز ذلك لتعكس تصعيداً واضحاً في مستوى الخطاب السياسي الإسرائيلي، بعد نحو أربعة أشهر من وقف القصف داخل الأراضي السورية، وكان هجوم القوات الإسرائيلية في بيت جن نهاية تشرين الثاني/نوفمبر 2025 أبرز تلك التطورات.
رسائل كاتس: قواعد اشتباك جديدة
وفي هذا السياق، صعّد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس من لهجته تجاه دمشق، في خطوة بدت أقرب إلى الانقلاب على تفاهم باريس ورسم قواعد اشتباك جديدة في الجنوب السوري. وأكد كاتس أن بلاده «لن تسمح للنظام السوري باستغلال التطورات الجارية لاستهداف أبناء الطائفة الدرزية»، مضيفاً أن إسرائيل «تتابع عن كثب ما يجري في السويداء، ولن تتردد في التدخل العسكري المباشر إذا اقتضت الضرورة».
وفي سياق متصل، أوضح الوزير أن الضربات التي نُفذت لا تعدو كونها «رسالة أولية»، في إشارة ضمنية إلى أن سقف العمليات العسكرية قد يشهد تصعيداً إضافياً خلال المرحلة المقبلة. كما شدد على أن الجيش الإسرائيلي تلقى توجيهات مباشرة من القيادة السياسية، وعلى رأسها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، بالتحرك السريع وضرب «أي هدف يشكل تهديداً»، وفق تعبيره.
ولم يخفِ كاتس إمكانية تعديل قواعد الاشتباك في الساحة السورية، معتبراً أنها «قابلة للتغيير» تبعاً لمجريات الميدان، الأمر الذي يعكس توجهاً نحو توسيع نطاق التدخل الإسرائيلي خارج الإطار التقليدي المرتبط بالتموضع الإيراني.
ومن زاوية أوسع، حملت تصريحات كاتس أبعاداً سياسية تتجاوز البعد العسكري، إذ حاول تأطير التحرك الإسرائيلي ضمن خطاب «حماية الأقليات»، في مسعى لإضفاء شرعية سياسية وأخلاقية على العمليات العسكرية، وذلك بالتوازي مع تزايد الانتقادات الدولية لسلوك إسرائيل في المنطقة. كما بدت هذه التصريحات موجّهة إلى أطراف إقليمية ودولية، أهمها واشنطن التي تشاركها المواجهة مع طهران، وكذلك إلى دول إقليمية، وعلى رأسها تركيا، للتأكيد على أن تل أبيب مستعدة لإعادة رسم توازنات الجنوب السوري بما يتلاءم مع حساباتها الأمنية، حتى وإن استدعى ذلك الانخراط في مواجهة مباشرة مع دمشق.
ومن الواضح أن نتنياهو وحكومته لا يرغبان في اهتزاز الثقة الداخلية وتصاعد حدة الانتقادات من الطائفة الدرزية داخل إسرائيل. كما أن ما حدث يحمل رسالة مباشرة إلى دمشق مفادها أن أي تصعيد، مهما كان محدوداً، ضد الدروز في السويداء قد يؤدي إلى نسف مسار التهدئة الذي استمر نحو أربعة أشهر برعاية أمريكية، وتكرّس عقب اجتماع باريس المذكور أعلاه.
الميدان في السويداء: اشتباكات تتسع
ميدانياً، ترافقت هذه التطورات مع تصعيد ملحوظ في محافظة السويداء، حيث اندلعت مواجهات عنيفة بين قوات الأمن الداخلي التابعة للحكومة السورية ومجموعات تتبع لـ«الحرس الوطني»، وسط تبادل للاتهامات بشأن المسؤولية عن استهداف المدنيين وتفجير الوضع الأمني.
توغلات إسرائيلية متكررة في القنيطرة
وفي سياق متصل، أفادت مصادر محلية بسماع دوي انفجارات في ريف دمشق الجنوبي ليل الجمعة، ناجمة عن عمليات اعتراض نفذتها منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية لصواريخ في أجواء المنطقة. وأكد مصدر من منطقة الكسوة أن الأصوات تعود لاعتراض صواريخ بالستية يُعتقد أنها إيرانية، نافياً في الوقت ذاته وقوع أي استهداف مباشر لمواقع عسكرية في المنطقة، بما في ذلك الكسوة وجبل المانع. كما أشار، في اتصال، إلى أن بعض عمليات الاعتراض نُفذت من منصات الدفاع الجوي المتمركزة في جبل الشيخ، الذي تتخذ منه إسرائيل قاعدة عسكرية كبيرة.
