عادت خلال الأيام الأخيرة التسريبات والتصريحات المتعلقة بمستقبل “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) و”الإدارة الذاتية” إلى واجهة المشهد السوري، بعد تداول معلومات منسوبة إلى مصادر حكومية سورية وأخرى كردية تحدثت عن قرب إعلان حلّ “قسد” و”الإدارة الذاتية”، في إطار استكمال تنفيذ اتفاق الاندماج الموقع بين الرئيس السوري أحمد الشرع وقائد “قسد” مظلوم عبدي في أواخر يناير/ كانون الثاني الماضي. وفي مقابل هذه التسريبات، لا يزال الغموض يحيط بما إذا كان الحلّ المُرتقب سيكون نهاية فعلية للتشكيل العسكري والإداري الذي حكم شمال شرقي سورية طوال أكثر من عقد، أو أنه سيكون إعادة تنظيم قانونية وإدارية مع احتفاظ القوى الكردية بنفوذها السياسي والأمني ضمن مؤسسات الدولة.
في المقابل، لا تؤكد الجهات السياسية المرتبطة بـ”قسد” وجود قرار مستقل بحل القوات، بل تربط ما يجري بالكامل بمسار الاندماج مع مؤسسات الدولة السورية. ويقول ممثل “مجلس سوريا الديمقراطية” (مسد) في دمشق، عبد الوهاب خليل، لـ”العربي الجديد”، إن ما يُتداوَل بشأن حلّ “قسد” ينبغي فهمه في سياق إعادة الهيكلة الطبيعية التي ترافق عمليات الدمج العسكري والإداري، وليس باعتباره تطوراً منفصلاً أو تراجعاً عن الاتفاق.
مسار تنفيذ الاتفاق قطع شوطاً ملموساً مقارنة بالأشهر الأولى التي تلته، إلا أن الملفات الأكثر حساسية لم تُحسم بعد
اندماج غير مكتمل
وتشير المعطيات الواردة في التصريحات والتقارير المختلفة إلى أن مسار تنفيذ الاتفاق قطع شوطاً ملموساً مقارنة بالأشهر الأولى التي تلته، إلا أن الملفات الأكثر حساسية لم تُحسم بعد، الأمر الذي يجعل مستقبل العلاقة بين الحكومة السورية و”قسد” مفتوحاً على أكثر من احتمال.
ومنذ وقف العمليات العسكرية، بدأت خطوات عملية بين الجانبين شملت الإفراج عن معتقلين، وعودة جزء من المهجرين، ودمج مؤسسات إدارية، وتسلم الحكومة السورية عدداً من المرافق والحواجز، إلى جانب دمج آلاف المقاتلين والعناصر الأمنية ضمن وزارتي الدفاع والداخلية. كذلك بدأت الدولة بتولي إدارة قطاعات ومؤسسات كانت خاضعة للإدارة الذاتية، فيما أُطلقت إجراءات لدمج المؤسسات التعليمية ضمن المنظومة الرسمية للدولة.
وفي السياق ذاته، أكدت تصريحات مسؤولين في وزارة الدفاع السورية أن أغلب المقاتلين المنضوين سابقاً في “قسد” أصبحوا ضمن ألوية الجيش السوري، وأن المقرّات العسكرية داخل المدن سُلِّمَت للجهات المدنية، مع التأكيد أن المرحلة المقبلة ستشهد تعزيز مؤسسات الدولة وإنهاء المظاهر العسكرية داخل المدن.
لكن هذا التقدّم لا يعني، وفق متابعين، أن عملية الاندماج اكتملت. إذ لا تزال مناطق واسعة تُدار بصورة مزدوجة، حيث تتقاسم الحكومة و”قسد” إدارة المؤسسات والنقاط الأمنية، بينما تحتفظ الأخيرة بنفوذها الفعلي في أجزاء مهمة من الحسكة والقامشلي وبعض البلدات الحدودية، وهو ما يعكس استمرار مرحلة انتقالية أكثر من كونه انتقالاً كاملاً للسلطة.
يتقاطع هذا الطرح مع ما يعلنه (مسد)، الذراع السياسية لـ”قسد”، إذ يؤكد عبد الوهاب خليل في حديثه لـ”العربي الجديد”، أن إعادة هيكلة التشكيلات العسكرية والأمنية، بما في ذلك تغيير الأطر التنظيمية أو حل بعض التشكيلات، تمثل جزءاً طبيعياً من عملية الدمج الجارية مع مؤسسات الدولة. ويشير إلى أن خطوات عملية أُنجزت بالفعل، سواء من خلال دمج وحدات عسكرية ضمن وزارة الدفاع أو نقل تشكيلات أمنية إلى المؤسسات الرسمية، معتبراً أن الهدف النهائي يتمثل بتوحيد السلاح والقرار الأمني والعسكري ضمن مؤسسات الدولة، بما يعزز الاستقرار.
