يُعيد الكونغرس هندسة العلاقة الدفاعية الثنائية
يُبدي أنصار إسرائيل في واشنطن براعة في ابتكار سياسات جديدة لتعزيز قوتها، رغم اتساع النقمة في الرأي العام الأميركي. فالاتفاق الثنائي القائم للمساعدات يتيح لإسرائيل سنويا 3.3 مليار دولار من التحويلات النقدية إلى حسابات الحكومة الإسرائيلية، لشراء أنظمة ومعدات عسكرية إسرائيلية وأميركية، إضافة إلى 500 مليون دولار تخصصها إسرائيل لأنظمة الدفاع الصاروخي، في مجال يشهد تعاونا وثيقا بين البلدين. أما المرحلة التي ستلي انتهاء هذا الاتفاق عام 2028، فقد أصبحت اليوم سؤالا مطروحا في واشنطن. فقد انقلب الرأي العام الأميركي على برنامج المساعدات الضخم، وأظهر استطلاع للناخبين المسجلين أجرته “نيويورك تايمز” ومؤسسة “سيينا” في مايو/أيار 2026 أن 57 في المئة لا يؤيدون تقديم مزيد من المساعدات العسكرية والاقتصادية لإسرائيل. وهذا أحدث استطلاع في سلسلة مؤشرات تكشف تزايد تشكك الأميركيين في سلوك إسرائيل، بما في ذلك تراجع التأييد لها بين الجمهوريين، وخصوصا الشباب منهم. لذلك، سيواجه تجديد برنامج المساعدات الضخم نقاشا بين السياسيين وأعضاء الكونغرس أكثر حدة من أي وقت مضى.
لدى الولايات المتحدة اتفاقات إنتاج مشترك مع بعض الدول في مشاريع عسكرية مهمة، مثل المقاتلة “إف-35”
وفي إسرائيل، يتنامى الإدراك بتراجع الدعم الشعبي الأميركي للمساعدات المقدمة إليها، فيما ترتفع أصوات تقول إن هذه المساعدات لم تعد ضرورية، بل قد تقيد حرية القرار الإسرائيلي. لذلك، اقترح مسؤولون إسرائيليون، بينهم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، خلال الأشهر الستة الماضية، تغيير طبيعة العلاقة العسكرية الثنائية، بما يتيح لقطاعات الصناعات الدفاعية في البلدين العمل معا على نحو مباشر في نطاق أوسع من الأنظمة والمعدات العسكرية. وبدعم من جماعات ضغط ومراكز أبحاث في الولايات المتحدة، مثل “إيباك”، و”مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات”، و”مؤسسة هيريتج”، طرح بعض أعضاء الكونغرس استراتيجية جديدة لاستخدام الموارد الأميركية في تعزيز قوة إسرائيل. كما سيطلق تشريع تمويل وزارة الدفاع الأميركية لعام 2027 سياسة جديدة لدمج شركات القطاع الدفاعي الإسرائيلي في برامج البنتاغون الخاصة بالأبحاث التكنولوجية وتطوير وإنتاج أنظمة ومعدات عسكرية جديدة. وإذا أُقرت المادة 224 من تشريع ميزانية وزارة الدفاع، فستنشئ مكتبا جديدا في البنتاغون لإدارة مشاريع مشتركة في مجالات تشمل أنظمة مكافحة المسيّرات، والدفاع الجوي، والذكاء الاصطناعي، والتكنولوجيا الحاسوبية المتقدمة للأغراض الدفاعية، والحرب السيبرانية، والتكنولوجيا الحيوية، وتطوير الصناعات الدفاعية. ومن شأن العمل في هذه المجالات أن يفتح أمام الشركات الإسرائيلية أبوابا جديدة إلى تكنولوجيا أميركية شديدة الحساسية.
رويترزالرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أثناء مصافحتهما خلال مؤتمر صحفي عقب لقائهما في نادي مارالاغو التابع لترمب في بالم بيتش، فلوريدا، الولايات المتحدة، 29 ديسمبر 2025
ولدى الولايات المتحدة بالفعل اتفاقات إنتاج مشترك مع بعض الدول في مشاريع عسكرية مهمة، مثل المقاتلة “إف-35″، حيث تصنع شركات أجنبية، وفق إرشادات أميركية، عناصر أو أجزاء محددة من الطائرة. واللافت هنا أن واشنطن تحتفظ بالسيطرة على جميع العناصر الحيوية وحقوق الملكية الفكرية في برنامج “إف-35”. وبذلك تستطيع إقصاء دول، مثل تركيا، من عقود تصنيع أجزاء الطائرة على خلفية خلافات سياسية. أما مقترح المادة 224 الخاص بإسرائيل فيسير في اتجاه مختلف. ففي هذه الحالة، سيمول البنتاغون شركات إسرائيلية، منفردة أو بالشراكة مع شركات أميركية، لتتولى البحث والتطوير في التكنولوجيا والأنظمة، ثم يشتريها لاستخدامه الخاص. وستمتلك الشركات الإسرائيلية التقنيات المطورة، إضافة إلى منشآت الإنتاج التي تستخدمها لتصنيع الأنظمة والمعدات للأميركيين. وبهذا المعنى، ستصبح شركات الدفاع الإسرائيلية جزءا من القطاع الصناعي العسكري الأميركي الضخم، الذي تتجاوز أسواقه في البنتاغون والخارج احتياجات الجيش الإسرائيلي وسوق التصدير الإسرائيلية معا. وقد أشار آرون كابلوفيتز، رئيس “تحالف الأعمال الأميركي-الإسرائيلي”، في مقال نشرته “واشنطن بوست” مطلع يونيو/حزيران، إلى أن هيئة حرس الحدود الأميركية تستخدم حاليا مسيّرات إسرائيلية، وقدّم ذلك دليلا على قدرة التكنولوجيا الإسرائيلية، إذا طُورت وأُدمجت في منظومات السلاح الأميركية، على تحسين القدرات العسكرية الأميركية.
ينظر مجلس الشيوخ الأميركي في تشريع يطلب من مدير الاستخبارات الوطنية توسيع نطاق تبادل المعلومات الاستخباراتية مع حكومة إسرائيل في ملفات تشمل تقنيات المسيّرات الإقليمية وقدراتها
وتجدر الإشارة إلى أن كابلوفيتز نفسه مستثمر في بعض شركات الدفاع الإسرائيلية. غير أن الحجة المتصلة بتعزيز القدرات العسكرية الأميركية أثارت انتقادات أخرى في واشنطن. فقد وصف جوش بول، المسؤول السابق في مكتب المساعدات العسكرية بوزارة الخارجية الأميركية، والذي استقال احتجاجا على حرب غزة، المادة 224 بأنها وسيلة لإخفاء المساعدات المقدمة لإسرائيل داخل ميزانية البنتاغون الضخمة المخصصة للأبحاث والأسلحة. وحذر، إضافة إلى ذلك، من أن دمج تقنيات ومنشآت إنتاج خاضعة للسيطرة الإسرائيلية في عملية مشتريات الأسلحة لدى البنتاغون قد يمنح إسرائيل قدرة على تأخير حصول البنتاغون على أنظمة ومعدات جديدة أو نشرها، إذا وقع خلاف كبير في السياسات بين واشنطن والقدس. ويقول إن الشركات الإسرائيلية قد تستخدم أيضا التكنولوجيا المطورة من خلال مشاريع مشتركة مع شركات أميركية لمنافسة شركات أميركية أخرى في أسواق التصدير.
الدمج سيخفف الضغط المرتبط بحقوق الإنسان
ويشدد سايمون وآخرون أيضا على أن استبدال المساعدات العسكرية السنوية بعقود مشتريات يبرمها البنتاغون مع شركات إسرائيلية، وبمشاريع أميركية-إسرائيلية مشتركة، سيحد من تأثير واشنطن في السياسة الإسرائيلية وحقوق الفلسطينيين. فالقوانين الأميركية تنص على أن الدول التي تنتهك حقوق الإنسان لا يجوز أن تحصل على أسلحة أميركية. وقد أحدثت سياسة إدارة بايدن، التي لم تفرض قيودا على مشتريات إسرائيل من الأسلحة المستخدمة في غزة، وكثيرا ما كانت ممولة من واشنطن، انقساما كبيرا داخل الحزب الديمقراطي. أما إنهاء التحويل النقدي السنوي المخصص للمشتريات العسكرية، فيعني أن واشنطن لن تستطيع، من الناحية النظرية، وقف تدفق المساعدات ردا على ممارسات إسرائيل على الأرض. وسيكون من الأصعب على الكونغرس استهداف اتفاقات البحث والإنتاج الخاصة بالشركات الإسرائيلية، ولا سيما إذا كانت مشاريع مشتركة مع شركات أميركية تزود البنتاغون وتساهم في تعزيز القوة العسكرية الأميركية.
