لا تبدو دراسة أكاديمية الاستخبارات الوطنية التركية، الصادرة في أيار 2026، منفصلة عن المواقف التي أعلنتها أنقرة خلال الأشهر الماضية تجاه التحركات الإسرائيلية في المنطقة. فقد سبقتها تصريحات رسمية عدّت السياسات الإسرائيلية التوسعية مصدر الخطر الأساسي، وربطت استقرار سوريا بالأمن الإقليمي، في حين جاءت التطورات اللاحقة لتمنح تحذيرات الدراسة بعداً أكثر وضوحاً.
وتُعد الأكاديمية مؤسسة أكاديمية وبحثية تعمل ضمن بنية جهاز الاستخبارات التركي، إلا أن الدراسة منشورة بوصفها عملاً بحثياً يعتمد على المصادر المفتوحة، وليست وثيقة استخبارية سرية أو تقييماً عملياتياً صادراً مباشرة عن قيادة الجهاز.
الدراسة، التي حملت عنوان “الحرب الأميركية/الإسرائيلية–الإيرانية وتركيا من منظور عسكري وجيوسياسي”، اعتبرت أن تمدد إسرائيل في سوريا ولبنان تحت مسمى “الحزام الأمني” قد يتحول إلى وجود دائم، ويؤثر مباشرة في أمن تركيا، بالتزامن مع تصاعد رغبة الاحتلال الإسرائيلي إعادة تشكيل النظام الإقليمي بعد تراجع النفوذ الإيراني.
ولا يقف هذا التقدير عند حدود التحليل، إذ أعلن رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو مراراً إقامة مناطق أمنية داخل الأراضي السورية واللبنانية، قبل أن يطلب منه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، بحسب موقع “أكسيوس”، البدء بسحب قواته من سوريا وإعادة انتشارها في لبنان دون رد رسمي من الجانب الإسرائيلي على هذه المزاعم.
قبل شهر من صدور الدراسة، قدم وزير الخارجية التركي هاكان فيدان توصيفاً يتقاطع مباشرة مع خلاصاتها، رافضاً المبررات الأمنية التي تستخدمها إسرائيل لتوسيع عملياتها.
وقال فيدان، خلال منتدى أنطاليا الدبلوماسي في 18 من نيسان: إن إسرائيل صنعت “وهماً دولياً” يقوم على الادعاء بأنها تسعى إلى حماية أمنها، مضيفاً: “إسرائيل لا تسعى وراء أمنها، بل تسعى إلى مزيد من الأراضي”.
وأشار إلى امتداد السياسة الإسرائيلية من غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية إلى لبنان وسوريا، مؤكداً أن “هذا الموقف الاحتلالي مستمر”، وأن السياسات التوسعية ومحاولات الاستيلاء على الأراضي تمثل مشكلة إقليمية بالنسبة إلى تركيا.
وأضاف أن إسرائيل تغلف سياساتها بـ”ستار الحاجة الأمنية”، قبل أن يؤكد أن دول المنطقة باتت تدرك أنها تشكل تهديداً إقليمياً، مشيراً إلى: “هذا النهج الاحتلالي مستمر، ويجب أن يتوقف في أسرع وقت. والطريق الوحيد للعيش بسلام دائم في المنطقة هو احترام الدول لوحدة أراضي بعضها البعض والاعتراف بحدودها، وعدم استخدام القوة ضدها”.
وأكد فيدان أن السياسات التوسعية الإسرائيلية ومحاولات الاستيلاء على الأراضي تشكل مشكلة إقليمية بالنسبة إلى تركيا، مضيفاً أن الدعم الكبير الذي تتلقاه إسرائيل حالياً من الولايات المتحدة وأوروبا يزيد المشهد تعقيداً.
وفي أيار الفائت، وضع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان سوريا والسياسات الإسرائيلية في سياق واحد، قائلاً إن الهجمات على غزة والضفة الغربية ولبنان أظهرت أن “المشكلة الأمنية الأساسية في منطقتنا هي السياسات التوسعية” للحكومة الإسرائيلية.
