تقود مجموعة من العائلات السورية عبر “رابطة عائلات قيصر” معركة قضائية وحقوقية داخل المحاكم والقنوات القانونية المتاحة، في تحرك يوصف بأنه الأول من نوعه، وفق تقرير لشبكة سي إن إن.
ولا تهدف هذه العائلات من مساعيها القانونية إلى استخراج شهادات وفاة اعتيادية لإتمام معاملات الإرث، بل تسعى لانتزاع اعتراف قضائي رسمي بأن ذويهم قضوا “تحت التعذيب” في سجون النظام المخلوع.
تبدأ فصول هذه المأساة من لحظة التحول القاسية التي عاشها الأهالي؛ فبعد سنوات من البحث عن معتقل “حي”، انتقل المسار إلى أرشيف الجثث المسربة.
ويروي شقيق لضحية يدعى محمد كيف كان أخوه الأصغر ومدلل العائلة قبل أن تنقطع أخباره تماماً يوم اعتقاله، حيث يقول: “كنا نحن وأبي مثل آباء جدد له”.
ويضيف عن رحلة البحث: “دقت له كتير ما رد.. طلعت الصور وقدرنا نبحث لحتى لقينا صورته”.
طمس معالم الجريمة
وتسرد عائلة حسان علي البلخي، الذي اعتقل من منزله، كيف طرقت والدته أبواب كافة الفروع الأمنية دون جدوى، حتى ظهرت صوره لاحقاً بنسبة تطابق بلغت 95 في المئة.
إلا أن العقبة الكبرى لم تكن في التعرف على الضحايا فحسب، بل في مواجهة المنظومة القانونية التي تحاول طمس معالم الجريمة.
ويؤكد ذوو الضحايا رفضهم القاطع لمحاولات توجيه القضايا نحو تثبيت واقعة “وفاة عادية”، حيث صرح أحد الأشقاء بحزم: “إذا القاضي بده يعطيني وفاة عادية أو وفاة لمفقود ما بدي إياها.. نحن عم نثبت جريمة”.
وتقول إحدى السيدات بمرارة محملة الحكومة المسؤولية: “أخي تعرض للاختطاف والتعذيب والقتل، فأنتم المسؤولون كحكومة.. وين حقي ووين حق أولاد أخي؟”. كما أشارت أخرى إلى تجاهل وزارة العدل لطلباتها المتكررة، مؤكدة: “رفعت طلب مرتين لوزير العدل ولحد الآن ما في أي رد”.
“القتل تحت التعذيب”.. تزوير الحقيقة
وتتجلى ذروة الالتفاف القانوني فيما وصفه الأهالي بصدمة “قرارات القيادة”، حيث فوجئوا بصدور قرارات “توفية” لذويهم بناءً على أمر إداري عسكري من النظام المخلوع. ووصف المتحدثون هذا الإجراء بأنه محاولة من القاتل لإغلاق الملف نهائياً، قائلين: “قتل القتيل ومشي بجنازته.. وهذا اللي صار بالفعل”.
وتؤكد إحدى الشقيقات إصرارها على الحقيقة قائلة: “أنا ما رح اسمح إنه تتم تزوير شهادة وفاة أخي.. بدي ينكتب الحقيقة إنه استشهد تحت التعذيب وما رح اتنازل عن هي الجملة”.
وفي ظل هذه التعقيدات، تصر العائلات على رفض “تزوير الحقيقة” مقابل تسهيلات ورقية. ويختتم أحد ذوي الضحايا هذه المعركة بروح الصبر قائلاً: “مثل ما صبرنا 14 سنة اعتقال وتهجير وقصف وقتل، كمان نصبر سنة وسنتين.. العدالة مو كاملة بالأرض بس إذا حققنا منها شوي بكون كتير ممتاز”.
بالنسبة لهؤلاء السوريين، فإن العدالة لا تبدأ إلا بتسمية الأشياء بمسمياتها الحقيقية والاعتراف بأن ما جرى كان قتلاً تحت التعذيب.
وكانت الشبكة السورية لحقوق الإنسان، كشفت في تقرير لها عام 2022، أن النظام المخلوع يتحكم بوقائع تسجيل وفاة الضحايا ممن قتلوا أو فقدوا في سجونه أو خلال النزاع المسلح منذ آذار 2011، وذلك عبر أجهزته الأمنية و”مؤسسات الدولة”.
وأشارت الشبكة، إلى أن النظام المخلوع قتل ما لا يقل عن 200391 مدنياً بينهم 14464 تحت التعذيب وأخفى قسرياً 95696 آخرين منذ آذار 2011.
وأوضح التقرير أن نظام الأسد المخلوع امتنع عن إعطاء الأهالي شهادات وفاة باستثناء حالات قليلة، بغض النظر عما سوف يسببه ذلك من معاناة إضافية لذوي الشخص المقتول الذي لم يكتف النظام بقتله، بل امتنع عن إصدار شهادة وفاة له.
ولفت التقرير إلى معاناة ذوي المختفين أو المتوفين، نظراً لما يترتب على اختفاء الشخص من تداعيات على زوجته أو أبنائه أو إخوته، مثل المعاناة في ضرورة استخراج “وثيقة حصر الإرث” للمتوفى للتصرف بأملاكه، وإمكانية حصول زوجة الموظف المتوفى وأطفاله على المعاش التقاعدي، وتمكن الزوجة من طلب تعيينها وصية على أولادها القاصرين من قبل القاضي الشرعي ليتاح لها استخراج جوازات سفر لهم والحصول على تأشيرة السفر. كما أن عدم تسجيل واقعة الوفاة يحرم الزوجة من الزواج ثانية، وغيرها من الآثار الاجتماعية والحقوقية والقانونية.
- تلفزيون سوريا





















