خلق سقوط نظام الأسد انفتاحا مدنيا نادرا لم تعرفه سوريا منذ عقود. فقد تجاوز سوريون خطا غير مرئي، وبدأوا يوجهون إلى شخصيات نافذة أسئلة محرجة، بالاسم وفي العلن، من دون ذلك الخوف الذي حكم الحياة العامة طويلا. أصبح في وسع شخص أن يقف أمام كاميرا ويطالب الرئيس والوزراء والشخصيات العامة بالوفاء بالتعهدات المالية التي قطعوها في حملات جمع التبرعات. وبات في وسع السكان أن يحتجوا على قرار محافظ بإحياء مشروع إعادة إعمار من عهد الأسد.
يواجه ذلك الانفتاح الآن اختبارا. لا يأتي هذا الاختبار من دبابات في الشوارع، ولا من عودة الاعتقالات الجماعية، بل من خلال أمر أهدأ وأكثر ألفة: دعاوى تشهير تحول النشاط المدني إلى تبعة قانونية. وفي بلد يحاول أن يثبت أنه قطع مع عقود من الحكم السلطوي، لم يعد السؤال مقتصرا على ما إذا كان الناس قادرين على الكلام، بل صار السؤال: هل سيحميهم القانون عندما يتكلمون؟
جاء الإنذار الأول في وقت سابق من هذا الشهر، عندما رفعت محافظة دمشق دعوى تشهير ضد اثنين من منظمي العمل المجتمعي. فقد احتجزت السلطات ياسر عباس، الناطق باسم الرابطة المطالبة بإلغاء المرسوم 66، والمهندس إبراهيم شيخ الشباب، ممثل السكان المتضررين في المزة، بعد احتجاجهما على قرار المحافظة استئناف إعادة الإعمار في ماروتا سيتي.
مهد المرسوم 66، الذي أصدره بشار الأسد عام 2012، الطريق لمشروعي “ماروتا سيتي” و”باسيليا سيتي”، وهما مشروعان لم ينظر إليهما كثير من السكان المتضررين كتجديد عمراني، بل كأداتين لنزع الملكية. وبحسب تقارير، شملت التهم التشهير بمحافظة دمشق والمحافظ، والإساءة إلى السلطات العامة، ونشر معلومات كاذبة عبر الإنترنت، والتحريض على الاحتجاج. أفرجت السلطات عن عباس وشيخ الشباب بكفالة بعد بضعة أيام، عقب وساطة أجراها وجهاء محليون لدى المحافظة. غير أن القضية بعثت، مع ذلك، برسالة واضحة: حتى التحرك السلمي يمكن أن يتحول إلى قضية جنائية محتملة.
جاء الإنذار الأول في وقت سابق من هذا الشهر، عندما رفعت محافظة دمشق دعوى تشهير ضد اثنين من منظمي العمل المجتمعي
وبعد بضعة أيام، أفادت تقارير بظهور قضية مشابهة تتعلق بحملة حسان عقاد (هاتوا الفلوس اللي عليكم). عبر السخرية ووسائل التواصل الاجتماعي والضغط الشعبي، بدأ عقاد يتتبع التعهدات غير المسددة التي صدرت خلال حملات جمع تبرعات عامة. كان مطلبه بسيطا: على من تعهدوا بدفع المال أن يدفعوه.
لقيت الحملة صدى واسعا لأنها لامست إحباطا شعبيا أوسع. كان سوريون يرون مبالغ كبيرة تعلن من المنصات وعبر الشاشات، فيما بقيت المعاناة اليومية على حالها إلى حد كبير. غير أن هذا الجهد واجه بدوره ردا قانونيا. فقد رفعت الشخصية العامة موسى العمر إحدى دعاوى التشهير، بينما أفادت تقارير بأن شركتين مرتبطتين بمحمد حمشو، رجل الأعمال المحسوب على نظام الأسد، رفعتا دعاوى أخرى. لم تحتجز السلطات عقاد، غير أن الحملة علقت أنشطتها إلى حين حسم الإجراءات القانونية.
تختلف القضيتان، لكنهما تكشفان التناقض نفسه: تغيرت سوريا بما يكفي لكي يتحدى المواطنون السلطة في العلن، لكنها لم تتغير بما يكفي لضمان حمايتهم عندما يلجأ من يتحداهم المواطنون إلى القانون. هذه الفجوة خطيرة. لا يجوز أن يعتمد الحيز المدني على حسن نية المسؤولين، أو ضبط النفس لدى الأجهزة الأمنية، أو قدرة الوجهاء المحليين على التدخل بعد التوقيف. فإذا كان الناشطون آمنين فقط عندما يتراجع محافظ، أو تختار شخصية عامة عدم التصعيد، أو تنجح وساطة، فلا تكون حريتهم حقا، بل تغدو مجرد إذن مشروط.
لا تتعلق المسألة بما إذا كان ينبغي أن يكون الناس أحرارا في الكذب أو مضايقة الآخرين أو التشهير بهم. لا ينبغي ذلك. تتعلق المسألة بما إذا كان يمكن لقوانين قديمة أن تستمر في حماية الأطراف النافذة من الرقابة العامة المشروعة. ينبغي أن يستطيع المواطنون طرح أسئلة عن الحقوق والأموال العامة والفساد من دون أن يواجهوا احتجازا أو دعاوى أو ترهيبا. وتكتسب هذه المسألة أهميتها لأن الحيز المدني الناشئ في سوريا يؤدي عملا لا تزال المؤسسات الرسمية أضعف من أن تؤديه، أو أكثر تسييسا وغموضا من أن تنهض به. لا يشكل النشاط المدني تهديدا للمرحلة الانتقالية، بل يمثل إحدى القوى القليلة التي تدفع المسار حاليا نحو المساءلة.
لا تتعلق المسألة بما إذا كان ينبغي أن يكون الناس أحرارا في الكذب أو مضايقة الآخرين أو التشهير بهم. لا ينبغي ذلك
إذا كانت السلطات الجديدة جادة في القطيعة مع الماضي، فعليها أن تحمي هذا الحيز بالقانون، لا أن تكتفي بالتسامح معه في الممارسة. لا ينبغي أن تستخدم دعاوى التشهير لتجريم النقد، ولا ينبغي أن تتحول قوانين الجرائم الإلكترونية إلى باب خلفي لإسكات جهود المساءلة. ينبغي أن تحظى الاحتجاجات السلمية والتنظيم المجتمعي والحملات وجهود المساءلة بحماية قانونية واضحة. وينبغي أن تميز المحاكم بين التشهير الكيدي والرقابة العامة المشروعة، ولا سيما عندما يتقدم بالشكاوى أصحاب السلطة أو النفوذ.
ليس هذا إصلاحا ثانويا. لا تستطيع سوريا أن تعيد بناء الثقة وهي تعاقب من يطالبون بالمساءلة. ولا تستطيع أن تدعي طي صفحة السلطوية بينما تسمح لعادات قانونية قديمة بالعودة تحت أسماء جديدة. يستخدم سوريون هذا الانفتاح كي يتكلموا وينظموا ويسخروا ويحرجوا علنا ويحتجوا ويطالبوا بإجابات. ليس ذلك فوضى. إنها عودة المواطنة إلى الظهور بعد عقود من الخوف.
يبقى السؤال الآن: هل سيحمي حكام سوريا الجدد تلك الحياة المدنية الهشة، أم سيتركونها تضيق دعوى تلو أخرى؟
- المجلة






















