في عالمٍ يروّج لنفسه على أنَّه واحةُ الحرية الفكرية والسياسية، يجد المواطن المستقلُّ نفسه يعيش أكبر المفارقات الفلسفية المعاصرة، فهو يمتلك كامل الحق في رفض الانتماء للأحزاب، لكنه لا يكاد يملك أيَّ حقٍّ في الإفلات من الخيارات التي تصوغها تلك الأحزاب؛ لأنَّ فكرة حصار الفرد غير المنتمي لها بين بدائل جاهزة ومصنّعة في كواليس الأحزاب يكشف مأزقا وجوديا وأطروحة فكرية بالغة الأهمية ويبين كيف صودرت الإرادة الحرة في النظم الحديثة، وكيف تحولت الديمقراطية من فضاء لابتكار الحلول إلى سوق مغلق لا يعرض إلا سلعاً قليلة محدودة صُنعت بعناية لإدامة المنظومة نفسها.
حين يقرر المواطن النأي بنفسه عن التعصب الحزبي، فهو يمارس فعلاً فلسفياً نبيلاً يهدف إلى حماية استقلاله الذاتي ونقاء موقفه الأخلاقي؛ هو يرفض أن يشتري حزمةً فكرية كاملة تفرضها الأيديولوجيا، إذ يجبر الحزب المنتسبين إليه على قبول مواقفه الاقتصادية والاجتماعية والخارجية كتلة واحدة لا تقبل التجزئة. غير أن هذا النقاء الفكري يصطدم بالواقع عند أول استحقاق سياسي، ويكتشف هذا المستقل أن حريته تم اختزالها عموماً في حرية الاختيار من بين البدائل المتاحة، وأغلقت أمامه حرية صياغة البدائل، وأنه يشبه في ذلك رجلاً حراً يدخل مطعماً ضخماً، ليجد أن القائمة فرضها عليه طاهٍ لا يعرفه، وأن خياره الوحيد هو قبول أحد الأطباق أو أن يغادر جائعاً.
تتجلى هذه المعضلة بوضوح عند تأمل الخارطة السياسية العالمية، إذ تتشابه المشاهد في جوهرها رغم اختلاف الثقافات والجغرافيا، لنأخذ على سبيل المثال التجربة التركية المعاصرة؛ فالناخب التركي الذي ربما لا يرى نفسه إسلامياً محافظاً بالكامل أو علمانياً أيديولوجياً بالكامل، يجد الفضاء العام قد انقسم بحدّةٍ إلى فسطاطين، ويجد نفسه محصوراً بشكل شبه حتمي بين الرؤية التي يمثلها حزب العدالة والتنمية من جهة، والرؤية المقابلة التي يطرحها حزب الشعب الجمهوري من جهة أخرى، ويصبح مضطرا إلى الانحياز لأحد المعسكرين في اللحظات الحاسمة تصويتاً، نكاية بالمعسكر الآخر أو خوفاً من مآلات صعوده، وتتحول العملية إلى آلية دفاعية قسرية صاغها الحزبان بدقة.
وإذا التفتنا نحو الديمقراطية الغربية، نجد أن التجربة الأميركية تمثل الذروة في هندسة هذا الحصار، وإن بدت واجهتها القانونية أكثر تعقيداً بتعدد التشريعات بين الولايات، ووجود مرشحين مستقلين وأحزاب ثالثة، فضلاً عن نماذج لافتة لسياسيين مستقلين مثل بيرني ساندرز. ومع ذلك، فإنَّ البنية الانتخابية العميقة تحدُّ كثيرا من فاعلية هذه الخيارات؛ إذ تجعل شروط التأهل للاقتراع وقوانين تمويل الحملات الضخمة فرص المستقلين والأحزاب الثالثة ضئيلة وشبه معدومة في نيل الأغلبية أو الوصول إلى الرئاسة. ويجد الأميركي المستقل نفسه مرغماً، عملياً، على الاختيار بين برامج الديمقراطيين والجمهوريين، ليصبح صوته في النهاية محصوراً في لعبة التوازنات بين هذين الحزبين الكبيرين.
ولا يختلف الأمر كثيراً في بريطانيا، حيث تعيد البنية السياسية إنتاج الثنائية التقليدية بين حزبي المحافظين والعمال. فرغم وجود أحزاب أصغر، إلا أنَّ النظام الانتخابي البريطاني يفرغ التعددية من ثقلها العملي، ويدفع الناخب غير المنتمي إلى التصويت لضمان إسقاط الحزب الكبير الأبعد عنه. وفي فرنسا، ورغم التحولات الأخيرة، سرعان ما يعاد ترتيب المشهد ليحصر المواطن في الجولات الحاسمة بين خيارات محددة مسبقاً من النخب الحاكمة أو التيارات الراديكالية المقابلة. وينسحب هذا النمط على أغلب الدول الأوروبية التي تحولت فيها الأحزاب إلى ما يُعرف بأحزاب الكارتل (Cartel Parties)، وهي النظرية الشهيرة التي صاغها العالمان ريتشارد كاتز وبيتر مير (Richard Katz & Peter Mair)، حيث أوضحا كيف تحولت الأحزاب الكبرى إلى كيانات شبه حكومية تتنافس علناً وتتفق ضمناً على حماية مصالحها وتقاسم السلطة، مقصيةً أي لاعب مستقل يحاول تغيير قواعد اللعبة.
