في سابقة نادرة، وربما الأولى من نوعها في تاريخ سوريا الحديثة، يطعن محامون بقرار حكومي يقضي برفع أسعار الكهرباء. هذه الخطوة، التي قد تبدو للبعض رمزية أو غير ذات جدوى، إلا أنها تحمل في الواقع دلالات قانونية ومؤسسية عميقة، وتفتح نقاشاً ضرورياً حول حدود الرقابة القضائية على القرارات الاقتصادية العامة.
أولاً: لماذا تُعدّ هذه الخطوة غير مسبوقة؟
منذ عقود، اعتادت الحكومات السورية إصدار قرارات التسعير للكهرباء أو المحروقات أو الاتصالات، باعتبارها شأناً تنفيذياً خالصاً لا يخضع للمراجعة القضائية. ورغم أن هذه القرارات تمسّ حياة المواطنين مباشرة، لم يُسجَّل، على حدّ علمي، أن أحداً تقدّم بطعن مباشر في قرار حكومي يرفع سعر مادة تحتكر الدولة بيعها.
وبعد البحث في الاجتهادات القضائية، لم يظهر أي سابقة قضائية تتعلق بالطعن في مشروعية قرار حكومي برفع الأسعار. فكل ما هو متوفر في السجلات القضائية يتعلق فقط بتعويض المتعهدين عند ارتفاع أسعار مواد محصورة بيعها بالدولة، وليس بالطعن في القرار نفسه. بمعنى آخر، كان القضاء يتعامل مع آثار القرار على المتعاقدين مع الدولة، لا مع مشروعية القرار ذاته.
من هنا تأتي أهمية هذه الخطوة: فهي لا تواجه قراراً حكومياً فحسب، بل تواجه أيضاً تقليداً طويلاً من الصمت القضائي تجاه القرارات الاقتصادية، وتضع السلطة التنفيذية لأول مرة أمام احتمال أن تُسأل قضائياً عن تسعير خدمة تحتكر تقديمها.
إن وجود “عقد اشتراك” قد يوحي بوجود علاقة تعاقدية، لكن هذا الوصف يتجاهل حقيقة أساسية، وهي أن الأسعار لا تُحدَّد بالعقد، والمواطن لا يفاوض على شروط الخدمة، والدولة لا تتصرف كطرف مدني، والتسعيرة تُفرض بقرار تنظيمي عام.
ثانياً: القرار محل الطعن… هل هو قرار إداري أم عقد إذعان؟
الجدل القانوني الذي رافق الطعن كشف عن إشكالية أعمق: هل علاقة المواطن مع مؤسسة الكهرباء علاقة تعاقدية (عقد إذعان)، أم علاقة لائحية تنظمها قرارات إدارية عامة؟
إن وجود “عقد اشتراك” قد يوحي بوجود علاقة تعاقدية، لكن هذا الوصف يتجاهل حقيقة أساسية، وهي أن الأسعار لا تُحدَّد بالعقد، والمواطن لا يفاوض على شروط الخدمة، والدولة لا تتصرف كطرف مدني، والتسعيرة تُفرض بقرار تنظيمي عام. وبالتالي، فإن التكييف القانوني الأقرب للصواب هو أن قرار رفع الأسعار هو قرار إداري تنظيمي يخضع لاختصاص القضاء الإداري، وفق المادة 8 من قانون مجلس الدولة، التي تنص على اختصاصه بالطعون في القرارات الإدارية النهائية. وإن التمسك بوصف “عقد إذعان” يبدو في كثير من الأحيان محاولة لنقل النزاع إلى القضاء العادي، أكثر مما هو توصيف دقيق لطبيعة العلاقة القانونية.
ثالثاً: هل يمكن اعتبار قرار رفع الأسعار عملاً من أعمال السيادة؟
يذهب رأي آخر إلى أن القرارات الاقتصادية الكبرى تدخل ضمن “أعمال السيادة” التي لا تخضع للرقابة القضائية. لكن هذا التوسع في مفهوم أعمال السيادة لا يستند إلى أساس قانوني واضح. فأعمال السيادة، كما استقر في الفقه والقضاء، تشمل العلاقات بين السلطات الدستورية، والسياسة الخارجية، والقرارات العسكرية العليا، ولا تشمل إدارة المرافق العامة أو تحديد أسعار الخدمات العامة. إن إدخال القرارات التسعيرية في دائرة أعمال السيادة يعني عملياً تحصين الإدارة من أي رقابة وحرمان المواطن من أي وسيلة قانونية للاعتراض، وهو ما يتعارض مع مبدأ خضوع الإدارة للقانون ومع أبسط معاني دولة القانون.
