المفاوضات ليست من أجل لبنان وحده، ولا عن مستقبله وحده، فاللعبة الكبيرة هي الصراع بين مشروعين أكثر تعقيداً من اختصارهما بمطامع “إسرائيل الكبرى” وطموحات “إيران الكبرى”.
عام 2000 استعاد لبنان جنوبه المحتل إسرائيلياً من دون تفاوض ولا اتفاق. حدث ذلك بقوة المقاومة وعوامل أخرى بينها إحراج سوريا لإخراجها من لبنان كما تصور رئيس الوزراء الإسرائيلي حينها إيهود باراك، ثم في عام 2026 صار من الصعب أن يستعيد لبنان بالتفاوض أو القتال ما أعادت إسرائيل احتلاله من الأرض في حرب “حزب الله” لإسناد غزة ثم إيران. وسبب الصعوبة، على رغم التسهيل الأميركي، هو ربط أي تقدم في المفاوضات بسحب السلاح من “الحزب” المتمسك به والذي يتحدى الدولة في أن تجرؤ على تنفيذ ما قررته وبقي على الورق.
ومن هنا تبدو مفاوضات واشنطن المباشرة بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركا كأنها صورة سوريالية في مشهد تراجيدي. همس دبلوماسي في الخارجية الأميركية والبنتاغون، وصخب عسكري على الأرض. من يفاوض ليس من يقاتل، وسط تولي تل أبيب التفاوض والقتال. المفاوض، وهو الدولة، يطالب بما يريده المقاتل الرافض للتفاوض: وقف النار، وانسحاب الاحتلال، وعودة الأسرى، وإعادة الإعمار، لكن الوفد الإسرائيلي رفض طلبه وقف النار والانسحاب قبل سحب السلاح، وهو عاجز عن إجبار “الحزب” على وقف النار كما عن تنفيذ ما تنتهي إليه المفاوضات. والمقاتل عاجز عن منع الجيش الإسرائيلي من احتلال مزيد من الأرض، على رغم مقاومته المقلقة للعدو. وبهذا المعنى، فإن المفاوضات التي تتحكم بها حرب ضد إرادة لبنان تكاد تكون مفاوضات بين “دولة افتراضية” لم يجد رئيسها جوزاف عون بداً من المبادرة إلى مغامرة التفاوض المباشر والخيار السياسي و”دولة افتراسية” دمرت الجنوب ومحت كثيراً من معالم بلداته، ولا شيء يوحي أنها تنوي الانسحاب الكامل.
وليس التفاوض، في أي حال، سوى جزء من لعبة أكبر من لبنان وإسرائيل وإيران و”حزب الله” وبقية الأذرع الإيرانية الأيديولوجية المسلحة. ولا رفض “الثنائي الشيعي” التفاوض المباشر سوى رفض لما هو أبعد، وخوف من التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة منذ حرب غزة ولبنان وسقوط النظام السوري وحرب إيران، فالمنطقة ليست في عام 1948 ولا في المرحلة الأولى من لاءات الخرطوم بعد هزيمة 1967: “لا تفاوض، لا صلح، لا اعتراف”. وما كانت تسمى “دول الطوق” الأربع ذهبت إلى المفاوضات المباشرة، مصر والأردن في معاهدتي سلام مع إسرائيل، سوريا فاوضت مباشرة وعلى مستويات عالية أيام الأسد الأب والابن من أجل السلام، وفاوضت سوريا الجديدة برئاسة أحمد الشرع على ترتيبات أمنية، لكن حسابات معينة حالت دون الاتفاق، ولبنان فاوض مباشرة مرتين، ولم يكن ممنوعاً من التفاوض تحت الوصاية السورية بل من التوصل إلى اتفاق مع إسرائيل قبل سوريا.
ذلك أن حرب الإسناد هي الجبهة الأمامية على المتوسط في حرب إيران.
والمفاوضات ليست من أجل لبنان وحده، ولا عن مستقبله وحده، فاللعبة الكبيرة هي الصراع بين مشروعين أكثر تعقيداً من اختصارهما بمطامع “إسرائيل الكبرى” وطموحات “إيران الكبرى”، والذي كسر اللعبة التقليدية هو اللاعب الكبير الرئيس دونالد ترمب، فلا من السهل تصور أي رئيس أميركي جمهوري أو ديمقراطي يقرر مثل ترمب بالشراكة مع بنيامين نتنياهو الذهاب إلى حرب على إيران، ولا من الصعب على صناع السياسة في عواصم المنطقة والعالم أن يكونوا على يقين من أن “إزالة إسرائيل” هو شعار في ترسانة إيران التي لا تريد ما هو أبعد من “حال حرب” مستمرة مع الكيان الصهيوني من أجل استخدام قضية فلسطين جواز مرور إلى العالم العربي على الطريق لتحقيق المشروع الإقليمي للجمهورية الإسلامية.
أما المشروع المعاكس بالمعنى الاستراتيجي والعملي للمشروع الإيراني فليس مشروع إسرائيل التي لا يقلقها سوى البرنامج النووي الإيراني، ولا هو مشروع المبادرة العربية للسلام في قمة بيروت عام 2002، حيث التسليم بنهاية الخيار العسكري في الصراع مع إسرائيل واعتبار السلام هو “الخيار الاستراتيجي” على قاعدة “الأرض مقابل السلام” و”الانسحاب الكامل مقابل السلام الشامل” وقيام دولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة وعاصمتها القدس الشرقية، إنه المشروع الذي تبناه ترمب بعد حرب غزة ولبنان وسقوط نظام الأسد وبدء التغيير في العراق وحرب إيران.
وهو مشروع “سلام ترمب” للشرق الأوسط الذي يعاد تشكيله على أنقاض المشروع الإقليمي الإيراني، وضمن صفقة التسوية بين واشنطن وطهران بعد الحرب، فكما وصلت حقبة الخيار العسكري في الصراع مع إسرائيل إلى النهاية، تقترب حالياً من النهاية مرحلة الخيار العسكري الإيراني عبر الأذرع، لا فقط ضد الكيان الصهيوني بل أيضاً ضد العالم العربي الذي لا مجال لولاية الفقيه من دون الهيمنة عليه قبل السيطرة.
والمفارقة أن “تجنيد” لبنان رغماً عنه من خلال “حزب الله” لمحاربة إسرائيل يتجاهل كون ما احتلته إسرائيل من أرض في لبنان لم يكن في حرب معه بل في حروب مع منظمة التحرير التي ادعت العمل لتحرير فلسطين من لبنان، ومع “حزب الله” وإيران، كما مع سوريا التي خسرت مزارع شبعا مع الجولان، والانسحاب الإسرائيلي وسحب السلاح غير الشرعي هما بداية الطريق للحد من “الدولة الافتراسية” الإسرائيلية والانتقال من “الدولة الافتراضية” إلى مشروع بناء الدولة القوية في لبنان، وكل شيء يتوقف، لا فقط على المشروع الأميركي الكبير بل أيضاً على دور اللبنانيين.
- إندبندنت






















