تحتاج سوريا إلى أفكار من خارج الصندوق لمساعدتها في الخروج من أزماتها المركبة بعد عقود كاملة من الفساد وغياب التنمية والحلول التي تُمكّن المجتمع من النهوض بنفسه، ومع ارتفاع نسب الفقر والبطالة، تأتي فكرة “بنوك الفقراء” أو بنوك تمويل المشروعات الصغيرة لتحل مشكلة مستعصية من تأمين فرص عمل على مستوى شعبي واسع وسهل التنفيذ.
لا تحتاج سوريا إلى ابتكار هذا النوع من البنوك من الصفر، إنما يمكن الاستفادة من تجارب الآخرين، والتأسيس لسمعة حسنة وثقة مع شراكة حكومية وتسهيلات من خلال سن قوانين تساعد على النهوض في هذا النوع من القطاعات البنكية الفاعلة مجتمعياً، والتي لا تهدف إلى الربح بقدر ما تعمل على مد يد العون من دون مقابل سوى مساعدة السوريين على البدء في مشاريعهم الصغيرة بناء على دراسات تمويل محددة تمكنهم من الانطلاق ثم السداد الآمن والمريح بعد عدة أشهر وعلى مدد محددة، وبالطبع من غير فائدة، بل رسوم تشغيلية ثابتة.
ولا يمكن تحقيق هذه الخطوة قبل بناء الثقة البنكية إضافة إلى الثقافة البنكية أي أن يكون لدى كل مواطن سوري حساباً بنكياً، حيث لا يوجد إحصائيات واضحة عن عدد السوريين الذي يملكون حسابات بنكية داخل البلاد، إلا أن البنية التحتية الضعيفة والفساد والتضخم الهائل يظهر أنها قليلة جداً مقارنة بعدد السكان، كما أن نسبة الفقراء الذين يحصلون على قروض في سوريا تكاد تكون حالات نادرة ومرتبطة بامتلاك أرض أو عقار.
ما هو بنك الفقراء؟
ربما لم يسمع معظم السوريين بشخص اسمه محمد يونس، الذي قرر أن يتجاوز كل نظريات الاقتصاد في سبعينيات القرن الماضي، ويبني نظرية جديدة مبنية على إنقاذ أبناء شعبه من فقرهم عبر تمكينهم من الصيد بدل التصدق بالسمك عليهم، من خلال توفير قروض صغيرة من دون الحاجة لضمانات مع التركيز على تمكين النساء وتوفير فرص العمل والتعليم في المناطق الأقل تنمية ببنغلادش.
تقع بنغلاديش في جنوبي قارة آسيا، وتعد ثامن دولة عالمياً بعدد السكان (175.7 مليون نسمة)، وهي من بين الدول الفقيرة، وذات المساحة الصغيرة مقارنة بعدد السكان إذ تبلغ مساحتها 148.460 كيلومتراً، فهي أصغر من سوريا التي تبلغ مساحتها 185.180 كيلومتراً.
في عام 1976 حصل الاقتصادي محمد يونس على قرض من الحكومة عبر بنك “جاناتا”، واستثمره في إقراض الفقراء في قرية “جوبرا” بمنطقة “شاتوغرام”.
كان يونس الذي ولد عام 1942 يعرف تماماً ما ينوي فعله، فهو خبير اقتصادي ومالي، حصل على الدكتوراه في جامعة فاندربيلت بولاية تينيسي الأميركية بمنحة مؤسسة فولبرايت عام 1965، ثم عاد إلى بلاده ليرأس قسم الاقتصاد في جامعة جامعة شيتاجونغ إحدى أبرز جامعات بنغلاديش.
عمل يونس على تطوير مبادئ البنك انطلاقاً من أبحاثه وخبرته ثم حول المشروع في عام 1983 إلى بنك “غرامين” (غرامين باللغة المحلية في بنغلاديش تعني القرية أو الريف) ولقب بـ”بنك الفقراء”.