رابعاً: ما هو الحل إذا رفض القضاء المدني والقضاء الإداري معاً النظر بالدعوى؟
هذا السيناريو وارد، وقد حدث في قضايا أخرى. والقانون السوري وضع آلية واضحة لحلّ هذا الإشكال بقوله: “إذا صدر حكمان متناقضان بعدم الاختصاص من جهتين قضائيتين مختلفتين، فإن محكمة النقض هي المرجع المختص بتعيين الجهة القضائية التي يجب أن تنظر في النزاع”. بهذا المعنى، لا يمكن للنظام القضائي أن يترك المواطن معلّقاً بين جهتين كلتاهما تقول: “لست مختصة”. لأن إنكار العدالة محظور، ولو نظرياً، ومحكمة النقض تصبح ملزمة بتحديد المرجع المختص، وهو ما يفتح الباب، ولو متأخراً، أمام مراجعة قضائية حقيقية لقرار التسعير.
حتى ولو رفض القضاء النظر في هذه الدعوى، في هذه الحالة، لن يكون مجرد قرار إجرائي، بل سيكون موقفاً مؤسسياً يُقرأ ويُحلَّل ويُسجَّل في ذاكرة القانون والمجتمع.
خامساً: لماذا يبقى رفع الدعوى خطوة مهمة مهما كانت النتيجة؟
حتى لو انتهت الدعوى بالرفض، فإن مجرد رفعها يحقق عدة آثار مهمة، منها منع تحصين القرار من الرقابة، وتسجيل اعتراض قانوني رسمي، وإحراج الإدارة وإجبارها على تقديم مبررات، وخلق سابقة يمكن البناء عليها مستقبلاً، وفتح نقاش عام حول مشروعية القرارات الاقتصادية، وإعادة الاعتبار لدور القضاء الإداري في حماية الحقوق. وإضافة إلى ذلك، فإن هذه الدعوى تضع القضاء نفسه أمام امتحان:
هل يختار أن يكون جزءاً من منظومة تحصين القرارات الاقتصادية ويرفض الدعوى، أم يقبل النظر بها شكلاً وموضوعاً، وبالتالي يصبح جزءاً من منظومة الرقابة على السلطة؟
حتى ولو رفض القضاء النظر في هذه الدعوى، في هذه الحالة، لن يكون مجرد قرار إجرائي، بل سيكون موقفاً مؤسسياً يُقرأ ويُحلَّل ويُسجَّل في ذاكرة القانون والمجتمع.
وقد لا تؤدي هذه الدعوى إلى إلغاء القرار، وقد تواجه عقبات إجرائية أو مؤسسية، لكن قيمتها الحقيقية تكمن في كونها أول محاولة جدية لكسر احتكار السلطة التنفيذية للقرارات الاقتصادية دون رقابة.
إنه اختبار لمدى قدرة القضاء السوري على ممارسة دوره الطبيعي في حماية الحقوق، واختبار لمدى استعداد الإدارة لتقديم مبررات قانونية لقراراتها، واختبار لمدى وعي المواطن بحقه في مساءلة السلطة.
إنها خطوة صغيرة في ظاهرها، لكنها كبيرة في معناها، خطوة تقول إن المواطن ليس متلقياً صامتاً، وإن الإدارة ليست فوق القانون، وإن القضاء، مهما كانت قيوده، يبقى ساحة يجب أن تُطرق أبوابها.
وربما تكون هذه الخطوة بداية لمسار جديد يعيد الاعتبار لفكرة أن القرار الإداري، مهما كان اقتصادياً أو حساساً، لا يجب أن يكون بمنأى عن الرقابة القضائية، وأن التسعير ليس قدراً منزلاً، بل فعلاً قانونياً يمكن مساءلته ومناقشته والطعن فيه.
- تلفزيون سوريا























