للتذكير بما هو متفق عليه إحصائياً، هنا الدول الـ10 المنتجة للنفط في العالم، بالنسب المئوية: الولايات المتحدة، 22؛ السعودية، 11؛ روسيا، 11؛ كندا، 6؛ الصين، 5؛ العراق، 4؛ البرازيل، 4؛ الإمارات، 4؛ إيران، 4؛ الكويت، 3. بذلك فإنّ قرار أبو ظبي الانسحاب من «منظمة الدول المصدّرة للنفط»، أوبك، وبالتالي من «أوبك +» الأوسع أيضاً؛ لن تقتصر آثاره على قواعد الإنتاج والتصدير التي أرستها المنظمة الأمّ ووليدها طوال 66 سنة. ومن المنطقي أن يتسبب القرار في عواقب كثيرة متنوعة، يندرج بعضها تحت وصف الكارثية، وتشمل منطقة الخليج والشرق الأوسط والعالم، في ميدان النفط والطاقة وتوابعها الصناعية والاقتصادية والاستثمارية بادئ ذي بدء.
أهداف الإمارات ليست خافية، والأرجح أن القرار لا يخدم في المقام الأول أية أجندات ضمنية أو غير معلنة، فهذه إنْ وجدت يصعب أن تُضمر في إجراء حاسم مثل هذا، يستحق بالفعل صفة المنعطف التاريخي. «شركة بترول أبوظبي الوطنية»، أدنوك، تشتغل على استثمارات بقيمة 150 مليار دولار أمريكي، وعينها في سنة 2027 على نقلة حاسمة ترفع إنتاجها اليومي من 4,85 مليون برميل إلى 5 ملايين؛ الأمر الذي لا تعيقه قواعد «أوبك» الراهنة فقط، بل تمنعه فعلياً أيضاً بموجب الحصص المقررة. صحيح أنّ الانعتاق من قيود المنظمة كان يراود الإمارات منذ سنوات، أسوة بدول أخرى داخل «أوبك» على الأرجح، إلا أنّ الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية على إيران، وتعطّل مضيق هرمز، وتعرّض الإمارات لهجمات صاروخية إيرانية (يتردد أنها بلغت 550 صاروخاً و2200 مسيّرة)، وارتفاع سعر خام برنت إلى 111 دولاراً للبرميل… عوامل تضافرت لتسريع قرار أبو ظبي.
في عبارة أخرى، كان نهجاً منتظراً أنّ انكسار قواعد عمل «أوبك»، في سياقات عامة متراكمة وأخرى طرأت خلال الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية الراهنة، استوجب تبديل الثوابت التي كانت الإمارات تعتمدها في التعامل مع المنظمة إجمالاً، وحين لاح أن مصير تلك الثوابت يسير خصوصاً إلى محاق مضطرد. وبصرف النظر عن ملابسات القرار وما يمكن أن يفضي إليه من اهتزاز علاقة أبو ظبي بـ»مجلس التعاون الخليجي»، وبالسعودية تحديداً الأقرب إلى موقع قيادة الـ»أوبك»، أو ترحيب الرئيس الأمريكي بانسحاب الإمارات لأنه «في النهاية أمر جيد لخفض أسعار الغاز، وخفض أسعار النفط، وخفض كل شيء»؛ فإنّ سوق النفط ضمن خريطة النظام الدولي وصراعات الجبابرة لن تشهد تبدلاً ملموساً في الثوابت العتيقة.
ذلك لأنّ المستوى الأوّل في السياسات النفطية، الذي يمكن أن يكيّف خيارات القوى العظمى على نحو حاسم قد يدفعها إلى إرسال جيوشها الجرّارة لغزو البلدان والشعوب، ليس سوى الشكل الأعلى الظاهر من سياسات كونية تعتمدها أصلاً شركات النفط الكبرى العملاقة، وتنهض ركائزها على الاحتكار والسيطرة والاستغلال. وبالطبع لا تنقلب هذه الركائز إلى صناعة إمبريالية لائقة بالإمبراطوريات، الكبرى العملاقة بدورها، إلا إذا تكاملت سياسات النهب الخارجية مع تلك الداخلية؛ كما في المثال الأوضح الذي يشهده الغرب هذه الأيام، وتكرر مراراً: تذبذب أسعار برميل النفط، وزيادة أسعار الوقود على اختلاف أصنافه.
في المستوى الثاني، لا يغيّر هذه المعادلة ما قد يقوله نطاسي مدافع عن اقتصاد السوق، من أنّ الأسعار في هذه البلدان الرأسمالية إنما تتحدّد وفقاً لمبدأ العرض والطلب الشهير، لا لشيء إلا لأنّ شركات النفط الكبرى صارت أيضاً هي مالكة مصافي النفط العملاقة؛ وهي استطراداً الجهة التي تحدد العرض، وتتحكم بالطلب. وحين تقرّر هذه الشركات طرح كميات من الوقود في الأسواق لا تتناسب مع ما تبقيه مخزّناً في المستودعات، فإنها منطقياً تصنع الطلب على العرض؛ ومن المضحك بعدها أن يتحدّث المرء عن أيّ قوانين رأسمالية تدير أواليات اشتغال السوق عموماً، وتسعير السلعة بصفة خاصة.
