تصاعدت الانتقادات الحقوقية لمسار العدالة الانتقالية الذي تتّبعه السلطة في دمشق مع اعتقال أمجد يوسف، الذي ارتبط اسمه بمجزرة حي التضامن في عام 2013، وبعد بدء المحاكمات للضابط الشهير، عاطف نجيب، المسؤول عن انتهاكات ارتُكبت بحقّ أطفالٍ في درعا في 2011، فكانت شرارة الثورة، إضافة إلى محاكمات غيابية لكبار رجالات النظام، ومنهم بشّار الأسد. وتطاول الانتقادات مرسوم تشكيل الهيئة العامة للعدالة الانتقالية وفصلها عن هيئة المفقودين، وأنّها لا تتناول سوى جرائم النظام البائد؛ وكذلك تطاول عدم استقلالية عمل الهيئة بسبب تبعيتها للسلطة، وغياب المشاركة في مسارها، خصوصاً من ذوي الضحايا والمتضرّرين. وتطاول الانتقادات أيضاً إجراء المحاكمات أمام القضاء السوري التابع لوزارة العدل، ووفقاً للقوانين السورية التي لا تحاسب على الجرائم ضدّ الإنسانية، بل يتعامل معها القانون السوري بوصفها جنايات، بدلاً من صوغ مسار للعدالة الانتقالية وإدخال التشريعات الدولية المتعلّقة بها. ومن ثمّ كان هناك تسخيف للجرائم والمحاكمات، خاصّةً في حضور مجموعة من المؤثّرين المقرّبين من السلطة يأخذون صور “سيلفي” مع المتهمين، فيما تُظهر محاكمة الأسد غيابياً قمّة المهزلة والاستهتار بالضحايا، إذ لم يدَّعِ عليه، بحسب القانون السوري، سوى 45 شخصاً.
يعتقد أصحاب القرار في دمشق أنّ اختصار مسار العدالة الانتقالية في محاكمات قضائية، بطابع استعراضي، سيهدّئ حاضنة الثورة الغاضبة من تعويم مجرمي الحرب، ومن غياب الحلول لتوفير الحدّ الأدنى من متطلّباتهم المعيشية والخدمية، خصوصاً في المناطق المدمّرة، وقد جاء توقيت الحدثَين في وقتٍ تعالت فيه أصوات داعية إلى اعتصامات، على غرار اعتصام قانون وكرامة في الرقّة وحلب، بعد نجاح الأخير في دمشق. تتداول المنظّمات الحقوقية العاملة في الشأن السوري برامج للعدالة الانتقالية قائمة على محاسبة كبار مرتكبي الجرائم، وكشف الحقيقة والمصالحة، وجبر الضرر والتعويض، وإصلاح المؤسّسات، إلا أنّ هذه المقاربة القانونية والقضائية تتعاطى مع العنف السياسي بعدّه سلسلةً من الجرائم الفردية، لأنّها تُغفل أسبابه البنيوية التي في أساسها السياسات الاجتماعية والاقتصادية غير العادلة، ولا تتعاطى بجدّية مع فكرة عدّ الاقتصاد ساحةً للنهب؛ ولا يمكن بناء الثقة بين السلطة والشعب، إلا إذا تجاوزنا مسبّبات العنف البنيوية.
مسار عدالة انتقالية من دون بعد اقتصادي – اجتماعي، لن يحقّق خروجاً من دوائر العنف
وبنت معظم المقاربات الحقوقية للعدالة الانتقالية في سورية برامجها على أنّ ما حصل كان حرباً أهلية، أو صراعاً طائفياً، وبذلك لم تلحظ في برامجها ضرورة تجاوز المسبّبات الأساسية للثورة السورية، وللعنف المرافق لها. إنّ عدم تجاوز أسباب العنف ضمن مسارات العدالة الانتقالية يُبقي الباب مفتوحاً أمام عودة هذا العنف، وتصبح البرامج الأممية والحقوقية حلولاً ترقيعية لأزمة العنف، ولا تكفي لمنع تجدّده، خصوصاً إذا كرّر الحكم الجديد سياسات النظام البائد القائمة على الاحتكار والفساد والإفقار، التي تكثّفت في ظلّ الحرب. فمغزى ما طُرح من برامجَ هو العودة إلى لحظة ما قبل اندلاع هذا العنف، أي ما قبل الثورة، وبالتالي إهمال مسبّباتها القائمة على غياب العدالة الاجتماعية، وسوء توزيع الدخل. يقود هذا الخلل مسار العدالة الانتقالية إلى حالة هزلية من التشفّي الآني بالمجرمين الذين يخضعون إلى محاكمات أو تحقيق، ولا يردّ الحقوق إلى من ثاروا وضحّوا، ولا يحقّق المطالب التي قامت من أجلها الثورة، ويعزّز التبريرات الطائفية وحدها سبباً للعنف، وينتهي المشهد المسرحي باعتراف أمجد يوسف بأنّه ارتكب المجزرة بمفرده، مبرّئاً قيادات النظام، ومحيلاً أسباب العنف إلى الدافع الطائفي، ما يعزّز بروباغاندا السلطة حول الجماعة “المنتصرة” والجماعة “المهزومة”، وأنّ هيئة تحرير الشام، والفصائل المتحالفة معها، تمثّل المظلومية السنّية التي انتصرت أخيراً، في احتكار لرواية الثورة وتغييب لأسبابها، اعتقاداً منهم أنّها وصفة ناجعة للالتفاف على مطالب الناس.
