من تدخل عسكري أنقذ الأسد إلى مذكرة تفاهم تنهي آخر امتيازات موسكو
بعد نحو 18 شهرا على سقوط نظام الأسد، خسرت روسيا كل امتيازاتها العسكرية والأمنية التي عكفت على تعزيزها لأكثر من عقد من الزمن، ودخلت سوريا مرحلة جديدة لا سلطة ولا امتيازات فيها للمعسكر القديم (الروسي-الإيراني). مرحلة شكّلت عتبتها الأبرز مذكرة تفاهم بين دمشق وموسكو حسمت مصير آخر القلاع العسكرية الروسية في سوريا (قاعدتي حميميم وطرطوس)، وأعادت هذه القلاع إلى أصحابها بعد أن منح نظام الأسد الجانب الروسي امتيازات فيها تحدّ من قدرة النظام السابق نفسه على التحكم بتبعاتها.
الحكومة السورية عملت خلال أكثر من عام ونصف العام على تحييد تدريجي لعوامل الانفجار الأمني والاقتصادي الذي يمكن أن تسببه روسيا حالَ شعرت أن سلطتها وجهدها الذي امتد لعقود في سوريا ينهار سريعا، هذه المراحل بدأت بقبول مشروط للوجود الروسي وتفاهمات لحماية القواعد الروسية والجنود الروس في سوريا بإشراف سوري، على عكس مرحلة الأسد التي اتسمت بعدم قدرة الرئاسة والجيش والأمن السوري على التدخل في شؤون القواعد الروسية والجنود الروس. المراحل أيضا مرّت بتعزيز سلطة الدولة السورية داخل القواعد الروسية، من خلال الدوريات التي نفذتها القوات السورية داخل قاعدة حميميم، وصولا إلى تأسيس رسمي لطبيعة الدور والوجود الروسي في سوريا بطريقة تمنع روسيا من استخدام الأراضي السورية نقطة ارتكاز وانطلاق لتدعيم المصالح الروسية في المنطقة.
قبل 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، كانت روسيا تمتلك ثلاث قواعد في سوريا، واحدة في شرق الفرات (مطار القامشلي)، وواحدة في ريف القرداحة (مطار حميميم)، وأخرى في طرطوس (ميناء طرطوس)، إضافة إلى مراكز قيادة عسكرية في العاصمة دمشق، ونقاط عسكرية في كثير من المناطق السورية، أبرزها في الجنوب السوري وشمال غرب سوريا، وكان لروسيا سلطة على أجنحة عسكرية خارج إطار جيشها الرسمي في سوريا، منها غير السوري (فاغنر)، ومنها قوات محلية كانت ضمن الجيش السوري وخارجه (بعض جماعات الدفاع الوطني، قوات النمر، الفيلق الخامس، صائدو الدواعش، اللواء الثامن، ومجموعات أخرى).
مع سقوط الأسد خسرت روسيا كامل نقاطها العسكرية وأجنحتها المحلية وغير المحلية، وبقيت في القواعد الرئيسة الثلاث (القامشلي، حميميم، طرطوس). لم تستمر سلطة روسيا في مطار القامشلي كثيرا فهي انسحبت منه شهر يناير/كانون الثاني الماضي نتيجة تكرار رسائل سورية للجانب الروسي بأن وجودهم في القامشلي غير آمن من جهة، ويشكل تهديدا للرؤية السورية الهادفة إلى توحيد الجغرافيا السورية وإرساء الأمن في البلاد. وقد قرر الجانب الروسي حينها الانسحاب من مطار القامشلي في محاولة للتودد لدمشق التي كانت تسير بخطى متسارعة في إعادة ترتيب تحالفاتها الدولية ورسم خريطة جديدة لمستقبل سوريا.
يوم الأحد، 9 أغسطس/آب، شكّل التحول الأخير في مسار الوجود العسكري السوري، مع إعلان الخارجية السورية أن دمشق وموسكو توصلتا إلى مذكرة تفاهم، بموجبها تبدأ عملية إعادة تنظيم الوجود الروسي في الساحل السوري، حيث تتولى الدولة السورية إدارة المنشآت ذات الطابع المدني، وفي مقدمتها مطار حميميم والرصيف التجاري الرابع في ميناء طرطوس، بما يتيح إدخالهما تدريجياً ضمن منظومة الإدارة المدنية، وقد أعادت المذكرة صياغة وظيفة القواعد والمنشآت ذات الطابع العسكري الروسية في سوريا، بحيث يتم تحويلها إلى مراكز تدريب وتأهيل مشتركة، ووضعت المذكرة سقفا زمنيا لا يتجاوز ثلاثة أشهر لتنفيذ الاتفاقات الجديدة.
