تكفل الإبلاغ عن حساب على منصة تيك توك بفضح سر أمجد يوسف ومكان إقامته، ودفع جهاز الأمن العام لمراقبته ومن ثم إلقاء القبض عليه خلال الأسبوع الماضي من دون مقاومة تذكر. غير أن اعتقال جزار التضامن ليس مجرد عملية أمنية ناجحة، بل لحظة كاشفة لسؤال أعمق في سوريا ما بعد الحرب وهو كيف تتحول المعرفة بوجود المجرم وبالجريمة نفسها إلى شهادة، في بلد ماتزال عملية الإبلاغ نفسها محل جدل؟
منذ سقوط نظام الأسد في كانون الأول 2024، وتشكّل حكومة سورية جديدة بقيت مسألة الإبلاغ عن المجرمين معلّقة بين الخوف وغياب القنوات الواضحة، في وقت تُعدّ الشهادة حجر الأساس لأي مسار نحو المحاسبة.
لكن غياب القنوات الرسمية ليس العامل الوحيد الذي يفسّر هذا الصمت. فالإبلاغ في السياق السوري لا يرتبط فقط بالأمان القانوني، بل أيضاً بالسردية السائدة التي تقبل بموجبها الشكوى أو يشكك بها وبنوايا صاحبها. وهكذا، وضمن بيئة تتنازعها روايات متضاربة، بات كثيرون يخشون أن تتحول شهاداتهم من أداة لتحقيق العدالة إلى مادة للجدل أو التشكيك، أو حتى إلى خطر يهدد حياتهم. وهنا، لا يصبح الصمت مجرد خوف، بل خياراً عقلانياً في ظل غياب ضمانات حقيقية للحماية والإنصاف.
ولا يمكن فهم هذا الصمت من دون العودة إلى إرث النظام البائد، الذي حوّل الإبلاغ من أداة لحماية المجتمع والصالح العام، إلى ممارسة ارتبطت على مدار عقود طويلة بالتدخل بشؤون الغير والإيقاع بهم. فقد ارتبطت فكرة (المخبر) في وعي الناس بالخوف والوصم وانعدام الثقة. وهذا الإرث لم يتبدد فور سقوط النظام، بل مايزال قابعاً حتى اليوم في أعماق النفوس، يثير خوف الناس وترددهم ويمنعهم من الإدلاء بشهاداتهم.
وإلى جانب هذا الإرث الثقيل، يتفاقم التردد في الإبلاغ بفعل غموض سياسات الحكومة الجديدة تجاه من يبلغ الانتهاكات، في ظل غياب آليات واضحة وآمنة تتيح تقديم الشكاوى وتحمي الشهود، ما جعل الناس يعيشون حالة تشوش ما بين حاجتهم للعدالة والخوف من تبعاتها.
والخبر الأهم هنا أن الشعوب لا تتعلم الإبلاغ تلقائياً بعد عقود من الإسكات المتعمد، بل تحتاج المسألة أولاً إلى الثقة بالمؤسسات وقدرتها على حماية الشهود، إلى جانب نشر هذه الثقافة عبر توعية الناس بحقوقهم وآليات الإبلاغ المتاحة. وفي هذا السياق، يلعب المجتمع المدني دوراً محورياً في كسر حاجز الخوف، سواء عبر تشجيع الأفراد على الإدلاء بشهاداتهم، أو من خلال العمل كوسيط بين الضحايا والأطر القضائية.
أهمية التدرج في مسار العدالة
تمثل البوسنة والهرسك مثالاً واضحاً على ذلك، إذ لم يتحول الصمت هناك إلى شهادات فجأة، بل مر عبر مسار تدريجي. فبعد الحرب التي قامت في التسعينيات، عاش كثير من الضحايا جنباً إلى جنب مع الجناة، ما جعل الخوف من الانتقام واقعاً يومياً، في ظل ثقة شبه معدومة بالمؤسسات. غير أن إنشاء المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة شكّل نقطة تحول، إذ وفّر إطاراً دولياً لا يرضخ للضغوط المحلية بسهولة، ووجه رسالة واضحة للناس بأن الجرائم لن تُطوى مهما طال الزمن.
ومع اعتماد آليات لحماية الشهود، شملت إخفاء الهوية ونقل بعضهم إلى أماكن آمنة، إلى جانب توفير دعم نفسي وقانوني للضحايا حتى يدلوا بشهاداتهم، بدأت بيئة الشهادة تتغير تدريجياً. ومع صدور الأحكام الأولى، ازداد استعداد الناس للإدلاء بشهاداتهم، وبذلك تحولت الشهادة من مخاطرة فردية إلى جهود جماعية تسعى لتحقيق العدالة ضمن منظومة توفر مستوى جيداً من الأمان والثقة.