أ.ف.بأحد أفراد مدفعية الدفاع الجوي بالجيش الأميركي بصيانة منظومة صواريخ باتريوت MIM-104، وهي منظومة الصواريخ الباليستية الرئيسية للجيش في المرحلة النهائية، في موقع لم يُكشف عنه في الشرق الأوسط، في 1 يونيو 2026ولاحظ ستيف سايمون، المسؤول السابق في مجلس الأمن القومي في إدارة أوباما، في تحليل نشره موقع “ريسبونسبل ستيتكرافت”، أن منشآت الإنتاج الجديدة المملوكة لإسرائيليين داخل الولايات المتحدة، والمخصصة لتلبية احتياجات البنتاغون، ستخلق وظائف أميركية، ومن ثم مصلحة سياسية داخلية في حماية هذه الوظائف بصرف النظر عن الخلافات في السياسة الخارجية مع إسرائيل. أما آرون كابلوفيتز، فرأى أن القرار السياسي الأميركي في شأن المادة 224 سيكشف ما إذا كانت السياسة الدفاعية الأميركية ستحددها الحاجة إلى القدرات العسكرية أم ضغوط الناشطين. وفي دفاعه عن الشركات الإسرائيلية، أيا تكن ممارسات إسرائيل على الأرض، خلص كابلوفيتز إلى أن الرأي العام ينبغي أن يظل مهماً بالنسبة إلى الأميركيين، لكن الأمن القومي يجب أن يأتي أولا.
مزيد من تبادل المعلومات الاستخباراتية رغم التجسس الإسرائيلي
في الوقت نفسه، ينظر مجلس الشيوخ الأميركي في تشريع يطلب من مدير الاستخبارات الوطنية توسيع نطاق تبادل المعلومات الاستخباراتية مع حكومة إسرائيل في ملفات تشمل تقنيات المسيّرات الإقليمية وقدراتها، وقدرات الصواريخ المجنحة والباليستية، والإرهاب، والالتفاف على العقوبات، وخطط الدول والفاعلين من غير الدول ونواياها. وتنص الصياغة الواردة في البند 622 من تشريع ميزانية أجهزة الاستخبارات على حظر تعليق هذا التبادل أو تقليصه، ما لم يرسل الرئيس رسالة إلى الكونغرس خلال 15 يوما، يشرح فيها مصلحة محددة للأمن القومي الأميركي قد تكون معرضة للخطر.
إجراءات دمج الصناعات الدفاعية وتوسيع تبادل المعلومات الاستخباراتية تمضي بسلاسة في الكونغرس
وتتبادل الولايات المتحدة معلومات استخباراتية، في نطاق محدود، مع دول كثيرة، لكن لا يوجد قانون ينظم تبادل المعلومات الاستخباراتية مع دولة أخرى بهذه الصيغة الخاضعة لرقابة الكونغرس. واللافت أن هذا البند من ميزانية أجهزة الاستخبارات وصل إلى مجلس الشيوخ بعد وقت قصير من إقرار وكالة الاستخبارات الدفاعية في البنتاغون علنا بأنها صنفت مسعى استخباراتيا إسرائيليا لجمع معلومات عن مداولات السياسة الأميركية على أنه تهديد بالغ الخطورة.