ماذا كانت تستفيد روسيا من قواعدها في سوريا؟
منذ تدخلها العسكري في سوريا نهاية عام 2015، سعت روسيا عمليا على مدار السنوات التالية، بعد نجاحها في قلب الموازين العسكرية على الأراضي السورية عبر هجماتها العسكرية الجوية المكثفة والمدمرة على المعارضة السورية والمدن الخارجة عن سلطة الأسد، إلى تأسيس وجود لها يحقق لها مكاسب جيوسياسية وعسكرية واقتصادية كثيرة، ولتحقيق هذه المكاسب، أسست روسيا لوجود عسكري في سوريا بالقرب من قواعد ومراكز ثقل التحالف الدولي (القامشلي)، وبالقرب من المعارضة السورية في شمال غرب سوريا، وعلى مشارف المياه الدافئة (طرطوس)، وبدأت في استمالة جماعات مسلحة (محلّية) كانت تقاتل مع نظام الأسد، والتي كان يُطلق عليها حينها “القوات الرديفة”، إضافة إلى توسيع سيطرتها على القرار العسكري السوري من خلال تغلغلها في الجيش، القواعد والنفوذ العسكري الروسي الكبير في سوريا أعطى موسكو أيضا ثقلا في مواجهتها- غير المعلنة- مع الأجندات الإيرانية التي كانت تتعارض مع الأجندة الروسية وتصوراتها لمصالحها في سوريا.
على مدار السنوات الممتدة بين 2021 و2024، كانت روسيا و”قسد” على تواصل دائم، ولقاءات أسبوعية كانت تحصل بين قادة “قسد” وروسيا في مطار القامشلي
الاتفاقات العسكرية التي وقعتها روسيا مع نظام الأسد كانت تفوق في طبيعتها حدود الاتفاقيات، فهي أعطت الجانب الروسي سلطة غير مسبوقة على الأراضي السورية (القواعد)، هذه السلطة سحبت قدرة الأسد ونظامه على التدخل في شؤون الروس ونشاطاتهم ضمن هذه القواعد، وسحبت في مرحلة ما سيادة سوريا على أراضيها وقراراتها العسكرية والسياسية.
قاعدة القامشلي، التي كانت تتمركز في مطار القامشلي، منحت روسيا ورقة سياسية وعسكرية تبتز بها التحالف الدولي والجانب الأميركي، حيث استغلت روسيا وجودها الذي وصفته “بالقانوني” في شرق الفرات لشنّ حملات هندسة اجتماعية تهدف إلى استقطاب بعض العشائر العربية، التي كانت تعيش حالة تهميش ممنهجة من قبل “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، وأرادت روسيا خلق حالة من العداء العربي تجاه التحالف الدولي والجانب الأميركي، من خلال تعزيز سردية أن وجود هذه القوات الأجنبية ليس قانونيا، وأن الولايات المتحدة تريد دعم قوات كردية للتأسيس لفكرة التقسيم وسلب العرب قدرتهم وأرضهم لصالح كانتون كردي. وخلال السنوات الأخيرة لوجود نظام الأسد، كانت روسيا تشجع المدنيين على التظاهر أمام الدوريات العسكرية الأميركية، وتقدم الهدايا للأطفال والمدنيين الذين كانوا يقفون أمام الدوريات ويرشقونها بالحجارة.
أ ف بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره السوري بشار الأسد يشاهدان عرضا عسكريا في قاعدة حميميم في 11 ديسمبر 2017
لم تستغل روسيا وجودها في القامشلي لمحاولة كسب المدنيين الغاضبين من “قسد” فحسب، بل عمدت إلى تأسيس علاقة مع “قسد” نفسها، من خلال لعب دور الوسيط بين دمشق و”قسد”، ومن خلال إقناع “قسد” بأن انسحاب التحالف الدولي قادم، و”قسد” بحاجة إلى خطة ثانية حال حدوث ذلك لأن المعارضة السورية لن تقف مكتوفة الأيدي وتقبل بوجود “قسد”. كما أقنعتها أن علاقتها مع تركيا تمكنها من التفاهم مع الجانب التركي وفتح قنوات تفاهم بين أنقرة و”قسد”.