وأضاف أردوغان، بحسب ما نقلت الرئاسة التركية: “نولي أهمية كبيرة لتعزيز أمن سوريا واستقرارها”، مؤكداً استمرار مساهمة بلاده في إعادة إعمارها. وبذلك، جاءت دراسة أكاديمية الاستخبارات لتقدم إطاراً أوسع لموقف تركي معلن، وهو أن توسع الاحتلال لا يهدد الأراضي التي يتحرك داخلها فقط، بل يزعزع استقرار الدول المحيطة ويقترب من دوائر الأمن التركي.
لماذا تظهر تركيا بوصفها عقبة؟
ترى الدراسة أن الحرب الأخيرة شكّلت نقطة تحول في الاستراتيجية الإسرائيلية، وكشفت انتقال إسرائيل إلى مرحلة السعي لإقامة هيمنة إقليمية مباشرة والمحافظة عليها بالقوة العسكرية التقليدية.
وبحسب ترجمة نصها التركي، فإن إسرائيل تجاوزت الحروب غير المباشرة ضد حلفاء إيران، وانتقلت إلى أرضية الصراع بين الدول، بالتزامن مع تعاملها مع الحرب متعددة الجبهات بوصفها واقعاً دائماً.
وتقول الدراسة إن “سياسات إسرائيل وأعمالها العدوانية والتوسعية تنتج مجالات توتر جديدة”، وإن توسيع مجال عملياتها في سوريا ولبنان وشرق المتوسط يزيد هشاشة البنية الأمنية الإقليمية.
وتخلص إلى أن محاولة إسرائيل إعادة تشكيل المنطقة لمصلحتها ترفع احتمال المنافسة الاستراتيجية مع تركيا، ولا سيما في سوريا وشرق المتوسط ومستقبل النظام الأمني الإقليمي.
وتربط الدراسة بين تراجع القدرات الإقليمية الإيرانية، بداية من الثورة السورية وصولاً إلى الحروب الأخيرة، وبين ظهور فراغ جديد في موازين القوى.
وترى أن تركيا، بما تمتلكه من قدرات عسكرية وصناعات دفاعية ومرونة دبلوماسية وحضور إقليمي، هي “أقوى طرف” قادر على إدارة هذا الفراغ.
وفي المقابل، تعتبر إسرائيل إضعاف إيران فرصة لتوسيع مجال حركتها، لكنها تنظر، وفق الدراسة، إلى تركيا بوصفها “أكبر عقبة أمام سياساتها التوسعية”.
وتضيف أن المنافسة بين البلدين قد تتحول في سوريا وشرق المتوسط والنظام الأمني الإقليمي إلى “مواجهات استراتيجية أكثر مباشرة”، مشيرة إلى أن تركيا بدأت تُصنف في الخطاب العسكري والسياسي الإسرائيلي باعتبارها “تحدياً استراتيجياً”.
ولا تتحدث الدراسة عن حرب حتمية، بل تتوقع أن تتحرك علاقاتهما بين المنافسة المنضبطة والتوتر المرتفع.
نتنياهو يؤكد قيام “الحزام الأمني”
لا يقوم تحذير الدراسة من “الحزام الأمني” على افتراض غير معلن. فقد أكد نتنياهو في سلسلة تصريحات رسمية إقامة مناطق عسكرية داخل أراضي الدول المجاورة.
وفي نهاية شهر آذار الفائت، قال نتنياهو خلال زيارة قيادة المنطقة الشمالية المتاخمة لسوريا، إن إسرائيل أنشأت “ثلاث مناطق أمنية في عمق أراضي العدو”، محدداً المنطقة السورية بأنها تمتد من مرتفعات جبل الشيخ إلى نهر اليرموك.
وفي تموز، عاد نتنياهو ليقول إن “حزام لبنان يقع داخل لبنان” وإن “حزام الجولان يقع داخل سوريا”، في تأكيد أن التصور الإسرائيلي للأمن يتجاوز الحدود إلى أراضي الدول المجاورة.
وهذا ما حذرت منه الدراسة التركية حين وضعت ضمن أبرز المخاطر محاولة إسرائيل جعل توسعها في سوريا ولبنان “أكثر ديمومة وعمقاً تحت مقاربة الحزام الأمني”.
