ليست المشكلة في ما قاله الرئيس السورّي أحمد الشرع عن لبنان خلال مقابلته الأخيرة على قناة المشهد، بل في ما استحضره كلامه من ذاكرة لم تغادر اللبنانيين أصلاً. فالعلاقة بين لبنان وسوريا ليست ملفاً سياسياً عادياً يمكن فتحه وإقفاله بحسب تبدل الحكومات والعهود. هي علاقة مثقلة بالتاريخ، بالدم، بالخوف، بالمصالح، بسنوات طويلة من الوصاية التي لم تكن حدثاً عابراً في تاريخ البلدين، بل مرحلة كاملة تركت آثارها في الدولة والسياسة والوعي الجماعي.
فعندما يتحدث رئيس سوري عن لبنان، لا يسمع اللبنانيون الكلمات فقط؛ إنّما هم يسمعون ما وراء الكلمات أيضاً. يقارنون، يستحضرون الأرشيف، ويعودون تلقائياً إلى صور الجنود السوريين على الحواجز، وإلى زمن كانت فيه القرارات الكبرى والصغرى تمرّ عبرَ دمشق قبل أن تصل إلى بيروت. هذه ليست عقدة تاريخية كما يحاول البعض تصويرها، بل تجربة عاشها جيلٌ كامل وما زالت نتائجها حاضرة حتى اليوم. في المقابلة، حرص الرئيس الشرع على التأكيد بأنّ سوريا لا تسعى إلى دور عسكري في لبنان، وبأنها تريد علاقات طبيعية واقتصادية بين البلدين. كلام يبدو منطقياً في ظاهره، وربما صادقاً أيضاً إذا ما نظرنا إلى واقع سوريا الحالي. لكن السياسة لا تُقرأ فقط من ظاهر النصوص؛ أحياناً تكون أهمية التصريح في السؤال الذي يحاول الإجابة عنه. وهنا تحديداً تبدأ القصة.
لماذا لا يزال رئيس سوري في العام 2026 مضطراً إلى طمأنة اللبنانيين بأنه لا يريد التدخل في شؤونهم؟ لماذا ما زالت سوريا مضطرة إلى الدفاع عن نفسها أمام تهمة لم يطرحها أحد بشكلٍ مباشر في المقابلة؟ الجواب بسيط وقاسٍ في الوقت نفسه؛ لأنّ التاريخ القريب لم يتحول بعد إلى تاريخ. فهناك من يتعامل مع مرحلة الوصاية السورية كأنها فصل انتهى في العام 2005 بخروج الجيش السوري من لبنان. لكن الوقائع تقول شيئاً مختلفاً. الجيوش تخرج، أما النفوذ فيحتاج سنوات طويلة كي يتبخر. والذاكرة تحتاج وقتاً أطول من ذلك بكثير.
لذلك لا يزال اسم سوريا في لبنان يثيرُ نقاشاً يتجاوز الحاضر إلى الماضي مباشرة. ولكن هل نحن فعلاً أمام احتمال عودة الوصاية السورية؟
برأيي، لا.
ليس لأنّ النوايا تغيّرت بالضرورة، بل لأنّ الظروف نفسها لم تعد موجودة. سوريا حافظ الأسد كانت دولة إقليمية تملك جيشاً قوياً وحضوراً عربياً ودولياً وقدرة على فرض توازنات داخل لبنان. أما سوريا اليوم فما زالت تحاول إعادة بناء نفسها بعد حربٍ طويلة استنزفت مؤسساتها و اقتصادها ومجتمعها. لذلك من الصعب جداً تخيل دمشق وهي تدير بيروت، فيما هي ما زالت تبحث عن استقرار دمشق نفسها. ومع ذلك، فإنّ استبعاد عودة الوصاية بصيغتها القديمة لا يعني إطلاقاً أن المشهد بات مطمئناً.
فالخطأ الذي يقع فيه كثيرون هو الاعتقاد أنّ مشكلة لبنان كانت يوماً في الوصي فقط. الحقيقة أن المشكلة كانت دائماً في القابلية للوصاية. فحين تكون الدولة ضعيفة، يصبح الفراغ دعوة مفتوحة لكل أشكال النفوذ الخارجي. وحين تعجز المؤسسات عن إنتاج قرار وطني جامع، تتحول البلاد إلى مساحة تتقاطع فوقها مصالح الآخرين. لهذا السبب لا أعتقد أنّ السؤال الحقيقي اليوم هو: هل تعود سوريا إلى لبنان؟ السؤال الأهم هو: هل خرج لبنان أصلاً من منطق الحاجة الدائمة إلى راعٍ خارجي؟
عندما نقرأ مقابلة أحمد الشرع بعيداً عن الانفعالات، نكتشف أنّ أهم ما فيها ليس ما تقوله عن سوريا، بل ما تكشفه عن لبنان. بعد أكثر من عشرين عاماً على نهاية الوصاية السورية، لا يزال اللبنانيون يقيسون أيّ موقف سوري بمسطرة حافظ الأسد. ولا يزال أيّ رئيس سوري مضطراً إلى التعامل مع إرث لم يصنعه شخصياً لكنه ورث تبعاته. التاريخ لا يعيد نفسه حرفياً وهذه للحقيقة واحدة من أكثر الجمل تضليلاً في السياسة. التاريخ يعيدُ إنتاج أسئلته بأشكال جديدة فقط والأرشيف السوري اللبناني مليء بأسئلة لم تحصل حتى الآن على أجوبة نهائية. لهذا، وبين سطور تلك المقابلة لم أجد دليلاً على عودة الوصاية السورية؛ لكنني وجدت دليلاً أوضح على شيء آخر وهو أن البلدين لليوم لم ينجحا بعد في الخروج من ظلها.
فإذا كانت سوريا الجديدة تقول: إنها لا تريد الوصاية على لبنان، فهل يملك لبنان اليوم دولة قوية بما يكفي كي لا يحتاج إلى وصاية أحد؟
- المدن






















