تأتي محاكمة عاطف نجيب، المتّهم بالوقوف وراء القمع العنيف في درعا الذي أشعل شرارة الثورة السورية، في وقت لم تعتمد فيه الحكومة السورية بعد استراتيجية شاملة وشفّافة للعدالة الانتقالية، وهي خطوة أساسية لتحقيق العدالة التي يستحقّها السوريون والسوريات.
في 26 نيسان/ أبريل 2026، بدأت في دمشق محاكمة تسعة متّهمين بارتكاب جرائم خطيرة خلال حكم نظام الأسد، فيما وصفته الحكومة بأنه بداية محاكمات العدالة الانتقالية في سوريا. ومن بين هؤلاء عاطف نجيب، الذي ارتبط اسمه بشكل كبير بقمع الاحتجاجات السلمية في درعا خلال المراحل الأولى من الثورة.
ما حدث في درعا عام 2011 لم يكن سوى بداية للفظائع التي عانى منها المدنيون على مدى أكثر من 14 عاماً: القتل الجماعي، والاعتقال التعسّفي، والتعذيب، والإخفاء القسري، والهجمات بالأسلحة الكيميائية، والعنف الجنسي، والتهجير واسع النطاق، وغيرها.
إن معالجة هذه الجرائم تتطلّب استراتيجية عدالة شاملة وحسّاسة للغاية تتعامل مع الماضي، وتعترف بجميع الضحايا واحتياجاتهم المتنوّعة، وتقود سوريا نحو مستقبل عادل ومستقرّ.
تتّجه الأنظار إلى هذه المحاكمة وما قد تحقّقه للسوريين والسوريات، كونها الاختبار الأوّل للقضاء السوري في النظر في الجرائم الجسيمة التي ارتُكبت خلال عهد الأسد، وهي دليل على أن العدالة يمكن أن تتحقّق للضحايا حتى إن تأخّرت. ومع ذلك، فإن غياب استراتيجية متماسكة للعدالة الانتقالية يهدّد بحصر تأثير هذه المحاكمة وتقليص مساهمتها في الجهود الشاملة وطويلة الأمد الرامية إلى تحقيق العدالة التي يستحقّها السوريون.
من درعا إلى قاعة المحكمة
مرّت خمسة عشر عاماً منذ اعتقال مجموعة من الأطفال في درعا وتعذيبهم، لمجرّد كتابتهم شعارات مناهضة للنظام على جدار مدرسة، وهو الحدث الذي أشعل الثورة السورية في عام 2011. خرج أهالي درعا إلى الشوارع مطالبين بالإفراج عن الأطفال والدعوة إلى إسقاط نظام الأسد، وقوبلت الاحتجاجات السلمية بعنف شديد، إذ أطلقت قوّات الأمن النار على المتظاهرين، ونفّذت حملات اعتقال تعسّفية واسعة، ومارست التعذيب والإخفاء القسري وانتهاكات جسيمة أخرى لحقوق الإنسان.
ومن أبرز المشتبه بهم المرتبطين بهذه الأحداث العميد عاطف نجيب، الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا، وابن خال بشّار الأسد، وأحد أركان النظام الذي استغلّ منصبه لبناء إمبراطوريته الخاصّة في المدينة.
في لحظة تاريخية بالنسبة إلى السوريين والسوريات، يُحاكم عاطف نجيب اليوم في دمشق إلى جانب ثمانية مسؤولين كبار آخرين تجري محاكمتهم غيابياً، ومن بينهم الرئيس السابق بشّار الأسد، وشقيقه قائد الفرقة الرابعة ماهر الأسد، ووزير الدفاع السابق فهد جاسم الفريج، إضافة إلى محمّد أيمن عيّوش، ولؤي العلي، وقصي ميهوب، ووفيق ناصر، وطلال العيسمي. وقد شغل جميعهم مناصب رفيعة في المؤسّسة العسكرية والأمنية، ويُتهمون بارتكاب انتهاكات جسيمة بحقّ المدنيين منذ المراحل الأولى للثورة.
