تكشف حالة “الانحشار” السوري ضمن الخيار الروسي في النفط، والصيني في تقنية الاتصالات، عن محدودية الدعم الاقتصادي والمالي المباشر من جانب الحلفاء لسلطة الحكم القائمة اليوم في دمشق، مقارنة بتجربة مصر في بداية حكم الرئيس عبد الفتاح السيسي، أو تجربة إيران في دعم نظام الأسد البائد.
فالتقرير الأخير لـ”رويترز”، يشير إلى ضيق هامش الخيارات المتاحة لدمشق، على صعيد استيراد ثلث حاجتها اليومية من النفط، مما جعلها تذهب أبعد في الاعتماد على خيار المورّد الروسي. وهو نتيجة مباشرة لجملة أسباب، أحدها، عدم استعداد حلفاء دمشق الحاليين، في الإقليم، لدفع تكلفة مستمرة لأمد، بالمعنى الاقتصادي والمالي، لتوفير مظلة تتيح للحكم توطيد أركانه. والملفت أن تقرير “رويترز” أشار إلى فشل جهود مسؤولي الطاقة في سوريا، حتى الآن، في تنفيذ صفقة نفطية مع تركيا. وعجزهم عن إبرام عقود طويلة الأجل مع منتجين في الخليج، بسبب ضعف القدرة الشرائية ومحدودية حجم السوق السورية. أي أن أقرب الحلفاء في تركيا والخليج، يغلّبون الاقتصاد على السياسة في تعاطيهم مع الحليف السوري.
وقياساً بالدعم السياسي والدبلوماسي والأمني، يبدو الدعم التركي والخليجي لحكم الرئيس أحمد الشرع، من الزاوية الاقتصادية، محدوداً. إذ كانت هناك منحة لمرة واحدة، بنحو 90 مليون دولار، لدعم رواتب موظفي القطاع العام بسوريا، لـ3 أشهر، بتمويل قطري- سعودي. وكانت هناك منحة سعودية نفطية قدرها 1.65 مليون برميل، قُدمت لسوريا، خلال الخريف الفائت. وقبل ذلك، كانت هناك مبادرات قطرية مؤقتة، لدعم سوريا بالغاز عبر الأردن، وتمويل شراء الغاز الأذربيجاني عبر تركيا. وهي مبادرات لا نعرف تكلفتها بدقة. لكن بالمجمل، نحن نتحدث عن بضع مئات من ملايين الدولارات، لا ترتقي إلى رقم المليار دولار، على الأرجح، وذلك على مدار سنة ونصف السنة من حكم الشرع. وبالعودة إلى تجربة دعم الخليج (السعودية، الإمارات، الكويت)، لتوطيد أركان حكم السيسي، نجد أن مصر تلقت ما بين تموز 2013 وحتى نهاية 2014، وفق الأرقام الرسمية، نحو 35 مليار دولار، توزعت بين مساعدات نفطية، وودائع في البنك المركزي المصري، ومنح ومساعدات نقدية وعينية مباشرة. أما بالعودة لتجربة دعم إيران لنظام بشار الأسد، بعد 2011، فعلى صعيد النفط وحده، هناك تقديرات بإنفاق نحو 11 مليار دولار، من دون أن نحتسب تكلفة خط الائتمان بالعموم، والذي كان يشمل أيضاً مواد غذائية وطبية.
في المقابل نلتقط في تعامل الحلفاء الإقليميين لـ”سوريا الجديدة”، من الزاوية الاقتصادية، ملامح نظرة استثمارية ربحية، ورهاناً على سوق لتصريف المنتجات، في بلدٍ منكوب، شعبه بقدرة شرائية منهارة، وبمصادر تمويل محدودة للغاية بالنسبة لخزينة الدولة. مما دفع سلطات الحكم بدمشق إلى انتهاج سياسة جبائية جائرة في بعض الخدمات الأساسية، كالكهرباء والاتصالات، والتخلي عن سياسة الدعم الاجتماعي بشكل متسارع، مما انعكس تذمراً متصاعداً في الشارع السوري جراء ذلك.
ورغم الانتقادات المحقة، في كثير من الحالات، لسوء أداء السلطة، عبر تعيين الولاءات على حساب الكفاءات في كثير من المفاصل الاقتصادية الحساسة، والإسراف في الإنفاق على الكماليات في العمل الحكومي، ومؤشرات غياب الحوكمة والشفافية في صنع القرار الاقتصادي، إلا أنه من الصعب نفي معضلة “شح الموارد” التي تواجه هذه السلطة في بلد مدمّر، وشعب فقير بأغلبه، ارتفع سقف توقعاته بصورة كبيرة بعيد سقوط الأسد، خصوصاً على صعيد الأمل بغدٍ أفضل معيشياً.