هذه التجارب الدولية المأزومة تكتسب اليوم أهمية مضاعفة عند إسقاطها على الواقع السوري المعاصر، في وقتٍ تصاعدت فيه المطالبات بصياغة ووضع قوانين عصرية للأحزاب، وشهدت الساحة السورية في الآونة الأخيرة اتساعاً ملحوظاً في مساحة التعبير الفردي، ولا سيما عبر منصات التواصل الاجتماعي التي تحولت إلى ما يشبه البرلمانات الشعبية الافتراضية القادرة على تحويل القضايا المحلية والمطلبية والخدمية إلى قضايا رأي عام ضاغطة ومؤثرة في غضون ساعات. هذا الحراك الرقمي العفوي يعكس وعياً جمعياً متقدماً وقدرة عالية على التأثير دون الحاجة لوساطة حزبية أو هياكل أيديولوجية جامدة. دون أن يعني ذلك أن الفضاء الرقمي يخلو من التحديات الخاصة، لكن من المؤكد أنه يتيح للمستقلين فرصا أوسع للتعبير والتنظيم.
من هنا، يصبح لزاماً عند وضع قانون الأحزاب الجديد في سوريا مراعاةُ هذه الخصوصية الفريدة، والاستفادة القصوى من تجارب العالم المحيط من دون تكرار أخطائها، وتجنُّب الوقوع في فخ الكارتلات التي ضيقت مساحة الفاعلين المستقلين في النظم الغربية والنظم التي حذت حذوها وسارت على نهجها، والحرص على أن يكون مرناً يتيح للمستقلين ولحركات الرأي العام تشكيل كتل وقوائم انتخابية تحظى بذات الفرص والتمويل والدعم المتاح للأحزاب المنظمة، مانعاً تشكل ثنائيات قطبية مصطنعة تقسم المجتمع أو تختزل خياراته.
والاستفادة من الإيجابيات تعني تشريع العمل الجماعي المنظم وتوفير قنوات قانونية لتمثيل التيارات الفكرية، ونبذ السلبيات يعني رفض الاحتكار الحزبي للفضاء العام، والوعي السوري الذي يمارس حريته اليوم عبر الفضاء الرقمي يحتاج إلى قانون يحميه من المصادرة، ويضمن ألا تكون الأحزاب هي البوابة الحصرية للعمل السياسي أو لصناعة القرار.
تتكامل هذه الأطروحة السياسية والفلسفية حين ندرك أن المشكلة تكمن في تحوُّل الأحزاب إلى مؤسسات تميل نحو احتكار صناعة البدائل وتأطير الفضاء الفكري للمجتمع. ومع أن جهات متعددة كالجامعات، والإعلام، ومراكز الأبحاث، والنقابات، ومنظمات المجتمع المدني تنتج خطاباً سياسياً مستمراً، إلا أن الأحزاب الكبرى تسهم بدرجة مؤثرة في تحديد المصطلحات السياسية المتداولة وفرض الأطر التفسيرية للأزمات عبر الماكينات الإعلامية. هذا النفوذ المعرفي يفرغ مفهوم المواطنة من قيمته الحيوية في حال غياب التوازن، ويختزل دور المجتمع في التردد دورياً على صناديق الاقتراع للمصادقة على خيارات لم يشارك في وضعها أصلا.
ولعل من المهم استلهام بدائل تكسر الانغلاق الحزبي، مثل الانتقال نحو السياسة القائمة على القضايا بأن يتكتل المواطنون في شبكات مرنة ومؤقتة لدعم قضايا محددة كالتعليم أو البيئة أو العدالة الاقتصادية، وهو النموذج الأقرب لما يمارسه السوريون اليوم عبر منصات التواصل. كما أن الاستعانة بآليات الديمقراطية التداولية (Deliberative Democracy)، التي أسس لها الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس (Jürgen Habermas) تفتح آفاقاً رحبة لإنشاء مجالس مواطنين تعتمد على الحوار العقلاني والقرعة المنظمة لتمثيل المجتمع بصدق بعيداً عن التجاذبات الحزبية المصلحية؛ لأن ترك الخيارات بيد الأحزاب التقليدية وحدها يعني استمرار تدوير الأزمات، والبدء في تحرير المواطن غير المنتمي لحزبٍ ما يبدأ أولاً بالاعتراف بوجود هذا الحصار البنيوي، والعمل على بناء فضاء يتسع للحريات المجتمعية القائمة بالفعل؛ فالحرية السياسية لا تبلغ تمامها إلا عندما يمتلك المواطن القدرة على المشاركة في صناعة البدائل نفسها ابتداء، وعدم حصره بحق اختيار البدائل الجاهزة فحسب.
- تلفزيون سوريا