تحمل هذه المحاكمة أهمّية رمزية عميقة للضحايا الذين لم يتخيّلوا يوماً أنهم سيشهدون محاكمة مثل هذه الأسماء داخل سوريا، كما تحمل أهمّية قانونية كبيرة باعتبارها أوّل محاكمة وطنية في سوريا، تتناول الجرائم الخطيرة التي ارتكبها مسؤولون في نظام الأسد. وعلى خلاف المحاكمات التي جرت أمام محاكم أجنبية، تُعقد هذه المحاكمة بالقرب من الضحايا والجمهور والأماكن التي ارتُكبت فيها الجرائم، وهي تمهّد الطريق لإنشاء سجلّ قضائي رسمي أمام محكمة سورية، وتشكّل سابقة مهمّة لجهود المساءلة المستقبلية.
وتُعدّ هذه المحاكمة إحدى الخطوات التي اتّخذتها الحكومة الانتقالية لتحقيق العدالة الانتقالية في سوريا. ففي آذار/ مارس 2025 صدر الإعلان الدستوري الذي لحظ مفهوم العدالة الانتقالية ووضع الأساس الأولي لملاحقة الجرائم الدولية. وبعد شهرين، في أيّار/ مايو 2025، أُنشئت الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، وبدأت بالتواصل مع الضحايا وصياغة قانون للعدالة الانتقالية ينظّم مسارات العدالة المختلفة، بما في ذلك المساءلة الجنائية وجبر الضرر وآليّات كشف الحقيقة.
إلا أن هذا القانون لم يُقرّ حتى اليوم، كما لا توجد استراتيجية شفّافة للعدالة الانتقالية، توضح كيف تندرج هذه المحاكمة ضمن العمليّة الأوسع لتحقيق العدالة في البلاد، وهذا يثير مخاوف من أن تمضي المحاكمة، رغم أهمّيتها، من دون الأطر القانونية والمؤسّسية اللازمة.
وضع العربة أمام الحصان
رغم الترحيب الواسع من السوريين والسوريات بمحاكمة نجيب وغيره من المسؤولين، فإنها تُجرى قبل أن تنشر الدولة، أو ربما حتى قبل أن تعتمد، استراتيجية واضحة للعدالة الانتقالية، وهذه الاستراتيجية ضرورية لتحديد مسار عمليّة العدالة بوضوح وإدارة توقّعات الجمهور.
ينبغي أن تشرح هذه الاستراتيجية للناس كيف ستبدو العدالة الانتقالية في سوريا، وكم قد تستغرق من الوقت، ومن هم الأشخاص الذين ستتمّ ملاحقتهم وعلى أيّ جرائم، ومن سيُعترف بهم كضحايا، وما هي الآليّات غير القضائية التي ستُتاح لهم لمعالجة احتياجاتهم وأولوياتهم.
ومن الناحية القانونية، فإن قانون العدالة الانتقالية الذي لم يُقرّ بعد يُعد أمراً جوهرياً، إذ يُتوقّع أن يجرّم القانون جرائم الحرب والجرائم ضدّ الإنسانية التي لا ينصّ عليها قانون العقوبات السوري حالياً، ورغم أن لائحة الاتّهام سعت إلى توصيف الأفعال المنسوبة إلى عاطف نجيب كجرائم دولية، فإن هذه الجرائم والعقوبات المترتّبة عليها لا تزال بحاجة إلى إدراجها بنصوص خاصّة في التشريع الوطني.
ويُعدّ هذا التقنين ضرورياً حتى تتمكّن المحكمة من الفصل في هذه الجرائم بصورة سليمة. ومن دونه، قد تضطرّ المحكمة إلى الاعتماد بشكل غير متّسق على القانون الدولي لسدّ الثغرات في التشريع المحلّي، أو إلى توسيع نطاق الأطر القانونية القائمة بما يتجاوز الغاية التي وُضعت من أجلها.