لكن، لماذا كان الدعم الإقليمي لحكومة الشرع محدوداً من الزاوية المالية والاقتصادية المباشرة؟ إحدى الأجوبة المحتملة تتعلق بتجربة الدعم الخليجي السابقة للحكم في مصر. والتي قد تكون خلاصتها، ارتفاع الكلفة مقارنة بالمكسب المأمول. أو حتى بالمقارنة مع تجربة إيران مع نظام الأسد وحصيلتها، بوصفها درساً لمن يعتبر. لكن قد نجد جواباً آخر، يمكن أن يكمل النقص في اللوحة لدينا. ففي جلسة حوارية ضمن فعاليات منتدى أنطاليا الذي انعقد في تركيا، خلال الشهر الفائت، تحدث الشرع عن رهان يقوم على الاعتماد على الذات في السياسة والاقتصاد، وبناء علاقات متوازنة مع العالم. وفي تفصيل ذلك، تحدث عن تشجيع الاستثمار، مشيراً إلى أن المساعدات، إن قُدّمت، يجب ألا تكون مسيّسة أو مشروطة. ورغم أن معلّقين فسّروا هذه التصريحات في سياق رفض الشرع لدعم “دولي” مشروط، إلا أن إشارته إلى بناء “علاقات متوازنة مع العالم”، تشير إلى رغبة الإدارة السورية في الاحتفاظ بهامش من الاستقلال في صنع القرار، يجعل من الارتهان لدعم مالي أو اقتصادي سخي، لكنه مشروط، أمراً غير محبّذ، حتى لو كان من الحلفاء.
أما إن انتقلنا لضفة “الحلفاء” الغربيين، لحكم الشرع. فنجد أن الأمر لا يقتصر على غياب الدعم المالي والاقتصادي المباشر، بل يمتد إلى بيروقراطية معقّدة في رفع تعقيدات آثار العقوبات المديدة على سوريا، مضافاً إليه بقاء عقوبات قائمة، تجعل من معضلة المبالغة في الامتثال عامل طرد للمستثمر الغربي عموماً. ومؤخراً، نشرت شركة “كرم شعار للاستشارات”، المعنية بتقديم أبحاث في الاقتصاد والسياسة بسوريا، وثيقة تهدف لمساعدة المنظمات غير الحكومية على فهم أفضل لأثر رفع العقوبات الغربية، على عملياتها مع سوريا. وتكشف الوثيقة عن حجم التعقيد المتعلق بذلك. إذ لا تزال هناك عقوبات أميركية تستهدف أفراداً وكيانات، لأن لديها ارتباطات إما بنظام الأسد أو بمنتهكين لحقوق الإنسان، أو بضالعين بتجارة الكبتاغون، أو مرتبطين ببرامج تسلح محظورة كانت سوريا منخرطة فيها، أو لهم صلات بتنظيم “داعش” أو “القاعدة”، أو لهم علاقة ما بإيران أو وكلائها. كما أن هناك قيود رقابة على صادرات متعلقة ببعض السلع والبرمجيات والتكنولوجيا. وقيود أخرى ناتجة عن استمرار تصنيف سوريا من قبل الولايات المتحدة كدولة راعية للإرهاب. وفي حالة الاتحاد الأوروبي، لا تزال هناك قيود على تصدير معدات أو تقنيات أو برمجيات من الممكن للسلطة أن تستخدمها في مراقبة الاتصالات. ومع حجم التعقيد الذي تتضمنه الوثيقة، حول ما يمكن للمنظمات غير الحكومية التفاعل فيه مع سوريا، من دون أن تقع في “محظور” إحدى العقوبات الغربية، يُطرح تساؤل: من المستثمر الغربي الذي يمكن أن يفكر في العمل بسوريا، مع بقاء هذه القيود؟!
لذلك نجد أن وزارة الاتصالات السورية تجاهلت التحذير الأميركي لها قبل بضعة أشهر، واعتمدت على بنية تحتية من شركة “هواوي” الصينية، في إطلاق أول اتصال ناجح باستخدام تقنية “VoLTE“. والتبرير واضح ومباشر. ارفعوا العقوبات حقاً، وأزيلوا آثارها المقيّدة لشراء التكنولوجيا الغربية، أو لا تطلبوا منا عدم الشراء من الصين.
لا تقدّم روسيا أو الصين، دعماً مباشراً لحكم الشرع في دمشق، بطبيعة الحال. لكن بكلفة شراء أقل، ومع غياب القيود، يبقى النفط الروسي والتقنية الصينية، مصدرا نفوذ غير مرغوب به، على الأقل، من جانب الغرب. لكن هذا الأخير لا يزال غير مستعد لدفع كلفة اجتذاب سوريا تماماً إلى “معسكره”. أما في ضفة الحلفاء الإقليميين، فتقديم الدعم المالي المباشر، ما عاد كما كان قبل عقد ونيف، بكثافة ومن دون حساب أو ثمن.
- المدن