المستوى الثالث يخصّ الدول المنتجة للنفط، وهنا تنقلب سياسات الشركات الكبرى في النهب الخارجي والداخلي إلى مزيج متنافر من التسليم والتبعية والتبذير والفساد، فضلاً عن طراز عجيب من وفرة لا توفّر الكفاية لأهلها، كما حين يضرب الفقر الكثير من الدول الغنية بالنفط، أو حين يضطرّ بعضها إلى استيراده غالي الثمن… بعد تصديره رخيصاً! وذات يوم وقعت في نيجيريا مأساة رهيبة ذهبت بحياة أكثر من 300 آدمي، إذ لم يجد هؤلاء وسيلة أخرى لتأمين الطاقة سوى ثقب أنابيب النفط الضخمة، على مبعدة أمتار قليلة من العاصمة لاغوس، حيث يمارس أساطين النفط أسوأ أنساق الاستغلال والنهب.
كان نهجاً منتظراً أنّ انكسار قواعد عمل «أوبك»، في سياقات عامة متراكمة وأخرى طرأت خلال الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية الراهنة، استوجب تبديل الثوابت
مأساوي أكثر أن تتكئ هذه الدول، عن يقين أو عن تعامٍ، على قاعدة خفض إنتاج النفط بغية تحسين شروط تسويقه وضبط تدهور الأسعار، الأمر الذي لا تتردّد «أوبك» في اللجوء إليه بين حين وآخر. وليست مفارقة أنّ وزير النفط السعودي الأسبق أحمد زكي يماني، كي لا نذهب إلى خبير آخر أجنبي، كان قد ساجل بأنّ هذه الوصفة الكلاسيكية تنتمي إلى حقبة سابقة انطوت صفحتها، واندحرت قوانينها أمام المعطيات الجديدة للحقبة الراهنة من علاقات الدول المنتجة بالدول المستهلكة.
وليست بعيدة عن هذه المعطيات، الأقرب إلى معادلات كونية قارّة، حقيقةٌ أدخلها انطواء حقبة الحرب الباردة، وهي أنّ البؤرة الإقليمية باتت هي التصغير (المحسوب بدقة ميدانية عالية) لعالم شهد أسبق انشطاراً إلى معسكرين وقطبين؛ فلم تجد العقائد السياسية والعسكرية والاقتصادية والأمنية الأمريكية عناء كبيراً في تشخيص بؤرتين كافيتين لاختصار المهمات الأكثر حيوية: بؤرة الخليج العربي مضافاً إليه إيران والقرن الأفريقي، وبؤرة شبه الجزيرة الكورية.
وتلك نقلة في الستراتيجية العامة دشنها جورج بوش الأب وتابعها بيل كلينتون، ثم خضعت لبعض التعديلات الطفيفة التي فرضها انفجار القوميات والإثنيات في دول المعسكر الاشتراكي السابق، قبل أن يذهب بها جورج بوش الابن إلى حدّ أقصى هو إرسال مئات آلاف الجنود الأمريكيين إلى المنطقة وغزو العراق؛ ويطوّرها دونالد ترامب، اليوم، في أطماع توسعية لا تبدأ من الرسوم الجمركية ولا تنتهي عند اختطاف الساسة من قصورهم وإسالة اللعاب على الجُزُر.
وفي العودة إلى القرار الإماراتي بالانسحاب من «أوبك»، يُشار إلى أنّ النفط الخليجي لم يفقد أهميته بقدر ما خضع أكثر فأكثر لمعطيات تلك النقلات، بل لعلّه بدا أشدّ ميادين العلاقات الدولية خضوعاً لتطبيقاتها الميدانية. في المقابل، كانت معظم الدول الغربية قد انتهجت سياسة التخزين الستراتيجي للخام، وسحبت بالتالي ملفات حصص الإنتاج والأسعار من يد الدول المنتجة، ونجحت في تلزيمها إلى سوق بات أكثر انضباطاً على يد الشركات الكبرى العملاقة. الخطوة التالية كانت وضع منظمة الـ «أوبك» أمام أمر واقع لا يفرغها من مضمونها التنظيمي الذي قامت على أساسه فحسب، بل يفقدها العديد من هوامشها التفاوضية أو إواليات الضغط التي اعتادت اللحوء إليها.
ومن باب تحصيل الحاصل أن ترصد الإمارات، من دون عناء هنا أيضاً، مقدار انكسار القواعد القديمة، مقابل ما تسفر عنه من اهتزاز الثوابت قديمة كانت أم جديدة، وتلك التي تتصل بسوق النفط والاستثمار أو الائتلافات الخليجية والإقليمية، أو قواعد ما بعد 7 تشرين الأول (أكتوبر) 2023. وبالتالي أن تقطع الخطوة الحاسمة نحو انعتاق لا يقلّ عن انشقاق، حيث ينتظرها مزيج من المغانم والعواقب… سواء بسواء، أغلب الظنّ.
٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس
- القدس العربي

