إضافة إلى ذلك، لا يجرّم قانون العقوبات السوري بعض الجرائم مثل الإخفاء القسري أو الاضطهاد أو التهجير القسري، رغم انتشارها الواسع خلال النزاع السوري، وهي جرائم قد تكون ذات صلة مباشرة بقضيّة عاطف نجيب. ومن أبرز الأمثلة على قصور الإطار القانوني الحالي أن المتّهم لم توجّه إليه تهمة الإخفاء القسري، بل الخطف، باعتباره أقرب توصيف جرمي متاح في قانون العقوبات السوري، رغم عدم كفاية هذا التوصيف للإحاطة بعناصر جريمة الإخفاء القسري من الناحية القانونية.
كما أن القانون الجنائي السوري لا يعترف بمبدأ «مسؤولية القيادة»، الذي يحمّل القادة المسؤولية عن عدم منع الجرائم التي يرتكبها مرؤوسوهم أو عدم معاقبتهم عليها، وهذا يعني أنه لا أساس للملاحقة القضائية لهذه الأفعال هذه بموجب النظام القانوني الحالي.
وأخيراً، يترك غياب استراتيجية للعدالة الانتقالية قضيّة قانونية بالغة الأهمّية من دون معالجة، وهي احتمال تطبيق عقوبة الإعدام. كثير من السوريين يؤيّدون تطبييق هذه العقوبة، ومن المرجّح أن تتّجه المحكمة نحو ذلك في قضيّة عاطف نجيب والمحاكمات اللاحقة. لكن من دون إصلاحات قضائية توفّر ضمانات المحاكمات العادلة والالتزام بالمعايير الدولية، فإن تطبيق هذه العقوبة قد يؤدّي إلى انتهاك القانون الدولي. كما يجب أن تأخذ الاستراتيجية في الاعتبار أن تنفيذ أحكام الإعدام قد يقوّض التعاون القضائي الدولي، ويُضعف بالتالي الجهود الأوسع لتحقيق العدالة والمساءلة.
مقاربة تتمحور حول السوريين والسوريات؟
إلى جانب الاعتبارات القانونية، فإن المضيّ في المحاكمات من دون استراتيجية للعدالة الانتقالية يهدّد بتقويض الغاية الأساسية من العدالة الانتقالية نفسها، وهي معالجة إرث الماضي بطريقة شاملة تعترف بحجم الأذى الذي لحق بالضحايا وتسهم في بناء مستقبل عادل وسلمي ومستقرّ. ويتطلّب تحقيق هذه الغاية وضع السوريين والسوريات في قلب العمليّة وضمان اطّلاعهم الكامل على مختلف مسارات العدالة والإطار العامّ الذي يحكمها.
وبالنظر إلى أن المساءلة الجنائية وحدها لا يمكن أن تحقّق العدالة الشاملة لجميع الضحايا، فإن هناك حاجة إلى استراتيجية واضحة تبيّن الآليّات الأخرى غير القضائية المتاحة، بما في ذلك برامج جبر الضرر، وآليّات كشف الحقيقة، والإصلاحات المؤسّسية.
وسيساعد ذلك على إدارة توقّعات الضحايا، وتوضيح كيفية معالجة عمليّة العدالة المرتقبة للأسباب الجذرية للنزاع، وتعزيز مقاربة تتمحور حول الضحايا بدلاً من التركيز الضيّق على الجناة الأفراد. كما أن محاكمات العدالة الانتقالية تختلف عن المحاكمات الجنائية العادية، فهي لا تهدف فقط إلى محاسبة الجناة، بل تسهم أيضاً في توثيق تجارب الضحايا ودعم السلام والاستقرار على المدى الطويل.
ولذلك تعتمد فعّاليتها على قدرة القضاة والمدّعين العامّين ومحامي الدفاع على إدارة إجراءات معقّدة والتعامل بصورة مناسبة مع الضحايا، ويشمل ذلك امتلاك الخبرة اللازمة لتطبيق القانون الدولي بطرق لم تُستخدم سابقاً داخل نظام العدالة الجنائية السوري، إضافة إلى اعتماد أساليب متخصّصة في مقابلة الضحايا والشهود، وجمع الأدلّة وتقييمها، والتعامل مع الموادّ الرقمية وغيرها من الوسائل التقنية المستخدمة في المحاكمات.