كان لصرخات الحرية في دول “الربيع العربي”، وسقوط نظامَي زين العابدين بن علي (تونس) وحسني مبارك (مصر) دور في خلق الدافع والأمل لدى السوريين، إلا أنّ الثورة السورية كانت أكثر جذرية في أسبابها العميقة، ويقبع العامل الطبقي في صلبها. لم يخرج السوريون ضدّ نظام الأسد ليُقتَلوا بالمجّان، ولم يكن هناك مجاعة، إلا أنّ الفئات التي صمدت وتحدّت القتل، ثم انتقلت إلى العنف المسلّح، هي أهل المناطق الأكثر فقراً في الأحياء الطرفية، وفي القرى السورية الأبعد، في حين انكفأت المناطق التي تضمّ الطبقة الوسطى غالباً، وهناك مناطق تضرّرت ورشُها المحلّية من سياسات نظام الأسد في الانفتاح الاقتصادي على البضائع التركية والصينية، مثل صناعة الموبيليا في مدن داريا وسقبا وحمورية في ريف دمشق، ما جعل تلك المدن من أكثر البلدات صموداً خلال الثورة.
إعادة بناء الاقتصاد بشكل عادل أساساً لا غنى عنه لأيّ سلم واستقرار وطنيَّين مستدامَين
خلال سنوات الثورة والحرب المرافقة لها، أصبحت السياسات الاقتصادية والعمرانية للنظام أداةً للحرب وتعميق الظلم، إذ هُدّمت قرى وأحياء، وصودرت الممتلكات، وتكرّس التهميش والإقصاء، ودمّرت فرص العمل في ظلّ تحوّل الاقتصاد الوطني إلى اقتصاد حرب لمصلحة أمراء الحرب في مناطق النفوذ السورية المتعدّدة، مع تقطع سلاسل الإمداد بين تلك المناطق، وتحوّل الشبّان إلى التطوّع في الفصائل أيّاً كانت ولاءاتها وتبعياتها، وغابت فرص العمل للنساء، ما أحدث أزمةً كبيرةً تستحقّ التوقّف عندها في ظلّ تصاعد أعداد الأرامل وفقدان المعيل. هنا يصبح من الضروري تجاوز تلك السياسات؛ حتى الآن، لم ننتقل إلى بناء اقتصاد وطني ذي سيادة، يعطي أولويةً لدعم المنتوج الوطني، الزراعي والصناعي وغيره، وما زال اقتصاد الحرب هو السائد، يتجلّى ذلك في أعمال هيئة الكسب غير المشروع، في مصادرة أملاك، أو عقد تسويات مع شخصيات مرتبطة بنظام الأسد وممارساته الإقصائية والعقابية، كما أنّ الإصرار على إلغاء المرسوم 66 لعام 2012، الذي يخصّ إحداث منطقتَين تنظيميتَين في دمشق (ماروتا سيتي وباسيليا سيتي) في مناطق كانت ثائرةً ضدّ النظام، وعرض مخطّطات تنظيمية وضعها النظام البائد في جوبر والقابون، من دون إشراك أصحاب العقارات في التخطيط العمراني.
إنّ الغرق في تنفيذ مسارات العدالة الانتقالية بشقّيها القضائي والقانوني، من دون النظر إلى البُعد الاقتصادي – الاجتماعي، لن يقود إلى الخروج من دوائر العنف. إلى جانب محاسبة كبار المجرمين، عسكريين واقتصاديين وإعلاميين وسياسيين من الأطراف كلّها، وإيقاف العمل بقرارات الاستيلاء الجائرة… إلى جانب ذلك، يحتاج السوريون اليوم إلى بناء اقتصاد وطني ينصف السوريين الأكثر هشاشةً، ويراعي التخطيط الإقليمي في توزيع الثروة والدخل ودعم التنمية، بذلك يصبح لبرامج العدالة الانتقالية جدوى مستدامة. فتقويض أسس الكفاف والكرامة لملايين السوريين، وأغلبهم تحت خطّ الفقر، سيزيد من فرص تحويل سبل العيش إلى أداة للعقاب الجماعي والتحكّم الاجتماعي. فانتهاك الحقوق الاقتصادية والاجتماعية ليس مجرّد أثر جانبي للحرب، بل هو في جوهر الاستراتيجية طويلة الأمد الهادفة إلى زعزعة الاستقرار المجتمعي وإعادة تشكيله قسراً. لذا فإنّ أيّ مسار حقيقي للعدالة الانتقالية يجب أن يأخذ بجوهره مساءلة هذه الانتهاكات، واستعادة الحقوق في السكن والعمل، وإعادة بناء الاقتصاد بشكل عادل أساساً لا غنى عنه لأيّ سلم واستقرار وطنيَّين مستدامَين، لأنّه يخلق علاقات بين السوريين قائمةً على المصلحة المشتركة، ويتيح فرص الحوار الحقيقي الذي يعيد بناء السردية السورية.
- العربي الجديد





