وعلى مدار السنوات الممتدة بين 2021 و2024، كانت روسيا و”قسد” على تواصل دائم، ولقاءات أسبوعية كانت تحصل بين قادة “قسد” وروسيا في مطار القامشلي، إضافة إلى أن روسيا لاحقا بدأت بنقل قادة “قسد” بطائراتها العسكرية إلى مطار حميميم أو إلى دمشق لإجراء لقاءات مع نظام الأسد.
في اللاذقية كانت القصة ذات بعد مختلف، فهو كان بمثابة أرض روسية على تراب سوري، لا يستطيع نظام الأسد فرض أية سلطة فيه، وفي أكثر من مرّة التقى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بشار الأسد في قاعدة حميميم لا في دمشق، وكان دخول الأسد وخروجه، وحركته داخل القاعدة محكومة بالقواعد الروسية لا السيادة السورية.
على مدار 18 شهرا أعقبت هروب بشار الأسد إلى موسكو، عملت الحكومة السورية على عدّة محاور في سياق تهيـئة الظروف اللازمة لوضع روسيا أمام خيارات ضيقة بما يتعلق بوجودها في سوريا
أهمية قاعدة حميميم أصبحت تظهر جليا من خلال عمليات التوسعة التي أجرتها روسيا للقاعدة والمطار، لتصبح قاعدة حميميم أحد أكبر القواعد الروسية التي ترتكز عليها روسيا في المنطقة، فالقاعدة بالقرب من الشمال السوري، الذي كان يكتظ بالمدنيين والمعارضة السورية، وهذا ما أعطى روسيا ثقلا سياسيا وعسكريا، في أي تفاهم محتمل مع المعارضة السورية، وشكل عامل ضغط على أنقرة التي كانت تخشى من أية حملة عسكرية روسية ضد المعارضة في الشمال السوري، وما ستؤدي إليه من موجات نزوح سوري جديد إلى الأراضي التركية، هذه الأوراق لعبت دورا بارزا في قدرة روسيا على دفع المعارضة نحو اتفاقات صعبة (كاتفاق الخروج من حلب، واتفاق خفض التصعيد في إدلب).
مطار حميميم تعدّت فوائده حدود الثقل الجيوسياسي في الشرق الأوسط، بل أصبح لاحقا نقطة انطلاق روسية يتم عبرها تجنيد ونقل الآلاف من السوريين الذين كانوا بحاجة للعمل والمال، عمليات التجنيد كانت تتم عبر شركات أمنية سورية (مدعومة من روسيا)، ويتم نقل هؤلاء إلى ليبيا للقيام بأعمال أمنية مثل حماية المقرات النفطية، أو إلى روسيا لأجل تدريبهم وإرسالهم إلى أوكرانيا للقتال لصالح الجيش الروسي.
أ.ف.بصورة نشرتها شركة ماكسار تكنولوجيز تظهر القاعدة البحرية الروسية في طرطوس غرب سوريا، في 10 ديسمبر 2024
وفي طرطوس كانت القاعدة الروسية بمثابة ورقة روسية في المياه الدافئة، تعيد من خلالها روسيا تذكير القوى الكبرى بأنها في المنطقة من جديد، ولها نفوذ سياسي، عسكري، اقتصادي ينبغي النظر إليه حين صياغة أي قرار دولي متعلق بالمنطقة. ولتعزيز قوّتها ونفوذها، وقعت روسيا مع نظام الأسد أكثر من اتفاقية متعلقة بقطاعات النفط والطاقة في سوريا، بما فيها عقود متعلقة بالنفط الموجد في المياه الدافئة السورية. كما منحت قاعدة طرطوس نفوذا روسيا بحريا يتيح لها القدرة على استجلاب السفن العسكرية، بما فيها السفن الحربية ذات المفاعلات النووية، واستخدام وسائل الاتصالات التي تراها موسكو مناسبة.