والأهمّ من ذلك، تتطلّب هذه المحاكمات درجة عالية من الحساسية تجاه الضحايا والضرر الذي تعرّضوا له، بما في ذلك القدرة على التعامل مع شهادات قد تبدو متناقضة أو غير متّسقة، نتيجة مرور الزمن وتأثير الصدمات النفسية على قدرة الضحايا على تذكّر الأحداث.
ولهذه الأسباب، هناك حاجة إلى استراتيجية شاملة تضمن وضع الناس في مركز العمليّة، من خلال إشراكهم بصورة فعّالة قبل المحاكمات وأثناءها وبعدها، بما يعزّز الشعور بالمشاركة والملكية لهذه العمليّة، ويتطلّب ذلك إطاراً منظّماً لإعلام الجمهور وتوعيته بعمليّات العدالة، كما يجب أن يوضح هذا الإطار أشكال الدعم القانوني والجسدي والنفسي والمالي المتاحة للضحايا والشهود، وأن يعالج احتياجات الفئات الأكثر هشاشة، بمن فيهم الأطفال والنساء والناجون والناجيات من التعذيب والعنف الجنسي، مع ضمان حمايتهم عند الضرورة.
ومن دون مثل هذه الاستراتيجية والأطر التنظيمية، قد تنحرف المحاكمات عن الغاية التي أُنشئت من أجلها!
الحاجة إلى تصحيح المسار
لا تزال فرصة إعادة ضبط المسار متاحة، ويتطلّب ذلك إصدار استراتيجية شفّافة ومعلنة جيّداً للعدالة الانتقالية تضع الضحايا والمجتمعات المتضرّرة في صميمها، وتنشئ آليّات حقيقية للمشاركة بدلاً من الاكتفاء بإشراك شكلي، وتوفّر حماية فعّالة للضحايا والشهود.
كما يجب أن تكون الاستراتيجية شاملة لجميع الضحايا، وألّا تمنح أولوية لفئة على حساب أخرى. ولذلك فإن تحقيق المساءلة يقتضي ملاحقة الجناة من جميع أطراف النزاع في سوريا، وليس فقط عناصر نظام الأسد السابق، وينبغي أيضاً أن تضمن الاستراتيجية مشاركة منظّمة للمجتمع المدني في مراقبة عمليّات العدالة ودعمها، كما يجب استكمال تشكيل البرلمان وتفعيله لإقرار قانون العدالة الانتقالية، وينبغي أن يضع القانون حقوق الضحايا في صميمه، وأن يحقّق توازناً موثوقاً بين المعايير القانونية الوطنية والدولية.
وأخيراً، يجب تدريب القضاة والمدّعين العامّين والمحامين الذين يمثّلون الضحايا والمتّهمين على التعامل مع جرائم الفظائع الجماعية والتفاعل السليم مع الضحايا والشهود، ورغم بدء تنظيم مثل هذه التدريبات في سوريا، فإن الحاجة لا تزال قائمة إلى مزيد من بناء القدرات.
والمفترض أن تتضمّن استراتيجية العدالة الانتقالية خطّة لإصلاح النظام القضائي، وحفظ سجلات عمليّة العدالة، وجعلها متاحة للجمهور، ومن شأن ذلك أن يساعد في إنشاء إرث قضائي دائم يوثّق رسمياً ما جرى في سوريا ويسهم في منع تكراره مستقبلاً.
هذه الخطوات ليست ترفاً في سياق معقّد كسوريا، لأن كلفة المضيّ قُدماً من دون مقاربة استراتيجية للعدالة الانتقالية قد تتجاوز في نهاية المطاف المكاسب قصيرة الأمد الناتجة عن التسرّع في إجراء المحاكمات.
نُشرت هذه المقالة بالأصل باللغة الانجليزية على موقع “معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط”، وتمّت الترجمة بواسطة “درج ميديا”.
- درج






