ولعل المثال الأقرب لسوريا ما حدث في الأرجنتين التي حكمتها دكتاتورية عسكرية أخفت نحو 30 ألف إنسان بشكل قسري، ومارست التعذيب والقتل الممنهجين، وهكذا عاش المجتمع في خوف شديد من فكرة الإبلاغ، فضلاً عن غياب آليات موثوقة لذلك أصلاً. وبعد سقوط الديكتاتورية، أنشئت لجنة تحقيق أجرت محاكمات لبعض قادة الجيش، لكنها سرعان ما تعرضت لضغوط من الجيش نفسه، فأصدرت قوانين عفو عن المجرمين الذين أصبحوا يعيشون جنباً إلى جنب مع ضحاياهم في الأحياء نفسها أحياناً. وهكذا ظل الخوف معششاً في النفوس، لكنه أصبح ممزوجاً بمرارة اليأس وخيبة الأمل هذه المرة، بعد أن أفرغت عملية الإبلاغ من معناها. وهنا ظهر دور حاسم للمجتمع المدني من خلال أمهات المفقودين اللواتي بقين يتظاهرن في ساحة مايو وسط العاصمة الأرجنتينية، ويطالبن بالكشف عن الحقيقة ومحاسبة الجناة، فحولن بذلك قضية المفقودين إلى ذاكرة جمعية لا تمحى، ما دفع لإسقاط العفو عن الجنرالات المجرمين في مطلع الألفية الثالثة، ومحاكمتهم من جديد، وهذا ما خلق حالة ثقة وشجع الناس على العودة بالتدريج للإدلاء بشهاداتهم.
وبعد الإبادة التي حصلت في رواندا عام 1994، انهار النظام القضائي أمام عدد المتهمين الهائل، ما دفع السلطات إلى إنشاء محاكم محلية للغاية، اعتمدت على شهادات المجتمع المحلي نفسه، حيث كان الجيران يشهدون على جيرانهم أمام الملأ ضمن شهادة جماعية تناقش خلالها الجرائم على مستوى القرية التي ارتكبت فيها بشكل مباشر. وقد أسهم هذا النموذج في تخفيف حدة الخوف تدريجياً وتسريع وتيرة المحاسبة، لكنه أثار جدلاً أيضاً حول مدى دقة بعض الشهادات واحتمال تأثرها بالعلاقات الشخصية.
باختصار، يحتاج الإبلاغ إلى بيئة آمنة، وآليات واضحة تتيح توثيق الأدلة الأساسية مثل الزمان والمكان والأطراف المتورطة وطبيعة الجريمة، بما يضمن تحويل المعرفة بالانتهاك إلى شهادة قابلة للاستخدام القانوني. كما أن الإلمام بالمبادئ الأساسية للقانون الدولي الإنساني يساعد على تمييز الانتهاكات الجسيمة، ويوجه عملية التوثيق نحو الجهات المختصة، سواء على المستوى الوطني أو الدولي، أو عبر المنظمات الحقوقية المعنية بتوثيق الجرائم وحفظ الأدلة المرتكبة في سوريا منذ عام 2011. وفي السياق ذاته، تكتسب مفاهيم مثل تسلسل القيادة والولاية القضائية العالمية أهمية خاصة، لما توفره من أدوات قانونية تتيح محاسبة مرتكبي الجرائم والانتهاكات حتى في حال تعثر القضاء المحلي، أو عدم قدرته على الوصول إلى الجناة. وفي ظل تعقيدات المرحلة الانتقالية في سوريا، يبرز دور الإعلام والمجتمع المدني في تعزيز الوعي بأن الإبلاغ ليس فعلاً فردياً معزولاً، بل مسؤولية جماعية هدفها حماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية.
بعد إلقاء القبض على أمجد يوسف، تجمع أهالي حي التضامن حول الحفرة التي أُلقي فيها أحباؤهم، مستعيدين ما شهدوه من ظلم طال أفراداً من عائلاتهم وجيرانهم، ومطالبين بإجراء محاكمة للمجرم في مسرح الجريمة ذاته.
لم يكن هذا المشهد مجرد رد فعل عاطفي، بل أعاد طرح سؤال أوسع يتعلق بكيفية انتقال المجتمعات الخارجة من الحرب من مرحلة الصدمة وما يترتب عليها من خوف وتقوقع على الذات، إلى مرحلة المحاسبة التي تعتبر عملية الإبلاغ أحد ركائزها.
تكشف قصة اعتقال جزار التضامن عن تحوّل أكبر في مسار العدالة ضمن بيئات ما بعد النزاع، حيث يمكن لمعلومة عابرة أو بلاغ فردي أن يتحول إلى مدخل للمحاسبة بعد سنوات من الإفلات من العقاب. لكن هذا التحول سيظل هشاً إن لم يبنى على أسس واضحة وموثوقة بالنسبة لعملية الإبلاغ، وعلى ثقة حقيقية بين المواطن والمؤسسات. وما بين إرث الخوف من تكرار الماضي وتعقيدات الحاضر، يبقى السؤال: هل تستطيع سوريا أن تجعل من الشهادة إجراءاً روتينياً ضرورياً لا استثناء محفوفاً بالمخاطر، ومن الإبلاغ خطوة نحو العدالة لا مدعاة للخوف؟
- تلفزيون سوريا
