وأضافت أن هذا السيناريو “قد يؤثر مباشرة في أمن تركيا” ويهدد الاستقرار الإقليمي، خصوصاً إذا ترافق مع استقطاب قوى محلية وتحويل الانتشار العسكري إلى نفوذ سياسي وأمني طويل الأمد.
وجاء في الدراسة، بحسب ترجمة النص التركي: “يتمثل أحد المخاطر الأساسية بالنسبة إلى تركيا في جعل إسرائيل توسعها العملياتي على خط لبنان-سوريا أكثر ديمومة وعمقاً تحت مقاربة الحزام الأمني، وبالتوازي مع ذلك، ضم أطرافا مختلفة في المنطقة إلى جانبها ومواصلة هدفها في التحول إلى قوة مهيمنة إقليمياً”.
سوريا في مركز المنافسة
تقول الدراسة إن الحرب لم تحول سوريا إلى جبهة مباشرة، لكنها تركت عليها آثاراً أمنية واقتصادية واجتماعية، شملت استخدام إسرائيل وإيران الأجواء السورية، وسقوط حطام صواريخ وطائرات مسيّرة، واستهداف قواعد شرقي البلاد.
وترى أن النتيجة الأساسية تتمثل في زيادة الضغط على عملية التعافي الهشة، في وقت تحتاج فيه الحكومة السورية إلى تثبيت سلطتها وإعادة بناء المؤسسات وجذب الاستثمارات.
وتخصص الدراسة مساحة للجنوب السوري، محذرة من احتمال استخدام إسرائيل أحداث السويداء لتوسيع الصراع أو بدء احتلال جديد.
وبحسب الدراسة، فإن أي تحرك من دمشق لبسط سلطتها في السويداء قد تستخدمه إسرائيل مبرراً للتدخل، كما أن الانشغال بالحرب الإقليمية قد يمنحها فرصة “لبدء احتلال فعلي على الشريط الحدودي”. وتستشهد بقصف الجيش الإسرائيلي أهدافاً سورية عقب أحداث السويداء.
ويتقاطع هذا التقييم مع موقف أعلنه وزير الدفاع التركي يشار غولر، إذ قال إن إسرائيل يجب أن تدرك أنها لا تستطيع معالجة مخاوفها الأمنية عبر مهاجمة سوريا وزعزعة استقرارها، داعياً إياها إلى التعامل مع الحكومة السورية على أساس حسن الجوار والمعاملة بالمثل.
لبنان جزء من المشهد نفسه
لا تفصل الدراسة بين ما يجري في سوريا ولبنان، بل تتعامل مع البلدين بوصفهما نطاقاً أمنياً مترابطاً.
وتقول إن إسرائيل دخلت في جنوبي لبنان باحتلال “ألمحت بصورة غير مباشرة إلى أنه سيكون دائماً”، معتبرة أن ذلك يكشف أن توسعها لن يبقى محصوراً بفلسطين.
كما تربط الاحتلال في الجنوب اللبناني بزيادة التوتر بين الحكومة السورية و”حزب الله” وبدء اشتباكات منخفضة الحدة على الحدود.
وتستشهد بإعلان الرئيس السوري أحمد الشرع، في آذار، دعم جهود الدولة اللبنانية لنزع سلاح “حزب الله”، قبل أن تتعرض مواقع للجيش السوري لإطلاق نار في اليوم التالي.
وبحسب الدراسة، دفعت التوترات الجيش السوري إلى تعزيز انتشاره على الحدود اللبنانية والعراقية وتشديد مراقبة المعابر، ما أدى إلى تحويل موارد تحتاج إليها دمشق لتثبيت الاستقرار الداخلي نحو الخارج.
كذلك أدت الحرب في لبنان إلى عودة نحو 120 ألف سوري بصورة مفاجئة، وزيادة الضغط على السكن والخدمات، بالتزامن مع مخاطر تعطيل الاستثمار وإعادة الإعمار.
من تحذير الاستخبارات إلى ضغوط ترمب
عززت التطورات الميدانية والسياسية اللاحقة الأسئلة التي طرحتها الدراسة بشأن تحول الوجود العسكري الإسرائيلي إلى واقع طويل الأمد.
