لا تصعب على المتابع ملاحظة تأجيج الشحن الطائفي في سوريا منذ شهر حتى الآن. قبل شهر لم تكن الأمور أيضاً كما يشتهي الذين يعادون الطائفية، فقط كانت الأخيرة تخبو قليلاً بفضل الانشغال عنها. والأصحّ، دائماً، القول إنها كانت تخبو بفضل الاستغناء عنها؛ أي لعدم وجود أسباب تستدعي الاستعانة بها. ومَن يسترجع بسرعة التطورات خلال شهر، بقليل من النزاهة والانتباه، سيكون من السهل عليه ملاحظة طغيان الحديث الطائفي مؤخراً على قضايا معيشية كانت قد برزت إلى الواجهة، وأدّت إلى بروز حراك مطلبي، وإن يكن في بدايته.
قبل تبيُّن هويات المشاركين في الحراك آنذاك، وصِموا بأنهم فلول، وهي وصمة صار لها بعد طائفي صريح. ثم لاحقاً أعيد التركيز على تسجيلات أو روايات لجرائم معروفة من زمن الأسد، وسبق أن انتشرت وأحدثت الضجة المرجوة. إعادة نبشها أتت أيضاً في سياق طائفي، يوضّحه الشحن الطائفي الصريح والمستمر ضد العلويين على السوشيال ميديا، وأيضاً من قبل وسائل إعلامية تابعة للسلطة ساهمت في إذكاء الهذيان الطائفي تحت ذريعة حرية القول.
والحق أن وسائل الإعلام هذه لم تجترح جديداً، فهناك مثقّفون كثر نادوا بضرورة التحدث في الشأن الطائفي، على قاعدة أنه أفضل من مكابدة كتمان الطائفية الموجودة فعلاً. وإذا جارينا هذا المنطق فحريّ بالداعين إليه التمييز بين التكلّم في الطائفية والثرثرة بها على وسائل التواصل الاجتماعي؛ بين التكلّم بقصد الاستشفاء والتكلم بقصد التحريض وتعزيز الطائفية.
ما يحدث منذ سنوات بالتأكيد لا يُحتسب على محاولة البراء من الطائفية، ومواسم الكلام الطائفي لا يقودها أناس قرروا الخوض فيها على سبيل الاستشفاء، ولا أناس عاديون قرروا لسبب أو لآخر التسلّي بها. الاستثمار في الطائفية موجود منذ عقود، لكننا نكتفي بالتذكير بأن إعلام الأسد لعب كثيراً على المسألة الطائفية منذ اندلعت الثورة، وحالفه النجاح أحياناً. ومن الجيد التذكير بأن قسطاً من النجاح الذي أصابه الأسد أتى من الجهة المعادية، وليست بعيدة عن الذاكرة مقولات من قبيل “الدم السني واحد”، وسواها من شعارات استُخدمت لشدّ العصب السُنّي في القتال ضد الأسد والميليشيات الشيعية التي أتت إلى سوريا لمساندته.
صحيح أن الأسد قد سقط، لكن من الواقعي الاعتراف بأن النقلة المنشودة من حالة الحرب الأهلية لم تحدث، ولا يصحّ الحديث بعدُ عن بلد موحد أو متحد، وعن رغبة مشتركة في التخلص من آثار الحرب التي كانت في جانب منها حرباً أهلية. بل، على العكس من المأمول، حدثت مجزرتان لهما صبغة طائفية، واعترفت بهما السلطة، وآثارهما لا تزال ماثلة حتى الآن. ولا تُطرح حلول حقيقية للمأزق الطائفي، أو في أحسن الأحوال تُطرح حلول جزئية لا يفكر أصحابها في الحاجة إلى رؤية متكاملة.
ولعل أسوأ اختزال للمسألة الطائفية أن تُرى ضمن المستوى الثقافي، وأن يُرى الحل في الثقافة، وما يعبّر عن هذا الاختزال القول إن المجتمع/المجتمعات طائفية، ولن يتغيّر الحال إلا بأن يغيّر أفرادها ما في أنفسهم. غالباً يصل الاختزال ذروته باليأس من أن تتغير المجتمعات، ما يعود بالفائدة على السلطة التي تبرئها هذه النتيجة، ومن الشائع أنها تلعب اللعبة ذاتها إذ تُظهر أنها أكثر اعتدالاً من قاعدتها الشعبية، بينما تعمل على إزكاء التطرف لدى تلك القاعدة/القواعد.
في أصل الطائفية أنها صناعة سلطة، سواء كانت موجود في الحكم أو طامحة إليه، وإلى الاستحواذ على منافعه. ولا شكّ في أن الإرث الطائفي يسعف أية سلطة محدثة تريد الاستثمار فيه، وهذا إغراء حقيقي لما فيه من سهولة، فأن تكتسب السلطة شعبية طائفية أسهل بكثير من أن تكتسب شعبية على قاعدة إنجازات حقيقية ملموسة لا فئوية. وأن تجد السلطة مدافعين طائفيين شرسين أسهل من بناء قاعدة تأييد مدنية على أساس المواطنة، والرابط بين الطائفية والعنف والعسكرة كان دائماً حتمياً، لذا ليس من المستغرب أن تُعلي السلطات الطائفية من شأن العسكرة والاستثمار فيها.
