حين سُئل الرئيس السوريّ أحمد الشرع قبل أيّام عن مصير اتّفاق العاشر من آذار مع “قوّات سوريا الديمقراطيّة” (قسد)، أقرّ بأنّ تنفيذ الاتّفاق يسير ببطء، لكنّه شدّد في الوقت نفسه على أنّ الاتّفاق لا يزال قائماً. بدا ردّه، للوهلة الأولى، توصيفاً لمسار تفاوضيّ متعثّر، إلّا أنّ معلومات “أساس” تكشف أنّ التأخير لا يرتبط بخلاف على مبدأ الاتّفاق، بل باستكمال الشروط الأخيرة قبل إعلان إحدى أبرز محطّات الاتّفاق مع دمشق: إنهاء البنية الحاليّة لـ”قسد” وإعادة دمجها ضمن مؤسّسات الدولة.
يؤكد مصدر مقرّب من قيادة “قسد” لـ”أساس” أن قرار حلّ القوات قد اتُّخذ بالفعل، لكنه مشروط باستكمال عدد من البنود التي تُعد جزءاً من الاتفاق النهائي مع دمشق.
كما تؤكد مصادر دمشقية لـ”أساس” أن الحكومة السورية تفضّل ألا تعلن هي هذا القرار، بل أن يصدر عن قيادة “قسد” نفسها، حفاظاً على الطابع التوافقي للاتفاق، وتجنباً لإظهاره وكأنه فُرض من جانب الدولة، بما يسهّل تنفيذه ويحدّ من أي اعتراضات داخل صفوف القوات.
يؤكّد مصدر مقرّب من قيادة “قسد” لـ”أساس” أنّ قرار حلّ القوّات قد اتُّخذ بالفعل، لكنّه مشروط باستكمال عدد من البنود التي تُعدّ جزءاً من الاتّفاق النهائيّ مع دمشق
من القطيعة إلى التّفاهم
لم تكن العلاقة بين دمشق و”قسد” سهلة في أيّ مرحلة من مراحل الحرب السوريّة. فمنذ إقامة الإدارة الذاتيّة، تمسّكت “قسد” بإدارة مؤسّساتها المدنيّة والعسكريّة بصورة مستقلّة، بينما أصرّت الدولة السوريّة على أنّ أيّ تسوية مستقبليّة يجب أن تنتهي بعودة جميع المؤسّسات إلى سلطة الدولة.
على مدى سنوات، تعثّرت جولات التفاوض مراراً، سواء بسبب الخلاف على شكل اللامركزيّة أو على مستقبل القوّات العسكريّة أو نتيجة تبدّل موازين القوى الإقليميّة والدوليّة.
لكنّ سقوط النظام السابق أواخر عام 2024 غيّر المشهد السياسيّ بالكامل، ودفع الطرفين إلى فتح مسار تفاوضيّ جديد تُوّج بتوقيع اتّفاق العاشر من آذار بين الرئيس أحمد الشرع وقائد “قسد” مظلوم عبدي، الذي وضع إطاراً عامّاً لدمج المؤسّسات العسكريّة والمدنيّة ضمن مؤسّسات الدولة السوريّة.
شرطان قبل الإعلان
تكشف معلومات “أساس” أنّ الإعلان الرسميّ لحلّ “قسد” لا يزال مرتبطاً بإنجاز ملفّين رئيسَين:
ـ الأوّل، استكمال التعيينات الإداريّة في محافظة الحسكة وأريافها، بما يضمن انتقال المؤسّسات المدنيّة إلى الإدارة الجديدة بصورة تدريجيّة ومنظّمة.
ـ أمّا الثاني فيتمثّل في عودة المهجّرين الأكراد إلى تل أبيض ورأس العين، وهو الشرط الذي تتمسّك به “قسد”، في إطار الضمانات السياسيّة والإنسانيّة المرتبطة بالاتّفاق.
على مدى سنوات، تعثّرت جولات التفاوض مراراً، سواء بسبب الخلاف على شكل اللامركزيّة أو على مستقبل القوّات العسكريّة أو نتيجة تبدّل موازين القوى الإقليميّة والدوليّة
التّنفيذ سبق الإعلان
على الرغم من غياب الإعلان السياسيّ، تشير معلومات “أساس” إلى أنّ أجزاءً من الاتّفاق دخلت بالفعل مرحلة التنفيذ. فقد تمّ دمج نحو تسعة آلاف عنصر من قوّات “الأسايش” (جهاز الشرطة والأمن الداخليّ التابع للإدارة الذاتيّة لشماليّ وشرقيّ سوريا) ضمن المؤسّسات الأمنيّة الجديدة، وبدأت إعادة هيكلة قوّات “قسد” ضمن ثلاثة ألوية، يجري التحضير لدمجها تدريجاً داخل المؤسّسة العسكريّة السوريّة، في إطار إعادة تنظيم القوّات المسلّحة على مستوى البلاد.
في هذا السياق، قال مدير الإعلام والاتّصال في المنطقة الشرقيّة بوزارة الدفاع السوريّة، هلزوار إسماعيل، إنّ المقاتلين المنضوين ضمن “قسد”، من عرب وأكراد وسريان وآشوريّين، يجري دمجهم ضمن ألوية الجيش السوريّ، مع استمرار عمليّات الانضمام.
يشير ذلك إلى أنّ الاتّفاق تجاوز مرحلة التفاهمات النظريّة، ودخل عمليّاً مرحلة التنفيذ، فيما يبقى الإعلان السياسيّ مؤجّلاً إلى حين استكمال الشروط المتّفق عليها.
ما بعد حلّ “قسد”
حتّى بعد الإعلان الرسميّ، لن يكون الملفّ قد انتهى بالكامل. فتأهيل المقاتلين علميّاً وعسكريّاً داخل الثكنات، وإعادة تنظيم المؤسّسات الأمنيّة، واستكمال بناء الإدارة الجديدة في شرق الفرات، كلّها خطوات ستستغرق وقتاً قبل الوصول إلى صيغتها النهائيّة.
لكنّ المؤكّد أنّ مسار التفاوض تجاوز اليوم مرحلة النقاش في مبدأ حلّ “قسد”، وانتقل إلى تفاصيل التنفيذ. وهذا بحدّ ذاته يمثّل تحوّلاً جوهريّاً في العلاقة بين الطرفين، بعدما كانت المفاوضات خلال السنوات الماضية تدور حول الاعتراف المتبادل وحدود الصلاحيّات.
- أساس ميديا























