منذ بداية الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران أواخر فبراير/ شباط الماضي، تركزت الجهود الأميركية في المشرق العربي حول ثلاثة أهداف رئيسية: منع إيران من استعادة نفوذها الإقليمي، وضمان أمن الملاحة والطاقة في الخليج، ودفع طهران إلى التخلي عن برنامجها النووي. وفيما يتطلب تحقيق الأول والثاني انخراطا مباشرا مع طهران، بالقوة حيناً والتفاوض أحياناً، فإن تحقيق الهدف الثالث يتطلب، بحسب إدارة الرئيس ترامب، إعادة تشكيل البيئة الإقليمية التي تتحرك فيها إيران، وفي مقدمتها لبنان. ولهذا السبب، تتزايد الضغوط الأميركية على سورية للعب دور أكثر فاعلية في نزع سلاح حزب الله، بما في ذلك الدفع نحو تدخل عسكري في لبنان. غير أن تحويل هذه الرغبة إلى سياسة عملية يصطدم بحسابات سورية مختلفة تماماً، أولها أن سورية الخارجة توّاً من 14 عاماً من الحرب لا تملك ترف فتح جبهة عسكرية أو أمنية جديدة في لبنان، في وقت ما زالت فيه أجزاء واسعة من البلاد تواجه تحدّيات أمنية واقتصادية معقدة. وفي مثل هذه الظروف، يصبح تصدير الأزمات وصفة مضمونة لاستيراد أزمات أكبر. ثانياً، رغم الانقسامات العميقة في لبنان، يتبلور اجماع، عابر للطوائف، على رفض العودة إلى ما يسمّونه هناك “عهد الوصاية السورية”. العامل الثالث، وربما الأكثر أهمية، البيئة الإقليمية، فعندما دخلت القوات السورية لبنان عام 1976، حصل ذلك بغطاء عربي، وبتفاهمات إقليمية ودولية، شملت قبولاً ضمنياً من الولايات المتحدة وإسرائيل، فضلاً عن تفويض منحته جامعة الدول العربية تحت مسمّى “قوات الردع العربية” لوقف الحرب الأهلية اللبنانية. أما اليوم، فلا استعداد لدى معظم العواصم العربية لإعادة إنتاج الوصاية السورية في لبنان بصيغة جديدة، بل ترى أكثر الدول العربية أن استقرار لبنان يقتضي تعزيز مؤسّساته الوطنية، لا استبدال نفوذ خارجي بآخر. كما أن تركيا، التي أصبحت لاعباً رئيساً في الملف السوري، لا تبدي ارتياحا إلى أي توسّع للدور السوري خارج حدوده في هذه المرحلة، وهي تفضل أن تحصر دمشق تركيزها على تأمين استقرارها الداخلي. والمفارقة أن إسرائيل نفسها، رغم عدائها حزب الله، لا تبدو متحمّسة لمنح دمشق دوراً أمنيّاً واسعاً في لبنان. فمن منظورها، تسمح عودة سورية لاعباً مؤثراً في الساحة اللبنانية باستعادة جزء من النفوذ الإقليمي الذي سعت إسرائيل، طوال العقدين الماضيين، إلى تقويضه، لذلك تجدها تعارض، بصمت، رغبة ترامب، ومبعوثه، توم برّاك، إعادة سورية إلى لبنان، وتفضل استمرار الضغط العسكري المباشر على حزب الله. رابعا، التجاوب مع رغبة الرئيس ترامب وضغوطه لدخول لبنان سوف يجعل سورية قطعاً طرفاً في الصراع بين طهران وواشنطن، ما يتعارض مع النهج الذي تسير عليه السياسة السورية منذ سقوط نظام الأسد، وهو تجنّب الدخول في صراعات خارجية تصرفها بعيداً عن متطلبات تحقيق الأمن والاستقرار والتنمية في الداخل.
لهذه الأسباب، تتطلب الحكمة، بالنسبة لسورية، لتجنّب أي ارتدادات سلبية على مسار العلاقة الهش مع واشنطن، التمييز بين أمرين مختلفين تماماً: الأول، الوفاء بالتزاماتها دولة ذات سيادة، بضبط الحدود، ومنع تهريب السلاح، والتعاون مع الدولة اللبنانية بما يحفظ أمن الطرفين. الثاني، الانخراط في صراع داخلي لبناني، أو التحوّل إلى “بيدق” في معركة نزع سلاح حزب الله، وهي مسألة يجب أن تبقى شأناً لبنانيّاً يُعالَج عبر مؤسسات الدولة اللبنانية وبالتوافق بين اللبنانيين، وعبر دفع إسرائيل إلى الانسحاب من أراضيهم المحتلة، لا عبر تدخلات خارجية جديدة.
لقد دفعت سورية، خلال الحقبة الأسدية، ثمناً باهظاً لتداخل أمنها الوطني مع الساحة اللبنانية، وربما يكون أحد أهم دروس تلك التجربة أن النفوذ لا يصبح مكسباً لمجرّد القدرة على ممارسته، بل عندما تكون كلفته أقل من عوائده. واليوم، وبينما تحاول سورية إعادة بناء من دمّرته حروب الوكالة التي خيضت على أرضها، إنعاش اقتصادها، واستعادة موقعها العربي ودورها الإقليمي، فإن أكبر خطأ يمكن أن تقع فيه السماح بتحوّلها “وكيلاً محلياً” خدمة لمصالح أجنبية، أو أداة لتصفية حسابات إقليمية ودولية لا تعنيها. سورية أكبر من هذا، وتاريخها يبوح بذلك. ويتوقف نجاح الدولة السورية الجديدة، إلى حد كبير، على قدرتها على ترسيخ مبدأ بسيط، أن أمن سورية يبدأ داخل حدودها، لا خارجها، وأن دورها الإقليمي ينبغي أن يُبنى على استقرارها الداخلي وتماسكها المجتمعي، لا على الانخراط في صراعات خارجية، وبأجندات لا تخدم صميم المصلحة السورية.
- العربي الجديد






