ويحكي البروفيسور محمد يونس القصة التي أدت لظهور فكرة المصرف فيقول في كتابه الذي يستحق القراءة “مصرفي من أجل الفقراء”: “في عام 1972، وهو العام التالي لحصول بنغلاديش على استقلالها بدأت بتدريس الاقتصاد بالجامعة، وبعد عامين أصيبت البلاد بمجاعة قاسية، وكنت أقوم في الجامعة بتدريس نظريات التنمية المعقدة، في حين كان الناس في الخارج يموتون بالمئات، فانتقلت إلى قرى بنغلاديش أكلم الناس الذين كانت حياتهم صراعاً من أجل البقاء، فقابلت امرأة تعمل في صنع مقاعد من البامبو، وكانت تحصل في نهاية كل يوم على ما يكاد فقط يكفي للحصول على وجبتين، واكتشفت أنه كان عليها أن تقترض من تاجر كان يأخذ معظم ما معها من نقود. وقد تكلمت مع اثنين وأربعين شخصاً آخرين في القرية ممن كانوا واقعين في فخ الفقر، لأنهم يعتمدون على قروض التجار المرابين، وكان كل ما يحتاجونه من ائتمان هو أقل من 30 دولاراً فقط. فأقرضتهم هذا المبلغ من مالي الخاص، وفكرت في أنه إذا قامت المؤسسات المصرفية العادية بنفس الشيء؛ فإن هؤلاء الناس يمكن أن يتخلصوا من الفقر، إلا أن تلك المؤسسات لا تقرض الفقراء، وبخاصة النساء الريفيات”.
نجاح استثنائي
لم تكن مسيرة تأسيس البنك سهلة، فمحمد يونس كان يبني نموذجاً جديداً في الاقتصاد وأنظمة التمويل، كما أنه واجه حملة قاسية من بعض الحركات الراديكالية واليسارية، التي حاربت فكرة الاقتراض من البنك أساساً في الفترة التي شهدت صعوداً للشيوعية، غير أن ذلك لم يؤثر على فكرته وأصر على تنفيذها.
أسهمت الحكومة البنغالية فيه بنسبة 60% من رأس المال المدفوع في حين كانت الـ40% الباقية مملوكة للفقراء من المقترضين. وفي عام 1986 صارت النسبة 25% للحكومة و75% للمقترضين.
وبين عامي 1983 و2026 تمكن البنك من فتح 40 مكتباً في مدن بنغلاديش المختلفة، إضافة إلى مكاتب لتدقيق الحسابات، وافتتح أكثر من ألفي فرع، ويوجد في 94% من القرى ببنغلاديش، في حالة استثنائية عن أي بنك شبيه في العالم.
وتجاوز عدد العاملين في البنك 23 ألف موظف، لديهم خبرة في دراسة المشاريع وفحصها إلى جانب التمويل والمحاسبة والاقتصاد والإدارة والقانون.
واجه البنك تحديات، أبرزها تعثر سداد القروض بعد فيضانات عام 1998 في بنغلاديش، لكنه تمكن من التعافي وتحقيق نمو ملحوظ خلال السنوات اللاحقة.
بحلول عام 2005، قدم البنك قروضاً تجاوزت 4.7 مليارات دولار، واستمر في التوسع حتى بلغ إجمالي ما أقرضه أكثر من 38 مليار دولار حتى عام 2024، استفاد منها أكثر من 10 ملايين شخص، غالبيتهم من النساء. كما توسعت أنشطته خارج بنغلاديش إلى عدة دول، بينها الولايات المتحدة، حيث يخدم آلاف المستفيدين.
إلى جانب دوره المالي، أطلق البنك مبادرات تنموية وبيئية، مثل برامج زراعة الأشجار، وأسهم في تعزيز فرص العمل ومنح التعليم، مع تركيزه على تمكين الفئات المهمشة ومكافحة الفقر من خلال توفير خدمات مصرفية عادلة ومستدامة.
