قبل ثلاثة أيام، عرف السوريون من وزير الطاقة والمياه اللبناني، جو الصدي، أن بلاده تدرس خيار شراء الكهرباء مباشرةً من سوريا، والتي بات لديها “فائض في القدرة الإنتاجية”، وفق تصريحات أدلى بها لقناة “LBCI“. ذلكَ من دون أن يصدر أي تصريح رسمي لمسؤول سوري، بهذا الخصوص، حتى ساعة كتابة هذا المقال.
تصريحات الوزير اللبناني جاءت بعد “ضربة” رفع أسعار المشتقات النفطية على السوريين، بنسب تتراوح ما بين 17 و29%، متزامنة مع رفع مبطّن لسعر ربطة الخبز عبر إنقاص الوزن، لتصبح أغلى بنسبة 12.5%. في حين ما زال عدد كبير من السوريين يرفضون التكيّف مع صدمة رفع أسعار الكهرباء التي تلقوها نهاية العام الفائت، والتي تُرجمت بفواتير “مليونية، بالليرة السورية”، في حالات كثيرة. وتؤشر حملة توجيه الإنذارات للمتأخرين عن السداد، الجارية الآن في مختلف المحافظات، إلى وجود امتناع ملحوظ عن الدفع.
لذا، جاءت أغلب تعليقات السوريين على خبر احتمال بيع سوريا الكهرباء للبنان، غاضبة ومتهجمة على الحكومة السورية، وفق ما يمكن رصده في وسائل التواصل الاجتماعي. وكانت أبرز الأسئلة التي جاءت في معرض الاحتجاج: إن كان هناك فائض في الإنتاجية، لماذا لا تزال مناطق كثيرة في سوريا غير مشمولة بتحسّن التغطية الكهربائية الملحوظ مؤخراً في المدن؟ وإن كانت هناك مرابح مرتقبة من بيع فائض الكهرباء بسوريا، لماذا لا ينعكس ذلك تخفيضاً في أسعار الكهرباء المفروضة على السوريين، التي تعد مرتفعة للغاية مقارنة بمتوسط دخولهم؟
ومع غياب أي تصريح رسمي بهذا الخصوص، يمكننا تخمين جملة من الإجابات. إذ أن توفير تغطية كهربائية شاملة لمختلف المناطق السورية، يتعلّق بمعضلتين. الأولى، محدودية القدرة الإنتاجية لمحطات التوليد العاملة، لسببين: تهالكها، وعدم توفّر كميات الغاز المطلوبة لتشغيلها بأقصى قدرة. لذا، في الحيثية الأخيرة، لحظنا كيف تدهورت التغطية الكهربائية مع بدء الحرب الأميركية- الإسرائيلية ضد إيران، إثر توقف أو خفض توريد الغاز من الأردن، قبل أن تتحسّن مجدداً، مع عودة توريد هذا الغاز.
أما في حيثية تهالك محطات التوليد العاملة، فثبت بالتجربة، أن إنتاجيتها الحالية قادرة على توفير تغطية كهربائية جيدة، للمدن والمناطق السورية التي لا تعاني من تضرر كبير في شبكات توصيل وتوزيع الكهرباء. وهذه هي المعضلة الثانية. فكما هو معلوم، هناك مناطق مدمّرة بصورة شبه كاملة. وشبكة توزيع الكهرباء فيها، تقريباً، لم تعد موجودة. لذا، فإن توفّر إنتاجية فائضة من الكهرباء، هي نتاج عدم القدرة على تغطية كامل المناطق السورية، بسبب تهالك شبكات التوصيل والتوزيع. وإن تخيلنا سيناريو توفّر هذه الشبكات، فإن الإنتاجية الحالية من الكهرباء، لن تكون كافية للحاجة المحلية.
وبالأرقام، فقد ارتفعت إنتاجية الكهرباء بسوريا، من نحو 1400 ميغاواط، مطلع 2025، إلى نحو 3000 ميغاواط مطلع العام الجاري. وهو إنجاز يُحسب للمعنيين بقطاع الكهرباء، بالحكومة الحالية. لكن في حال شمول التغطية الكهربائية لعموم سوريا، فنحن نتحدث عن حاجة تصل إلى 7000 ميغاواط. وقد ترتفع هذه الحاجة إلى أكثر من هذا الرقم، في حال نشطت حركة إعادة الإعمار بصورة نوعية. ذلك أن الحاجة المحلية في سوريا، قبل العام 2011، كانت تصل إلى نحو 8.5 ميغاواط. وهي أرقام إنتاج، من المرتقب الوصول إليها، في ضوء الاتفاق الشهير مع شركة “UCC” القطرية بقيمة 7 مليارات دولار، والذي سيولّد عند إنجازه، نحو 5000 ميغاواط، مما سيجعل إنتاج سوريا –بصورة أولية- نحو 8000 ميغاواط. مضافاً إليها عدد من مذكرات التفاهم الموقّعة بخصوص توليد الطاقة النظيفة -رياح وشمسية- بأرقام قد تتجاوز 3000 ميغاواط أخرى. مما يجعل سوريا في مدى سنتين إلى ثلاث مقبلة، قادرة على الاكتفاء الذاتي بشمول كلّي لعموم سوريا، وربما، تصدير الفائض، بعد توفير تغطية كهربائية شاملة.
لكن تحقيق هكذا سيناريو يتوقف على ترميم شبكات توصيل وتوزيع الكهرباء في المناطق المتضررة. وهي المعضلة التي تجعل اليوم، من إنتاج بقيمة 3000 ميغاواط، فائض عن حاجة سوريا. جراء العجز عن نقله إلى مناطق سورية عديدة. ووفق ما فهمنا من تصريح الوزير اللبناني، يفكّر المعنيون بقطاع الكهرباء بسوريا، بالاستفادة من هذا “الفائض”، تجارياً، عبر بيعه للبنان، ويجهزون عرضاً بهذا الخصوص. وهو ما يحيلنا للسؤال الثاني: لماذا لا ينعكس هذا “الفائض” وأرباحه، تخفيضاً في فواتير الكهرباء المرهقة لجيوب السوريين، والتي يعجز الكثير منهم عن دفعها، فعلياً؟
نستطيع تخمين إجابة المسؤول المعني بقطاع الكهرباء: نريد تمويلاً لترميم شبكات توصيل وتوزيع الكهرباء، لتوسيع شمول التغطية، تدريجياً، وصولاً إلى لحظة تغطية كامل التراب السوري بالكهرباء، بالصورة المأمولة. لكن، لماذا لا يتم مصارحة السوريين بصورة واضحة وتفصيلية، بهذا الواقع، وبالأرقام؟ هنا تبقى المعضلة الرئيسة. فالتواصل بين صانع القرار والشارع، غير موفّق. وخيار المصارحة والشفافية غير معمول به. حتى أن السوريين باتوا يسمعون عن “فائض” في إنتاجية الكهرباء لديهم، من مسؤول في دولة أخرى! وهو ما يجعل ارتدادات ذلك مصدراً للمزيد من الاحتقان المعتمل في أوساط السوريين، جراء تدهور أحوالهم المعيشية.
وهو ما يكشف واحدة من أبرز نقاط ضعف الأداء الحكومي الراهن. العجز عن مواجهة هذا الشعب، ومصارحته، بحقائق الأمور، وبالتفصيل. ومن ثم، يمكن الرهان على وعيه وقدرته على التكيّف مع مصاعب الظرف الراهن، بانتظار المستقبل الأفضل “الموعود”.





















