عقدت محافظة دمشق مؤتمراً صحافياً أعلنت فيه بياناً أصدرته للنظر في المظلوميات التي تعرّض لها السكّان المحليون في منطقتَين تنظيميَّتَين مُحدَثتَين في زمن النظام البائد بالمرسوم التنظيمي 66 لعام 2012. واعترف البيان بالمرسوم، واعتبره مرسومَ تنظيم لا مرسوم استملاك، ومجمل التعديلات التي أقرّها البيان تتعلّق بالحقوق التعويضية للسكّان مثل تعديل بدلات الإيجار وفق الأسعار الرائجة، والإقرار بحقوق ألف عائلة كانت محرومةً بسبب الملاحقة الأمنية، ورفع المساحة الطابقية بنسبة بسيطة، والقول إنّها أصبحت 98% مساحة طابقية لمخادع، بالنظر إلى أنّ الأبنية برجية، كما تحدّث البيان عن السكن البديل ضمن منطقة باسيليا سيتي، وهو سكن غير مجّاني.
هناك اعتراضات واسعة من الأهالي على هذه التعديلات باعتبارها غير منصفة، واعتبرت “رابطة إسقاط المرسوم 66” المرسوم جريمة حرب، وتطالب بأن تأتي الحلول وفق مسار العدالة الانتقالية. وكانت منظّمات حقوقية دولية وسورية، ومنها “هيومن رايتس ووتش”، قد اعتبرت المرسوم جريمة حرب أيضاً. فالمرسوم 66 يشمل إحداث منطقتَين تنظيميَّتَين: الأولى 101، وتضمّ المزّة بساتين وجزءاً من كفرسوسة، وقد بدأت أعمال البناء فيها قبل سنوات، والثانية هي 102، وتشمل أجزاء واسعةً من كفرسوسة وداريا، هُدِمت من دون المباشرة في البناء. ومن الجدير ذكره أنّ تلك المناطق كانت بساتين تشكّل واحةً خضراء على ضفّة نهر بردى، واستثنيت من التنظيم في الستينيّات، ثمّ استولت عليها سرايا الدفاع في الثمانينيّات، وحوّلتها إلى ثكنات عسكرية، قبل أن تنسحب منها لاحقاً بعد تخريبها، ثمّ توسّع البناء العشوائي فيها وفقاً لملكيات متنوّعة ومعقّدة، مع بقاء المساحات الخضراء الضرورية لتنفّس العاصمة.
يعترض الأهالي بشدّة على توجّهات محافظة دمشق، وقد خرجوا بمظاهرات احتجاجية ضدّ هدر حقوقهم
ومع بداية الثورة، انتفض أهالي تلك المناطق إلى جانب داريا، وواجههم النظام بالرصاص، وفي فبراير/ شباط 2012، خرجت مظاهرة شهيرة، وحاشدة، تشيّع ثلاثة شهداء. جابت أوتوستراد المزّة، فقصف النظام المنطقة وداهمها وهدم منازل فيها. وبسبب موقعها الاستراتيجي، بالقرب من المقارّ الأمنية ومجلس الوزراء والسفارة الإيرانية، قرّر النظام إفراغها من سكّانها عبر المرسوم الذي كان له دور يماثل دور براميل النظام في هدم مناطق أخرى هي حاضنة للثورة، وتفريغها، ومنح استثماراتها لرجال الأعمال موَّلوا مليشياته، ولداعميه الإقليميين.
بعد انهيار النظام البائد، عرضت محافظة دمشق المنطقة للاستثمار العقاري، في مناسبات عدّة، على مستثمرين جدد، من دون معرفة تفاصيل تلك العقود. وبسبب تصاعد الاعتراضات، منذ مطلع العام الفائت، جمّدت محافظة دمشق العمل بالمرسوم، وشكّلت الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية لجنةً للنظر في مصيره. ويقول حقوقيون من أهالي المنطقة المتضرّرة إنّ اللجنة دعت أشخاصاً بصفة “مجتمع أهلي” إلى حضور اجتماعات تشاورية، مع غياب آلية شفّافة تحدّد مَن يمثّل الأهالي فعلاً، وما حدود صلاحياتهم التفاوضية. وكان هناك شعور لدى الأهالي بأنّ هذه الاجتماعات محاولةٌ لتمرير المخطّطات القائمة، وليست لفتح مسار حقيقي لمراجعتها جذرياً. ولم يُعلن مسبقاً مكان المؤتمر الصحافي الذي عقدته اللجنة أخيراً، ومُنع بعض الأشخاص الفاعلين من المتضرّرين من دخول القاعة.