من قول “لا البنك الدولي” حتى “نوبل”
ناقش مارك سكاوزن في كتابه “قوة الاقتصاد: كيف يُغيِّر جيل جديد من الاقتصاديين العالم؟”، فكرة يونس عن إنشاء هذا النوع من البنوك، مبيناً أنه “على مدى قرونٍ تبرَّع المصلحون والقائمون على الأنشطة الاجتماعية بملياراتٍ وأقاموا مؤسساتٍ معفاة من الضرائب لمساعدة الفقراء، إلا أن أشخاصاً مثل البروفيسور يونس، مدربين على مبادئ المحاسبة، والحوافز، والربح والخسارة، والادخار، والتعليم، يعلمون أن برنامجاً حقيقيّاً للقروض من بنكٍ ربحيٍّ يمكن أن يُجديَ حقّاً”.
كما كان يونس يرفض الحصول على أي قرض من البنك الدولي، حيث قال في كتابه: “نحن في بنك غرامين لم نكن نريد أو نقبل مطلقاً تمويل البنك الدولي؛ لأننا لا نحب طريقة إدارة البنك للعمل”، كما أنه لا يفضل المعونات الخارجية كثيراً، مؤكداً أن “معظم الدول الغنية تستخدم ميزانياتها للمعونات الخارجية في الأساس لتوظيف مواطنيها وبيع سلعها، في حين يأتي التفكير في الحد من الفقر لاحقاً، إن المشروعات المموَّلة من المساعدات تصنع بيروقراطياتٍ ضخمة، سرعان ما تصبح فاسدة وغير فعالة؛ مما يخلف خسائر ضخمة، فلا تزال أموال المساعدات تذهب لتوسيع حجم الإنفاق الحكومي، بما يتعارض في الغالب مع مصالح الاقتصاد السوقي، فتصبح المعونات الخارجية نوعاً من الإحسان للأقوياء وذوي النفوذ، في حين تزيد الفقراءَ فقراً”.
ورغم ذلك، حصد بنك “غرامين” عدداً من الجوائز الدولية تقديراً لدوره في مكافحة الفقر وتمكين الفئات المهمشة، إذ نال عام 1992 جائزة “الملك بودوان للتنمية الدولية” في بلجيكا تقديراً لإسهامه في دعم دور المرأة وتحسين أوضاعها الاجتماعية والاقتصادية.
كما حصل على “جائزة غاندي للسلام” عام 2000 من الحكومة الهندية، إضافة إلى “جائزة تون عبد الرازق” في ماليزيا لدوره في إقراض الفقراء وتحسين حياتهم.
وفي عام 2006، تُوّج البنك بأبرز إنجازاته عبر فوزه بـ”جائزة نوبل للسلام”، تقديراً لجهوده في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية للفقراء، إلى جانب حصوله على جوائز أخرى محلية ودولية تعكس تأثيره في دعم التنمية الريفية والحد من الفقر في بنغلاديش.
كيف يعمل بنك الفقراء؟
يتميّز مصرف غرامين بنموذج فريد يجمع بين العمل الاقتصادي والرسالة الاجتماعية ويطلب من المقترض البدء بالعمل بعد أسبوع واحد من استلام قرضه وإن وفى ما أخذه يرفع رصيده للحصول على قرض آخر قد يكون أكبر قيمة، ويمكن تلخيص سماته كما يلي:
أولاً: مشروع اقتصادي بأهداف اجتماعية
رغم كونه مصرفاً برأسمال يُستخدم في تمويل القروض والاستثمارات، إلا أن هدفه الأساسي ليس الربح، بل تحقيق تنمية اجتماعية للفقراء من خلال تمكينهم اقتصادياً، عبر تمويل مشاريع صغيرة فردية وجماعية.
ثانياً: استهداف أفقر الفقراء
يركّز المصرف على فئة محددة جدًا تُعرف بـ”أفقر الفقراء”، وفق معيارين:
- عدم امتلاك أرض زراعية أو امتلاك أقل من نصف فدان
- ضعف الممتلكات بحيث لا تعادل قيمتها فداناً واحداً (4200.83 متراً)
وهذا يميّزه عن البنوك التقليدية التي تشترط ضمانات مالية، في حين يذهب غرامين إلى الفئات الأكثر تهميشاً (ويمكن أن تختلف الشروط بحسب الدولة والمكان).