فقد نقل موقع “أكسيوس” عن مسؤولين إسرائيليين أن بعض أعضاء الحكومة يؤيدون الاحتفاظ بسيطرة مفتوحة المدة على المناطق التي احتلتها إسرائيل جنوبي سوريا، في حين يدفع وزراء نحو إقامة مستوطنات فيها.
كما أقرت جماعة “رواد باشان” الاستيطانية بوجود عناصرها “ليلاً ونهاراً” داخل الأراضي السورية، وطالبت ببقاء الجيش الإسرائيلي.
وكشفت مصادر محلية لتلفزيون سوريا بدء قوات الاحتلال بناء مستشفى في بلدة قلعة جندل بمنطقة جبل الشيخ، ضمن تحركات قالت المصادر إنها تهدف إلى التأثير في المجتمع المحلي.
بعد نحو شهرين على صدور الدراسة، طلب ترمب من نتنياهو البدء بسحب القوات الإسرائيلية من سوريا والمضي في إعادة الانتشار المتفق عليها في لبنان.
ونقل “أكسيوس” عن مسؤول أميركي أن ترمب حذر من أن وجود القوات الإسرائيلية داخل سوريا قد يؤدي إلى التصعيد، وقال لنتنياهو: “إنهم لا يريدون وجودكم هناك، وينبغي لكم إعادة نشر قواتكم”.
جاء الاتصال بعد لقاء جمع ترمب بالرئيسين أحمد الشرع ورجب طيب أردوغان، على هامش قمة حلف شمال الأطلسي في أنقرة، وأكد خلاله الجانبان مواصلة التنسيق بما يدعم وحدة سوريا وسلامة أراضيها.
سوريا وملف “حزب الله”
ربط ترمب لاحقاً بين الملفين السوري واللبناني، قائلاً في مقابلة مع “فوكس نيوز” إن الشرع سيتولى التعامل مع “حزب الله” “بطريقة مختلفة”، وإنه سيكون أكثر دقة.
وعندما سُئل عن انسحاب القوات الإسرائيلية من جنوبي لبنان، قال إن “إعادة الانتشار هي الكلمة الأدق”، معتبراً أن ذلك يسمح لإسرائيل بالتركيز على إيران.
من جانبه، نفى الشرع، في مناسبات عدة، وجود توجه سوري للتدخل العسكري في لبنان، مؤكداً أن الدور السوري “إيجابي بحت”، وأن دمشق مستعدة للحوار مع الأطراف اللبنانية، بما فيها “حزب الله”، إذا كان ذلك يخدم استقرار البلدين.
ويضع ذلك الحدود السورية اللبنانية وملف “حزب الله” والانسحاب الإسرائيلي ضمن معادلة واحدة، وهي المعادلة نفسها التي تناولتها دراسة الاستخبارات عند حديثها عن ترابط الأزمات بين سوريا ولبنان.
موازنة التوسع من دون قطع الحوار
لا تدعو الدراسة إلى مواجهة عسكرية أو تشكيل محور إقليمي مغلق، بل تحدد الأولوية التركية في تطوير نهج مرن يخفض التوتر ويحصر ساحات الصراع ويعزز دور دول المنطقة في إدارة أمنها.
وتوصي تركيا بتقوية دورها الموازن أمام النهج الإسرائيلي التوسعي، مع المحافظة على “أرضية الحوار العقلاني”، ورفع مستوى الردع العسكري والتنسيق الإقليمي.
وهذه المقاربة تتطابق مع ما قاله فيدان عن ضرورة أن تتولى دول المنطقة معالجة أزماتها، بدلاً من انتظار قوة مهيمنة من خارجها “تنتج مشكلات أكثر من الحلول”.
وبذلك، لا تنظر الدراسة إلى سوريا ولبنان باعتبارهما ساحتين بعيدتين عن تركيا، بل بوصفهما جزءاً من نظام أمني واحد، كلما تعمق الاحتلال داخلهما، ازدادت هشاشة المنطقة واقتربت المنافسة مع إسرائيل من المصالح والأمن التركي.
- تلفزيون سوريا
