عقدٌ ما زالت تعيق الإعلان
رغم الحديث المتكرر عن قرب إعلان حلّ “قسد”، تكشف مصادر لـ”العربي الجديد”، أن عدداً من الملفات الجوهرية لا يزال معلّقاً، وفي مقدمتها استكمال التعيينات الإدارية في الحسكة، وعودة المهجرين إلى تل أبيض ورأس العين، إضافة إلى التفاهم النهائي بشأن بعض الترتيبات العسكرية والأمنية. وتشير مصادر مقربة من الحكومة إلى أن هذه الملفات هي التي تؤخر عقد المؤتمر الصحافي الذي يُفترض أن يعلن خلاله الحل الرسمي.
كذلك تظهر خلافات أخرى تتعلق بمستقبل “وحدات حماية المرأة”، وآلية دمجها ضمن مؤسسات الدولة، فضلاً عن استمرار التباين بشأن قضايا تعليم اللغة الكردية وبعض الصلاحيات الإدارية المحلية، وهي ملفات تشير إلى أن الاتفاق السياسي لم يتحوّل بعد إلى تسوية نهائية لجميع القضايا الخلافية.
وفي مقابل التصريحات الرسمية التي تتحدث عن تقدم مستمر في تنفيذ الاتفاق، برزت آراء أكثر تشككاً في اكتمال عملية الاندماج. ويرى الباحث السياسي الكردي علي تمي، في حديث مع “العربي الجديد”، أن الخطوات التي جرت حتى الآن تبقى شكلية، معتبراً أن “قسد” لم تُسلّم السلاح الثقيل، ولم تسلّم مؤسسات الدولة بصورة كاملة، ولذلك فإن القضايا الأساسية لا تزال عالقة، ويرجح أن يبقى احتمال المواجهة العسكرية قائماً إذا تعثر الاتفاق. ويربط أيضاً بين هذا التقدير والاحتجاجات الأخيرة التي شهدتها محافظة الحسكة، معتبراً أنها شكّلت رسالة ضغط على “قسد”.
من الملفات المعلّقة، استكمال التعيينات الإدارية في الحسكة، وعودة المهجرين إلى تل أبيض ورأس العين، والتفاهم النهائي بشأن بعض الترتيبات العسكرية والأمنية
يذكر أن محافظة الحسكة شهدت خلال الأسابيع الماضية سلسلة احتجاجات متزامنة، اتخذت مسارين: الأول ذو طابع اقتصادي، والثاني ذو طابع سياسي وعشائري، رفضاً للكيفية التي يجري بها تنفيذ الاتفاق الذي ينظم عملية دمج مؤسسات “الإدارة الذاتية” الكردية والقوات العسكرية ضمن مؤسسات الدولة. ورأى معترضون من عشائر عربية أن الاتفاق منح “قسد” دوراً أساسياً في رسم مستقبل المحافظة من دون إشراك بقية المكونات بصورة كافية.
في المقابل، يرى الصحافي يوسف الخلف، في حديث مع “العربي الجديد”، أن الاتفاق حقّق تقدماً حقيقياً، لكنه يقر بوجود ازدواجية في الإدارة، ويعتبر أن تسلم الدولة المزيد من الحواجز والمؤسسات يمثل بداية لاستعادة سلطتها تدريجياً على المحافظة، وليس نهاية العملية.
وتقدم تقارير أخرى قراءة وسطية تعتبر أن إعلان حل “قسد” سيكون في معظمه خطوة تنظيمية وقانونية، بينما ستستمر القيادات الحالية في لعب دور سياسي وإداري داخل مؤسسات الدولة أو ضمن أطر سياسية جديدة، بما يعني أن النفوذ لن يختفي، بل سيتغير شكله.