ثالثاً: إشراك العملاء في الملكية والإدارة
يمتلك المقترضون حوالي 92% من أسهم المصرف، ويشكّلون غالبية مجلس الإدارة (9 من 13 عضواً) كما أنهم يحصلون على نصيب من الأرباح، وهذا يجعلهم ليسوا مجرد عملاء، بل شركاء حقيقيين في اتخاذ القرار.
كيف يسترد “بنك الفقراء” أمواله؟
يسترد بنك غرامين أمواله بأسلوب مختلف عن البنوك التقليدية، قائم على الثقة والتنظيم الاجتماعي بدل الضمانات القسرية، وذلك عبر عدة آليات:
1. الإقراض الجماعي
يُمنح القرض ضمن مجموعة صغيرة (عادة 5 أشخاص)، حيث:
كل فرد مسؤول أمام المجموعة، لا يحصل باقي الأعضاء على قروض جديدة إذا تعثر أحدهم، هذا يخلق ضغطاً اجتماعياً إيجابياً يدفع الجميع للسداد.
2. الأقساط الصغيرة المنتظمة
يتم السداد عبر دفعات أسبوعية صغيرة تتناسب مع دخل المقترض وتقل احتمالية التعثر لأن العبء ليس كبيراً.
3. المتابعة المستمرة
يعقد البنك اجتماعات دورية (أسبوعية أو شهرية) مع المقترضين يتم خلالها متابعة السداد ومناقشة المشكلات يمنع تراكم الديون أو التأخير.
4. الحوافز المستقبلية
المقترض الملتزم يحصل على قروض أكبر لاحقاً، والسداد يصبح مصلحة شخصية للمقترض.
5. بناء علاقة ثقة
لا يطلب البنك رهونات أو كفلاء تقليديين، بل يعتمد على الانضباط والعلاقة طويلة الأمد مع العميل
ولذلك فبنك غرامين أو الفقراء لا يسترد أمواله بالقوة، بل عبر نظام اجتماعي منظم يجعل السداد جزءاً من مصلحة الفرد والمجموعة معاً، وهو ما يحقق نسب سداد عالية جداً.
كم بلغت نسب السداد؟
وتعد نسب السداد في بنك الفقراء من الأعلى عالمياً بالنسبة لسداد القروض بما في ذلك القروض التي تحصل عليها الشركات الكبرى ويكون عليها فوائد ضخمة، إذ تتراوح نسب السداد عادة بين 95% إلى 98%، وفي كثير من التقارير الرسمية للبنك تُذكر نسبة تقارب 97%.
كيف كانت تجارب بنك الفقراء في اليمن؟
في عام 2002، تم استنساخ تجربة البنك البنغالي في اليمن عبر تأسيس بنك الأمل للتمويل الأصغر (وهو أول بنك من نوعه في اليمن والمنطقة وشمال إفريقيا)، يستهدف الفقراء وأصحاب المشاريع الصغيرة عبر تقديم قروض ميسّرة دون الاعتماد على الضمانات التقليدية، إلا أنه ينتهج ما يعرف بـ “القرض الحسن” أي القرض الخالي من الفوائد تماماً.
يُعد بنك الأمل من أهم التجارب في هذا المجال عربياً، إذ يركز على دعم الشباب والنساء والفئات الهشة من خلال القروض والخدمات المالية والتدريب.
وحتى عام 2026 يستمر البنك في النمو لأكثر من 15 عاماً، مع زيادة في أفرعه إلى 18 فرعاً في عموم اليمن، ولديه 15 شريك محلي ودولي، كما وقع اتفاقيات مع العديد من الجامعات اليمنية لتمويل الطلاب، مع حصول البنك على العديد من الجوائز بما في ذلك جائزة أفضل بنك رقمي في الشرق الأوسط لعام 2023، بحسب موقعه الرسمي.
وتجاوزت عدد حسابات الادخار في البنك 327 ألف حساب، في حين تُظهر تقاريره السنوية ومؤشراته التشغيلية استمرار التوسع والاستدامة المالية رغم الظروف الصعبة في اليمن، ويُعد من المؤسسات التي تحافظ على جودة محفظة تمويل مرتفعة ضمن قطاع التمويل الأصغر.