وفي تطورٍ موازٍ، أعلنت وزارة الداخلية السورية أن قوى الأمن الداخلي في السويداء ضبطت أسلحة متوسطة وذخائر متنوعة خلال إحباط محاولة تسلل لعصابات خارجة عن القانون، كانت تستعد لتنفيذ أعمال عدائية تستهدف زعزعة استقرار المنطقة. وأكدت الوزارة استمرار جهودها في ملاحقة الخارجين عن القانون، واتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية المدنيين وتعزيز الأمن.
إدانات القصف الإسرائيلي على إزرع
على الصعيد الدبلوماسي، دانت وزارة الخارجية السورية الغارات الإسرائيلية ووصفتها بأنها «اعتداء غاشم»، وانتهاك صارخ لسيادة البلاد ولمبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. واعتبرت دمشق أن هذه الضربات تمثل امتداداً لنهج إسرائيلي قائم على التصعيد والتدخل في الشؤون الداخلية، محمّلةً إسرائيل المسؤولية الكاملة عن تداعيات هذا التصعيد، وداعية المجتمع الدولي، ولا سيما مجلس الأمن، إلى التحرك الفوري لوضع حد لهذه الانتهاكات.
إقليمياً، دانت وزارة الخارجية الأردنية الهجوم بأشد العبارات، معتبرة أنه يشكل انتهاكاً واضحاً لسيادة سوريا وخرقاً لاتفاقية فض الاشتباك لعام 1974، مؤكدة رفضها المطلق لهذه الاعتداءات، ومشددة على تضامنها مع سوريا ودعم أمنها واستقرارها. كما دعت المجتمع الدولي إلى تحمّل مسؤولياته القانونية والأخلاقية، وإلزام إسرائيل بوقف ما وصفته بالعمليات «الاستفزازية وغير الشرعية».
وفي السياق ذاته، أعربت الخارجية التركية عن إدانتها للهجوم الإسرائيلي على البنية التحتية العسكرية في جنوب سوريا، معتبرة أنه يمثل تصعيداً خطيراً، ودعت المجتمع الدولي إلى اتخاذ موقف واضح لوقف هذه الهجمات التي تنتهك سيادة سوريا ووحدة أراضيها.
وفي سياق الحرب في المنطقة، شدد الرئيس السوري أحمد الشرع على أن ما يحدث حالياً «حدث كبير نادر في التاريخ»، ولم نشهده منذ الحرب العالمية الثانية. وأضاف، في تصريحات له: «نحسب خطواتنا بدقة شديدة»، مشيراً إلى أن إدارته تعمل على إبعاد سوريا عن أي نزاع، والحفاظ على مسارها في «التنمية والبناء». كما لفت إلى أن سوريا انتقلت إلى مرحلة جديدة تحولت فيها من «ساحة صراع» إلى «ساحة مؤثرة باتجاه الاستقرار والأمان داخلياً وإقليمياً.
وفي إطار التصعيد في المنطقة وتوتر الحدود اللبنانية-السورية، ولا سيما عقب الأحداث المرتبطة بقصف سرغايا والاتهامات المتبادلة بشأن التسلل والتحركات العسكرية في المناطق الحدودية، عقد وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي اجتماعاً مع نظيره السوري أسعد الشيباني، على هامش مشاركتهما في الاجتماع التشاوري الطارئ الذي دعت إليه المملكة العربية السعودية في الرياض.
وخلال اللقاء الجانبي، أكد الشيباني أن انتشار القوات السورية على الحدود مع لبنان يهدف حصراً إلى حماية الأراضي السورية وضبط الحدود ومنع أي خروقات أمنية أو عمليات تهريب، مشدداً على أن دمشق لا تنوي التدخل في الشؤون الداخلية اللبنانية أو الانخراط في أي تصعيد عبر الحدود.
ومن الواضح أن نتنياهو قد يستغل الانشغال الأمريكي في الحرب ضد إيران من أجل فرض واقع أمني في الجنوب السوري، كان يسعى إليه منذ سقوط النظام السوري قبل أكثر من عام.
- القدس العربي


