مع مذكرة التفاهم الأخيرة بين سوريا وموسكو، فقدت روسيا أحد أكبر الإنجازات التي حققتها روسيا في منطقة الشرق الأوسط منذ انهيار الاتحاد السوفيتي (القواعد الروسية في سوريا)، فهي خلال أقل من عقد (بدءا من عام 2015) أسست في سوريا نفوذا كبيرا ببعد جيوسياسي وعسكري، أثار قلقا إقليميا وغربيا كبيرا، ومكّن موسكو من الجلوس في قلب الشرق الأوسط، كما أن روسيا من خلال الاتفاقات التي وقعتها مع نظام الأسد أسست لسردية في أروقة الأمم المتحدة وورقة لم تغب عن خطابات مسؤوليها، سردية أن وجودها في سوريا قانوني، والوجود الدولي (التحالف الدولي) غير قانوني يقترب من كونه احتلال للأراضي السورية.
كيف نجحت سوريا في رسم معالم حقبة جديدة لا سلطة روسية فيها؟
منذ سقوط نظام الأسد، تعاملت السلطات السورية مع الجانب الروسي بحذر شديد، الحذر هذا منبعه القدرة الروسية على خلخلة الأمن وعرقلة خطوات إنجاح المرحلة الانتقالية الحرجة في سوريا في الفترة التي أعقبت سقوط النظام السوري، فروسيا ما زالت هي وترسانتها العسكرية الجوية في ثلاث قواعد لم تمتلك السلطة السورية حينها نفوذا كافيا فيها، فقاعدة القامشلي تمكن روسيا من التفاهم مع “قسد”، وقاعدتي حميميم وطرطوس تعطي روسيا نفوذا في مناطق الثقل العسكري والبشري لبقايا النظام السوري السابق. يُضاف إليها وجود تفاهمات غير رسمية بين موسكو والسلطات السورية الجديدة بأن المسار السياسي غير العدائي هو المحرك المستقبلي للعلاقات السورية-الروسية.
أ ف بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس السوري أحمد الشرع يتصافحان خلال لقائهما في قصر الكرملين الكبير في موسكو في 15 أكتوبر 2025
وعلى مدار 18 شهرا أعقبت هروب بشار الأسد إلى موسكو، عملت الحكومة السورية على عدّة محاور في سياق تهيـئة الظروف اللازمة لوضع روسيا أمام خيارات ضيقة بما يتعلق بوجودها في سوريا، فبعد أقل من شهر على سقوط نظام الأسد حطّ وفد روسي ترأسه ميخائيل بوغدانوف، المبعوث الخاص للرئيس الروسي إلى الشرق الأوسط، في دمشق تلقت موسكو خلال هذه الزيارة رسائل إيجابية مشروطة من الرئيس السوري أحمد الشرع، بمعنى انفتاح سوريا الجديدة على العلاقة مع موسكو لكن على أساس احترام الأخيرة لإرادة الشعب السوري ومصالحه. وبعد أقل من شهرين حصل أول اتصال رسمي بين الرئيس السوري ونظيره الروسي فلاديمير بوتين منتصف شهر فبراير/شباط 2025، عبّر فيها الرئيس الروسي استعداد بلاده لإعادة النظر في الاتفاقيات السورية-الروسية زمن نظام الأسد.
انطلق قطار التفاوض في شهر فبراير/شباط، وكانت روسيا تريد ضمان نفوذ لها في سوريا الجديدة التي بدأت تُظهر انفتاحا تاريخيا على الدول العربية والغرب، وكانت روسيا ترى قوّتها في التفاوض تنبع من وجودها العسكري في شرق الفرات والساحل السوري، إضافة إلى علاقاتها الوطيدة مع ضباط وعناصر النظام السابق وقسد، فيما كانت الحكومة السورية تريد تحييد ورقة القوّة الروسية، التفاهم مع موسكو على مستقبل تفاهمات سياسية لا صوت للرصاص فيها، وفي الوقت نفسه تريد تأطير الأثر الروسي في سوريا بصيغة تقلل من القلق الغربي وتُشجعه على تحقيق خطوات فعلية تجاه سوريا الجديدة.
يبدو أن روسيا قررت المضي قدما في الخيارات التي تتماشى مع الواقع الجديد في سوريا، خيارات أساسها العلاقات السياسية والاقتصادية مع سوريا الجديدة
لقاءات مكثفة بين الجانبين السوري والروسي، تضمنت زيارتين أجراهما الرئيس الشرع رفقة وفد سياسي عسكري إلى موسكو في أكتوبر/تشرين الأول عام 2025، ويناير/كانون الثاني عام 2026، التقى خلالهما الرئيس الروسي وأجرى مباحثات معه ومع مسؤولين روس، زيارة الشرع لموسكو أسست للقاءات عسكرية وأمنية واقتصادية مكثفة بين الجانبين يقود عجلتها وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، لدراسة الاتفاقيات القديمة مع روسيا، إعادة ترتيبها والنظر فيها، ورسم معالم وحدود الوجود الروسي العسكري في سوريا.