في واشنطن تبدو الحسابات السياسية سهلة
على الرغم من أن اللوبي المؤيد لإسرائيل في واشنطن تعرض خلال العام الماضي لانتقادات غير مسبوقة من شخصيات يسارية في الحزب الديمقراطي، ومن قلة من الجمهوريين أيضا، فإن إجراءات دمج الصناعات الدفاعية وتوسيع تبادل المعلومات الاستخباراتية تمضي بسلاسة في الكونغرس. وخلال مداولات لجنة القوات المسلحة في مجلس النواب بشأن تشريع ميزانية البنتاغون، لم يعترض على المادة 219 سوى عدد محدود من الديمقراطيين، أبرزهم النائب عن كاليفورنيا رو خانا. ولم يحظ خانا إلا بدعم ضئيل داخل اللجنة في مسعاه إلى حذف المادة 219 من مشروع التشريع.
أ.ف.بمنظومة صواريخ المدفعية عالية الحركة M142 (HIMARS) وهي تُجري تدريبات بالذخيرة الحية خلال “عملية الغضب الملحمي” في موقع لم يُكشف عنه، في 13 مارس 2026
وسيمضي هذا التشريع الآن إلى تصويت نهائي في مجلس النواب بكامل هيئته، حيث سيحاول عدد قليل من النواب، بينهم خانا والجمهوري توماس ماسي، مجددا حذف المادة 219 من قانون ميزانية البنتاغون. غير أن المؤشرات إلى وجود معارضة أوسع لا تزال محدودة. وبالمثل، لم يثر توسيع تبادل المعلومات الاستخباراتية المقترح في قانون ميزانية أجهزة الاستخبارات جدلا يذكر خلال مداولات لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ، وسيمضي هذا التشريع الآن إلى مجلس الشيوخ بكامل هيئته.
ليس غريبا أن يدرج أعضاء في الكونغرس مشاريعهم الخاصة المفضلة داخل قوانين كبرى وحيوية، مثل ميزانية وزارة الدفاع السنوية
ولا بد أن يقر مجلسا الكونغرس، النواب والشيوخ، تشريعي ميزانية البنتاغون وأجهزة الاستخبارات بحلول سبتمبر/أيلول. ومن المحتمل أن يرفع الحزب الديمقراطي سقف اعتراضاته على التشريعين، ولا سيما مع بقاء الحرب مع إيران من دون حسم، وأن ينضم إليه عدد قليل من الجمهوريين، مثل النائب توماس ماسي. غير أن البنود المتعلقة بإسرائيل في ميزانيتي البنتاغون وأجهزة الاستخبارات لن تحظى إلا باهتمام محدود وسط النقاش الأوسع حول سياسة الأمن العالمي الأميركية.
وليس غريبا أن يدرج أعضاء في الكونغرس مشاريعهم الخاصة المفضلة داخل قوانين كبرى وحيوية، مثل ميزانية وزارة الدفاع السنوية. فعلى سبيل المثال، نجح المجتمع السوري الأميركي في إقناع الكونغرس بإدراج عقوبات “قيصر” على نظام الأسد في قانون ميزانية وزارة الدفاع لعام 2019. وحتى أشد المعارضين لتوثيق العلاقات الثنائية مع إسرائيل سيجدون صعوبة سياسية في التصويت ضد ميزانية للبنتاغون تعود بفوائد اقتصادية على كل ولاية في البلاد.
وقد يقرر الكونغرس خفض المساعدات العسكرية النقدية لإسرائيل في مناقشات ميزانية وزارة الخارجية المقبلة، لكن دمج القطاع الدفاعي وتوسيع تبادل المعلومات الاستخباراتية مرشحان للمرور. وبوسع أعضاء الكونغرس الحساسين تجاه الانتقادات الموجهة إلى المساعدات العسكرية لإسرائيل أن يصوتوا لصالح خفض تلك المساعدات المباشرة، فيرضوا كثيرا من منتقدي إسرائيل. وفي الوقت نفسه، يستطيعون التصويت لصالح تشريعات توسع دمج الصناعات الدفاعية الأميركية-الإسرائيلية وتزيد تبادل المعلومات الاستخباراتية، فيرضون اللوبي المؤيد لإسرائيل. وهكذا سيضمن أنصار إسرائيل في واشنطن أدوات جديدة وقوية لتعزيز نفوذها في المنطقة، بصرف النظر عن اتجاهات الرأي العام الأميركي.
- المجلة