ولم يقتصر الأمر على بنك الأمل في اليمن حيث برزت “المؤسسة الوطنية للتمويل الأصغر” التي تقدم قروضاً وخدمات ادخار للفئات محدودة الدخل، إلى جانب برنامج “الاتحاد للتمويل الأصغر” الذي يستهدف الأسر والمزارعين لتحسين سبل العيش.
وتعمل هذه المؤسسات ضمن إطار أوسع تدعمه شبكة التمويل الأصغر في اليمن، التي تنسق بين الجهات العاملة وتسهم في تطوير القطاع. إضافة إلى ذلك، تلعب بعض المنظمات الاجتماعية مثل “اتحاد نساء اليمن” دوراً في تقديم التمويل الصغير وتمكين النساء اقتصادياً.
هل يوجد تجارب عالمية أخرى؟
تمكن محمد يونس من نشر فكرته عالمياً، من خلال ظهور مؤسسات شبيهة تستلهم نموذج بنك “غرامين، من أبرزها:
- بنك “بانكو سول” (بوليفيا): من أوائل البنوك التجارية التي تبنت التمويل الأصغر في أميركا اللاتينية.
- “BRAC” (بنغلاديش): منظمة تنموية ضخمة تقدم قروضاً صغيرة وخدمات اجتماعية واسعة.
- “أكسيون” (Accion International): شبكة عالمية تدعم مؤسسات التمويل الأصغر في عدة دول.
- “كاشبور” (Cashpor Micro Credit): تعمل في الهند وتركز على تمويل النساء الفقيرات في المناطق الريفية.
- “FINCA International”: مؤسسة دولية تقدم خدمات التمويل الأصغر في آسيا وإفريقيا وأميركا اللاتينية.
- “غرامين أميركا” (Grameen America): فرع مستوحى من النموذج الأصلي يعمل داخل الولايات المتحدة.
هل يمكن تأسيس بنوك “تمويل صغيرة” أو بنوك “فقراء” في سوريا؟
تتوزع البنوك في سوريا بين بنوك عامة مملوكة للدولة وبنوك خاصة تابعة للقطاع الخاص، حيث تشكل البنوك الخاصة النسبة الأكبر من القطاع المصرفي، حيث يصل إجمالي عددها إلى 21 بنكاً منها 6 بنوك عامة، أبرزها المصرف التجاري السوري، إلى جانب 15 بنكاً خاصاً تُقدم خدمات مصرفية متنوعة تشمل الحسابات الجارية والتوفير والقروض وتلبية احتياجات الأفراد والشركات، ولا واحد منها يقدم قروضاً تشبه فكرة “التمويل الأصغر” أو “القرض الحسن” القائمة على المبدأ التنموي للأفراد الأقل دخلاً والأشد فقراً وتهمشياً في المجتمع السوري.
ويشكل بنك الفقراء أو التمويل الأصغر في سوريا خياراً واقعياً وضرورياً في مرحلة التعافي الاقتصادي، نظراً للحاجة الكبيرة لإعادة تنشيط الاقتصاد من القاعدة، خاصة في ظل ارتفاع معدلات الفقر التي تقدر بـ 90 في المئة وفق أرقام الأمم المتحدة، مع اتساع فجوة الوصول إلى التمويل التقليدي الذي قد لا توفره البنوك التقليدية أصلاً في ظل القطاع المالي في سوريا والذي ارتبط بشبكات فساد واسعة في النظام المخلوع.
يقوم هذا النموذج على فكرة تمكين الفئات المهمشة، ولا سيما النساء والشباب، من الحصول على قروض صغيرة من دون ضمانات لبدء مشاريع إنتاجية بسيطة، ويمكن توضيح فكرة التمويل الأصغر عبر مثالين:
محل حلاقة لشاب
حصل شاب على قرض صغير بقيمة 1500 دولار لافتتاح محل حلاقة في إحدى المدن الصغيرة أو القرى. استخدم المبلغ لاستئجار محل صغير وشراء المعدات الأساسية مثل الكراسي والمرايا وأدوات الحلاقة، إضافة إلى تأمين مواد التشغيل الأولية.