سوريّاً، يمكن الجزم بأن الاستثمار في العسكرة لا يزال هو الأعلى منذ قرابة عقد ونصف، حتى يجوز وصف الاقتصاد السوري بأكمله بأنه كان يتمحور حول العسكرة من جهة، ويدفع ثمنها من جهة ثانية، ومن نافل القول إن العسكرة ارتبطت بمختلف أنواع العصبويات، وبمفهوم الولاء في الداخل وللخارج معاً. لم يتغير الحال مع سقوط الأسد، فحسب المعلن تزيد رواتب منتسبي الجيش والأجهزة الأمنية على نظيرتها في الوظائف المدنية، وأيضاً من المعلن ضمن نفقات العام الماضي هناك فئة عليا من الموظفين تتقاضى أجوراً أعلى بكثير من الموظفين بموجب نظام العاملين الأساسي في سوريا. في المحصلة تحظى العسكرة ودوائر السلطة الضيقة بالنصيب الأعلى من الإنفاق الحكومي، في وقت يتراجع فيه الناتج والدخل المحليين إلى حدود كارثية لا تسمح بالكلام عن اقتصاد يسير في اتجاه التعافي.
في الغرب انتعش اليمين العنصري المتطرف مستغلاً الركود الاقتصادي في بعض البلدان، ثم آثار فيروس كورونا، وأخيراً الحروب العديدة وأهمها حربي أوكرانيا والحرب الأخيرة على إيران. يسلك اليمين المتطرف الشعبوي المسار الأسهل، وهو تحميل اللاجئين مسؤولية التدهور الاقتصادي، وبدلاً من البحث عن حلول جدية لإنعاش الاقتصاد واستعادة زمن الوفرة تنصرف الأنظار إلى الحل البسيط القائم على التقشّف، وعلى اعتبار المهاجرين هم سبب الأزمة، فيكون الحل بالتخلّص منهم، وهو حل متعذّر حتى الآن، لكن المتاجرة الشعبوية به مستمرة.
يفيدنا المثال الغربي لجهة أن جانباً أساسياً من المشكلة الطائفية هو في الاقتصاد، وجانباً أساسياً في الحل هو أيضاً في الاقتصاد. وقد استُغل الاقتصاد في تأجيج الطائفية على النحو الذي أوردناه في الغرب، فمثلاً استُغلّت سيطرة قسد على آبار النفط للتضخيم من قيمة الأخيرة وتأثيرها على الاقتصاد، وجرى تأجيج النقمة على الأكراد، لا على قسد وحدها، تحت يافطة سرقة الثروات السورية. أخيراً، عندما آلت السيطرة على الآبار إلى السلطة راج الحديث عن القيمة المتدنية لها.
شيء مشابه حدث مع شائعة وجود عدد ضخم جداً من العلويين الموظّفين في وظائف حكومية، ويتقاضون أجوراً من دون عمل. ومن المؤكد أن أثرياء الفساد الكبار سعيدون بهذه الشائعات، ومنهم من أبرم تسويات مالية مع السلطة الحالية. أما فيما يخص الوظائف فهذه مشكلة مطروحة منذ ما قبل الثورة، أي مشكلة التضخم البيروقراطي، وفي أساسها هي مشكلة بطالة مقنّعة، حيث يقبض هؤلاء الموظّفون أجوراً لا تعادل أكثر من 10% من تعويضات البطالة في بلدان أخرى. المهم أن هذا الوضع جرى استثماره في الشهور الماضية وكأنه يخص العلويين فقط، وكأن العلويين (بوصفهم عصبة!) كانوا يستنزفون اقتصاد البلد بهذه الملاليم. لكن كما نعلم لا تنفع المحاكمة المنطقية هنا، فالأصل هو حَرْف الأنظار عن أساب أعمق وأكثر تعقيداً للمشكلة برميها على مجموعة مذهبية.
ما دام الاقتصاد لا يتحسّن فمن المتوقع رمي أسباب الفشل يميناً ويساراً، والاستثمار الطائفي مخرجٌ سهل ونموذجي لاستغلاله. لكن الاحتقان الطائفي بدوره سيشيع أجواءً من اللا اطمئنان؛ أي أجواء طاردة للاستثمارات، لأن المستثمرين يبحثون عن بيئات رابحة ومستقرة، ولأن البيئات غير المستقرة طاردة للرأسمال الذي وضِع فيها من قبل. هنا يكون من السهل الدوران في حلقة مفرغة، بما أن كلاً من الطائفية والفشل الاقتصادي يتغذّى من الآخر. وعلى العكس من ذلك فإن اقتصاداً إنتاجياً حقيقياً، بعيداً عن العسكرة، هو البيئة الأمثل لتقليص الطائفية إلى حدها الثقافي، مع تأكيد كونه إنتاجياً لأن جزءاً معتبراً من الصراع هو على “الثروات العامة” التي تشكّل مع المساعدات الخارجية عماد الاقتصاد الحالي.
بالطبع ليس هناك حل سحري وحيد لأية معضلة بشرية، بما أن التعقيد والتركيب من سمات البشر، إلا أن القاعدة التي تبقى صحيحة إلى حد كبير هي أن الناس أبناءٌ لمصالحهم، أو لما يعتقدون أنها مصالحهم، إلا أنهم يفضّلون الأولى عندما يملكون حرية الاختيار. هل الوضع الحالي، وفي الأمد المنظور، يسمح للسوريين بهذه الحرية؟ أغلب الظن أن الإجابة هي لا، لذا لا يُتوقع أن يكون موسم الطائفية الحالي هو الأخير، أو ما قبل الأخير.
- المدن
























