طهران سارعت إلى الإيحاء أنها المقصودة في “اتفاق مكة” (أ ف ب)
إذا كان الوجود العسكري الأميركي مصدر خطر، فمن يواجه الخطر الأكبر في غياب القواعد الأميرکية؟ مهما يكُن، فإن الرد على ما جرى في حرب الـ12 يوماً على إيران جاء عبر اتفاق للدفاع المشترك بين السعودية وباكستان، والرد على ما أظهرته حرب إيران كان توقيع “اتفاق مكة للدفاع المشترك” بين السعودية وباكستان وتركيا.
زعزعة الاستقرار في المنطقة هي، على العموم، اختصاص إيراني وإسرائيلي وأصولي على طراز “داعش” وإخوانه. وضمان الأمن في مواجهة الزعزعة بدا كأنه مهمة أميركية تساعدها قوى قادرة على إدارة الرياح. ولم يكُن غريباً أن تسعى دول عربية معينة إلى تنويع الضمانات الأمنية والانفتاح على الصين وروسيا.
وما كان مألوفاً قبول عدد من الدول العربية طلب الرئيس الأميركي دونالد ترمب توقيع “اتفاقات أبراهام” وتصور الاتكال على ضمانات أمنية إسرائيلية. لكن هذا كله تكشّف عن “حنجلة” قبل الرقص، إذ ضربت المنطقة زلازل جيوسياسية وإستراتيجية بدءاً من عملية “طوفان الأقصى” في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023 وحرب “حزب الله” لإسناد غزة وسقوط النظام السوري وحرب الـ12 يوماً على إيران، وصولاً إلى الحرب الأميركية -الإسرائيلية على إيران وحرب إسناد إيران والثأر لاغتيال المرشد علي خامنئي.
عشية هذه الزلازل ظهرت في واشنطن دراسات تدعو إلى تطوير الالتزامات الأميركية الأمنية، وبينها واحدة طالبت بثلاثة أمور في العلاقات مع السعودية، عقد معاهدة دفاعية مع الرياض ودعم برنامج نووي سلمي والإصرار على دولة فلسطينية على أساس “حل الدولتين”. وهذا لم يحدث، باستثناء الاتفاق أخيراً على البرنامج النووي السلمي. لكن ما حدث هو أن الصدام المباشر بين أميركا وإيران کشف عما كان مغطى بظلال دقيقة. فالقصف الإيراني لدول الخليج بحجة الرد على القواعد الأميركية كان عنيفاً وكثيفاً وأقوى من الرد على إسرائيل، والضمان الأميركي لأمن الخليج بدا ضعيفاً وعاجزاً عن ردع الصواريخ والمسيّرات المنطلقة من إيران، لا بل إن طهران تصرفت على أساس أن دول الخليج رهينة في يدها. وهي عملت ضمن معادلة لا معقولة ولا مقبولة، واشنطن تضرب إیران وإيران تضرب الخليج. والأفظع هو التهديد الإيراني المعلن باسم الحرس الثوري بتدمير البنية التحتية الكهربائية والنفطية والغازية والمائية والجسور في الخليج رداً على تلویح ترمب بالقضاء على الحضارة في إيران. وليس ذلك بسبب وجود القواعد العسكرية الأميركية بمقدار ما هو بسبب المشروع الإقليمي الإيراني الذي يحتاج أولاً إلى الهيمنة الإيرانية وعمليات الأذرع المسلحة الإرهابية والذي لا يمكن تحقيقه في النهاية إلا على حساب الدول الخليجية واليمن والعراق وسوريا ولبنان وسواها.
والسؤال هو هل المطلوب أميركياً وخليجياً تعميق الارتباط الأمني أم التخفيف الشديد منه؟ وإذا كان الوجود العسكري الأميركي مصدر خطر، فمن يواجه الخطر الأكبر في غياب القواعد الأميركية؟ مهما يكُن، فإن الرد على ما جرى في حرب الـ12 يوماً على إيران جاء عبر اتفاق للدفاع المشترك بين السعودية وباكستان، والرد على ما أظهرته حرب إيران كان توقيع “اتفاق مكة للدفاع المشترك” بين السعودية وباكستان وتركيا، دولة لها ثقل عربي ودولي، ودولة نووية، وأخرى من أعضاء “الناتو”. والسجل مفتوح لانضمام دول عربية إلى الدفاع المشترك، بعدما صار ميثاق الدفاع العربي المشترك في الجامعة نصاً على الورق.
ومنذ البدء أعلن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف والرئيس التركي رجب طيب أردوغان أن الاتفاق “ليس محوراً عسكرياً، ولا تكتلاً طائفياً، ولا تهديداً لأية دولة في المنطقة”. وأبسط ما أشار إليه وزير الخارجية التركي حقان فيدان هو أن في النص ما يشبه المادة الخامسة في “الناتو” لجهة اعتبار أي اعتداء على أي عضو بمثابة اعتداء على الجميع، وأن هناك على الطريق أمانة عامة ولجنة وزارية.
لكن طهران سارعت إلى الإيحاء أنها المقصودة في “اتفاق مكة”، ولم يكتم عضو لجنة الأمن في مجلس الشورى إبراهيم رضائي القول إن “الاعتماد على الاتفاقات الخارجية لن يشكل صمام أمان للرياض، وعلى السعوديين أن يدركوا أن الاتفاق على الورق مع تركيا وباكستان لن يجلب لهم الأمن تماماً كما أن أعوام الاستضافة الأحادية للأميركيين لم توفر لهم ذلك”. وهذا تكرار لمقولة إيرانية منذ بداية الجمهورية الإسلامية قوامها الدعوة الى إخراج القوى الأجنبية من المنطقة، والمقصود بالطبع هو أميركا، وإقامة نظام أمني إقليمي تشارك فيه دول المنطقة. والوقائع تؤكد أن هذه مجرد دعوة الى الهيمنة الإيرانية على الأمن الإقليمي.
وليس من السهل کما أراد بعضهم، بناء “ناتو إسلامي” من حيث يهاجم ترمب “الناتو الأوروبي-الأميركي” ولا حاجة إلى الحديث عن “هلال شيعي” و”قمر سني”، لكن “اتفاق مكة” هو بداية الهندسة الأمنية للنظام الإقليمي بوصفة منظومة أمنية قابلة للتطور، فضلاً عن أنه لا يتعارض مع التزامات كل عضو بالعلاقات مع دول أخرى. ولا بديل من أميرکا في المنطقة إلا أمیرکا، لا الصين ولا روسيا. ولا أحد يعرف كيف ستكون العلاقات بین إیران والدول الخليجية العربية بعد كل الاعتداءات الإيرانية على من لا علاقة لهم بالحرب، وليس طموحهم إخراج واشنطن من المنطقة.
- إندبندنت






