بدأ العمل مباشرة واستهدف الزبائن في الحي بأسعار مناسبة، ومع مرور الأشهر بدأ يحقق دخلاً يومياً مستقراً مكّنه من تسديد القرض على أقساط صغيرة من دون ضغط كبير. بعد فترة، توسع المشروع بإضافة خدمات جديدة مثل كرسي حلاقة ثانٍ مع شريك بالنسبة أو أجهزة العناية بالبشرة وغسيل الشعر وبيع مستحضرات العناية وأدوات الحلاقة المنزلية، ما زاد من عدد الزبائن والأرباح.
طبخ منزلي لامرأة
حصلت سيدة على قرض صغير بقيمة 800 دولار لبدء مشروع طبخ منزلي. استخدمت المبلغ لشراء أدوات مطبخ إضافية مثل فرن صغير وأوانٍ حديثة، إلى جانب شراء مواد أولية بكميات أكبر بأسعار أقل. بدأت بتحضير وجبات منزلية وبيعها داخل الحي، ثم توسعت تدريجياً عبر التسويق على وسائل التواصل الاجتماعي واستقبال طلبات للمناسبات الصغيرة.
مع مرور الوقت، أصبح لديها عدد ثابت من الزبائن، ما وفر لها دخلاً يومياً مستقراً مكّنها من تسديد القرض على أقساط مريحة. لاحقاً، طورت مشروعها بإضافة أصناف جديدة وتوظيف مساعدة، وربما التوسع إلى مطبخ إنتاجي صغير.
هذه النماذج تعكس جوهر التمويل الأصغر، حيث لا يحتاج المشروع إلى رأس مال كبير أو ضمانات معقدة، بل يعتمد على مهارة الشخص وقدرته على إدارة عمل بسيط يحقق دخلاً مستداماً. كما يوضح كيف يمكن لقرض صغير أن يتحول إلى مصدر رزق ثابت، ويسهم في خلق فرص عمل إضافية لاحقاً، سواء عبر توظيف مساعد أو افتتاح فرع جديد.
وهو ما يتناسب مع طبيعة الاقتصاد السوري الحالي الذي يعتمد بشكل متزايد على المبادرات الفردية والمشاريع الصغيرة. كما أن التجارب السابقة داخل سوريا، إلى جانب نماذج ناجحة عالمياً مثل “غرامين” وبنك الأمل في اليمن، تؤكد أن الطلب على هذا النوع من التمويل موجود وقابل للتوسع، خاصة مع إمكانية توظيفه في قطاعات حيوية مثل الزراعة والصناعات المنزلية والخدمات المحلية.
ومع انحسار العقوبات والانفتاح التدريجي على الاستثمار، تبرز فرص حقيقية لدعم هذا النموذج من خلال شراكات بين الحكومة والقطاع الخاص والمنظمات الدولية ورجال الأعمال الذين يطمحون لخدمة المجتمع وليس فقط للحصول على المزيد من الأرباح والمكاسب السياسية، إضافة إلى إدماج التكنولوجيا المالية لتسهيل الوصول إلى القروض عبر الهواتف المحمولة، وتعزيز الشمول المالي في المناطق التي تعاني من ضعف البنية المصرفية.
ما المشكلات المحتملة؟
وفي الحقيقة، قد يواجه تأسيس بنك فقراء للتمويل الأصغر في سوريا تحديات عديدة، أبرزها ضعف الإطار القانوني والتنظيمي، والتدهور الاقتصادي وارتفاع التضخم، وصعوبة تقييم الجدارة الائتمانية في ظل اقتصاد غير رسمي واسع وانعدام الإحصائيات، إضافة إلى محدودية التمويل، وضعف البنية التحتية المالية، وارتفاع مخاطر عدم السداد غير المشروطة، إلى جانب تحديات الثقة المجتمعية والحوكمة، ما يجعل نجاحه مرتبطاً بتحسين البيئة العامة وإيمان العاملين والمقترضين بجدوى العملية برمتها وليس مجرد إطلاق المؤسسة.
- تلفزيون سوريا






