بالتأكيد، تحتاج كلّ مناطق العشوائيات إلى تنظيم، ولكنّه تنظيم يجب أن يشارك فيه الأهالي، وأن يحقّق مصالحهم ويحافظ على تركيبتهم الاجتماعية وعاداتهم وتقاليدهم، وأن يراعي الشروط البيئية للسكن. وكلّ تنظيم فوقي من دون شراكة معهم يُعتبر تغييراً ديموغرافياً. ويتيح قانون الإدارة المحلّية السابق، والمعمول به حتى الآن، على علّاته إحداث مناطق تنظيمية تشارك فيها المجالس المحلّية المُنتخَبة من الأهالي، وتضمّ اختصاصيين وحقوقيين، إلّا أنّ ما حصل عبر مرسوم الأسد يمثّل استيلاءً على عقارات السوريين، واستخداماً للتخطيط العمراني أداةَ حرب، في سياق عقابي للمناطق الثائرة يصبّ في مصلحة مطوّرين عقاريين يدورون في فلك السلطة البائدة.
ورفضت محافظة دمشق، في بيانها أخيراً، إلغاء المرسوم، أو على الأقلّ النظر في تعديلات جذرية تحفظ الحقوق (خصوصاً ضمن واقع معقّد تباع فيه مقاسم عديدة وتُخصَّص)، وتجعل من أهالي المنطقة المتضرّرين صنّاعَ القرار. وهذا الاعتراف بالمرسوم أساسي للمحافظة، وللسلطة الجديدة عموماً، من أجل المضي في باقي مشاريع التطوير العقاري المُعلنة التي تخصّ محافظة دمشق وباقي المحافظات. ومعظم مخطّطات تلك المشاريع أُخرجت من أدراج النظام البائد، الذي عمَّم ما فعله في منطقتَي المرسوم 66 على أيّ منطقة يريد إحداث تغيير ديمغرافي فيها، عبر إصداره القانون رقم 10 لعام 2018، ومنها مناطق تنظيمية برجية الطابع في حيَّي جوبر والقابون اللذين هدمهما النظام في سياق الحرب؛ إذ يعترض الأهالي بشدّة على توجّهات المحافظة، وقد خرجوا بمظاهرات احتجاجية ضدّ هدر حقوقهم.
كلّ تنظيم فوقي من دون شراكة مع الأهالي يُعتبر تغييراً ديموغرافياً قسرياً
وبعد التواصل مع الفاعلين فيها، ترى “رابطة إسقاط المرسوم 66″، التي تضمّ حقوقيين ومهندسين وذوي شهداء متضرّرين من المرسوم الجائر، ضرورة توسيع العمل المنظّم ليشمل التنسيق بين أهالي المناطق المتضرّرة، باعتبار أنّ ما يحدث في جوبر والقابون يعكس استمرارية العقلية نفسها حتى بعد سقوط النظام البائد. فالفكرة، برأيهم، ليست في رفض التطوير العمراني بحدّ ذاته، بل رفض فرض مشاريع تنظيمية من فوق، من دون مشاركة حقيقية وعادلة من أصحاب المناطق، وضمان حقوقهم في القرار والتملّك والتعويض المُنصِف. وهذا يحتاج إلى تشكيل لجان منتخبة تمثيلية حقيقية، وفتح حوارات بين الأهالي، الذين، في الغالب، يعون حقوقهم، إلّا أنّهم يفتقدون إلى الوعي الكافي بأهمّية التنظيمات المدنية التي تمثّلهم. وهذا ما يسعى إليه الفاعلون من أهالي تلك المناطق، الذين يصرّون على أنّ مسار العدالة الانتقالية سيبقى منقوصاً إذا لم يأخذ بالاعتبار معالجة جدّية وجذرية لمشكلة الاستيلاء الفوقي على المناطق المُهدَّمة وغير المُهدَّمة بحجّة إعادة تنظيمها، وللاعتراف بحجم الجريمة التي وقعت، وضمان عدم تكريسها واقعاً تحت مسمّيات إدارية واستثمارية، ولمواجهة الماكينات الإعلامية التي تُشيطن أهالي تلك المناطق وتصمهم بالتخلّف والدونية، كما كان يفعل النظام البائد، وتروّج أنّ الأبراج الإسمنتية ذات الشقق باهظة الثمن هي حلول حضارية لسورية المُدمَّرة والمنهكة بعد عقد ونصف العقد من الثورة والحرب التدميرية المرافقة لها، وسياسات التفقير والتهجير التي لا يبدو أنّها توقّفت.
- العربي الجديد