الجانب السوري وضع أمامه عدة عوامل في مسيرة التفاوض مع روسيا، الأول هو السيادة السورية، بما يضمن عدم وجود قدرة روسية على التأثير في القرار السوري وزعزعة الاستقرار في سوريا الجديدة، ثانيا مصالح السوريين وأهدافهم بما فيها تخفيف غضب السوريين من روسيا التي أمطرتهم بالصواريخ والنار وقتلت الآلاف منهم، وشرّدت الشعب السوري وأجبرته على الخروج من مناطقه إلى الشمال، ضمن إطار التسويات التي أجبر عليها السوريون بالنار والحديد، ثالثا أن أي انفتاح على الولايات المتحدة والغرب لن يتكلل بالنجاح مع وجود نفوذ عسكري روسي يهدد المصالح الغربية واستثماراتها المستقبلية في سوريا، لذلك لا بد من تقليم مخالب الدب الروسي في سوريا لكسب التوازن السياسي والعلاقات مع الغرب والولايات المتحدة الأميركية، رابعا أن إعادة الإعمار والاستثمار واقبال رجال الأعمال السوريين وغير السوريين إلى سوريا سيكون مشوبا بالأشواك في ظل وجود عسكري روسي غير مسيطر عليه وعلى تبعاته الداخلية والخارجية، خامسا أن بقاء روسيا في سوريا عسكريا بالشكل الذي كان عليه زمن الأسد، يجعل الأراضي السورية منصة تنطلق منها التعزيزات والمعدات العسكرية الروسية إلى مناطق أخرى في العالم لخدمة المصالح الروسية، وهو ما لا تريده سوريا الجديدة التي أكد المسؤولين فيها أكثر من مرة أنها لن تكون سببا في زعزعة الأمن الإقليمي والدولي.
أ.ف.بوزير الخارجية السوري أسعد الشيباني خلال جولة تفقدية في ميناء طرطوس في 9 أغسطس 2026
إن عودة سوريا إلى المظلة العربية والقرار العربي، وفشل قدرة بقايا النظام السوري السابق على زعزعة الساحل السوري وخلق واقع خارج عن سلطة الدولة السورية، مع تمكن قوات الأمن السورية من فرض واقع أمني في مناطق الساحل السوري، الذي جَعَلَ من الصعوبة بمكان على بقايا النظام فرض خلق معادلة جديدة فيه، وكذلك خروج روسيا من قاعدة القامشلي، وفتح أبواب حميميم أمام دوريات الجيش السوري الجديد، مع انتشار الحكومة السورية في محيط قاعدتي حميميم وطرطوس، وانهيار “قسد” عسكريا ودخول الدولة السورية إلى شرق الفرات، وفي التحالف الدولي، بالإضافة إلى التفاهمات السورية-الأميركية، والسورية-الغربية، كل هذا كان بمثابة أوراق قوّة بيد الحكومة السورية التي ركزت كل اهتمامها على أن سوريا المستقبل لا تناصب العداء لأحد، ولا وجود لقوّة فيها أو قاعدة فيها خارجة عن سلطة دمشق.
لقد تمكنت الحكومة السورية تدريجيا، بالتزامن مع الدعم العربي والإقليمي والإقبال الغربي عليها، من خلق واقع جديد أمام روسيا، واقع يضعها أمام خيارات قليلة، محاولة البقاء في سوريا بالصيغة التي حصلت عليها زمن الأسد، لكن في بيئة لم تعد صديقة وتابعة لها كما السابق، وهو ما يهدد أمن وجودها وتطلعاتها، أو الذهاب نحو خياراتٍ ترحب بها سوريا الجديدة، حيث علاقات سياسية واقتصادية معها مقابل تخليها عن قلاعها العسكرية التي مُنحت لها من قبل بشار الأسد. وفيما يبدو أن روسيا قررت المضي قدما في الخيارات التي تتماشى مع الواقع الجديد في سوريا، خيارات أساسها العلاقات السياسية والاقتصادية مع سوريا الجديدة، واتفاقيات متخصصة في مجال التدريب العسكري بين البلدين.
- المجلة
