الحل نهايةً لـ”قسد”
في الواقع، لا تدعم المعطيات القائمة فرضية اختفاء “قسد” بالكامل، بل تشير إلى احتمال انتقالها من كيان عسكري وإداري مستقل إلى مكونات مندمجة داخل مؤسسات الدولة السورية. وتؤكد المصادر الكردية لـ”العربي الجديد”، أن إعلان الحل مرتبط بنجاح الاندماج وضمان الحقوق الدستورية للأكراد، وأن الهدف ليس إنهاء دور القوى الكردية، بل إعادة تنظيمه ضمن مؤسسات الدولة، مع استمرار أبناء المنطقة في إدارة شؤونها المحلية والخدمية والأمنية. وتشدد على أن خيار الحرب غير مطروح لدى الطرفين، وأنهما ماضيان في تنفيذ الاتفاق رغم محاولات زعزعة الاستقرار.
في المقابل، تشير بعض التحليلات إلى أن القوات العسكرية ستبقى موجودة، ولكن تحت مسميات رسمية جديدة داخل الجيش ووزارة الداخلية، وأن كثيراً من الشخصيات الإدارية التي كانت تدير مؤسسات “الإدارة الذاتية” ستستمر في مواقعها بعد إعادة هيكلة المؤسسات، ما يعني أن التغيير سيكون مؤسسياً أكثر منه تغييراً في موازين القوى المحلية.
ويبدو أن هذه النقطة تمثل جوهر الخلاف في تفسير ما يجري. فبينما تتحدث بعض التسريبات عن “حلّ قسد”، تفضّل الجهات السياسية المرتبطة بها وصف العملية بأنها إعادة تنظيم ناتجة من الاندماج مع مؤسسات الدولة. ويؤكد عبد الوهاب خليل في هذا السياق، أن أي تغيير في البنية التنظيمية، بما في ذلك حل بعض التشكيلات، لا ينبغي النظر إليه باعتباره حدثاً منفصلاً، بل جزءاً من عملية إعادة بناء المؤسسات العسكرية والأمنية السورية على أسس موحدة، مع بقاء التفاصيل النهائية رهن الاتفاقات والآليات التنفيذية بين الطرفين.
وتزامن الحديث عن قرب إعلان الحل مع احتجاجات الحسكة، التي طالبت بتوسيع سيطرة الدولة وإنهاء وجود “قسد” و”الشبيبة الثورية”، إلى جانب المطالب الخدمية. وبينما يرى بعض المحللين أن هذه الاحتجاجات شكلت ضغطاً إضافياً للإسراع في تنفيذ الاتفاق، يعتقد آخرون أنها تعكس استمرار حالة الانقسام داخل المحافظة، وأن أي تسوية لن تكون مستقرة ما لم تعالج الجوانب الأمنية والخدمية والسياسية معاً.
واستناداً إلى ما سبق، تبدو ثلاثة سيناريوهات رئيسية هي الأكثر ترجيحاً: الأول يتمثل باستمرار تنفيذ الاتفاق، وصولاً إلى إعلان رسمي بحل “قسد” و”الإدارة الذاتية” بعد استكمال الملفات العالقة، مع انتقال معظم القوات والمؤسسات إلى إطار الدولة السورية، وهو السيناريو الذي تدعمه التصريحات الحكومية والكردية المتفائلة.
ترى بعض التحليلات أن التغيير سيكون مؤسسياً أكثر منه تغييراً في موازين القوى المحلية
أما السيناريو الثاني، فيقوم على إعلان شكلي للحل، يقابله استمرار النفوذ السياسي والإداري للقوى الكردية داخل المؤسسات الجديدة، بحيث يتغير الشكل القانوني من دون تبدل جذري في موازين القوى المحلية، وهو ما تذهب إليه بعض التحليلات. ويبقى السيناريو الثالث أقل ترجيحاً وفق معظم المصادر، ويتمثل بتعثر تنفيذ الاتفاق بسبب الملفات العالقة أو تصاعد التوترات المحلية، بما قد يعيد احتمالات المواجهة أو يؤجل الحسم إلى مرحلة لاحقة.
وتشير الوقائع الحالية إلى أن العلاقة بين الحكومة السورية و”قسد” تجاوزت مرحلة المواجهة العسكرية المفتوحة إلى مرحلة تفاوض وتنفيذ تدريجي لاتفاق الاندماج. كذلك تدل مؤشرات عملية عديدة على إحراز تقدم في دمج المؤسسات والقوات، غير أن الملفات السياسية والأمنية الأكثر حساسية لم تُغلق بعد. والحديث عن “حلّ قسد” لا يعني بالضرورة اختفاءها بصورة كاملة، بقدر ما يعكس انتقالها إلى مرحلة جديدة من إعادة الهيكلة والاندماج ضمن مؤسسات الدولة السورية.
- العربي الجديد

























