ملخص
قالت المسؤولة الأممية كارلا كينتانا، إن “المؤسسة وسعت خلال العام الحالي نطاق تواصلها المباشر مع الأسر، بما في ذلك عائلات لم يسبق التواصل معها، وعملت مع الجاليات السورية في تركيا ولبنان والأردن وألمانيا”.
سجلت المؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين في سوريا، تقدماً لافتاً خلال عام من مباشرة عملها وكللت جهودها بالكشف عن مصير أشخاص فقدوا خلال فترة الحرب، بعد معالجتها أكثر من 75 ألف وثيقة شملت وثائق رسمية وأدلة على مدار عقد ونصف العقد من المعارك التي شهدتها البلاد.
وشهدت المدن السورية وريفها منذ اندلاع شرارة الثورة في عام 2011 وحتى سقوط نظام بشار الأسد، انتهاكات جسيمة وأعمال تصفية ممنهجة وواسعة النطاق منها الاعتقال التعسفي والإخفاء القسري، إضافة إلى القتل خارج نطاق القانون في حين نتج من هذا كله فقدان مئات الآلاف وما زال مصيرهم مجهولاً وغامضاً.
أدلة وأدوات فاعلة
تؤمن كارلا كينتانا الرئيس التنفيذي للمؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين في سوريا، بأنه “من المستحيل تصور الاستقرار أو المصالحة والسلام الدائمين في سوريا من دون معرفة مصير المفقودين“، مؤكدة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة مواصلة المؤسسة بناء نظام شامل يهدف إلى كشف مصير جميع المفقودين، وتحديد أماكن وجودهم إلى جانب تقديم الدعم لعائلاتهم.
ومكنت المعلومات المؤسسة من ربط الأدلة وتحديد أنماط الاختفاء والبدء في تزويد العائلات بإجابات تدريجية حول مصير أحبائها، في وقت وسّعت المؤسسة الأممية نطاق عملها ليشمل المختفين في ظل النظام السابق والأطفال المفقودين، وحالات الاختفاء المرتبطة بتنظيم “داعش” والجماعات المسلحة الأخرى، إضافة إلى الأشخاص الذين فقدوا خلال رحلات الهجرة وطلب اللجوء. وتشمل حالات الاختفاء أيضاً هؤلاء المفقودين منذ ديسمبر (كانون الأول) عام 2024 وهو تاريخ سقوط نظام الأسد ووصول سلطات جديدة.
وفي وقت تعمل الجهات المعنية بالمفقودين على البدء تدريجاً في تسجيل المفقودين خارج البلاد، تؤكد كينتانا “أهمية تبادل المعلومات إذ تمثل أحد أهم عناصر نجاح عمليات البحث، وربطت نجاح جهود البحث وكشف مصير المفقودين وأماكن وجودهم بكونها نموذجاً يحتذى به على مستوى العالم”.
عائلات المفقودين
ولعبت الجهود الأممية عبر المؤسسة المستقلة خلال الفترة الماضية دوراً مهماً بالتفاعل والشراكة الوثيقة مع عائلات المفقودين، ولم تخفِ التحدي الكبير بالوصول إلى تلك العائلات داخل سوريا وخارجها.
وهنا قالت كارلا كينتانا، إن “المؤسسة وسعت خلال العام الحالي نطاق تواصلها المباشر مع الأسر، بما في ذلك عائلات لم يسبق التواصل معها، وعملت مع الجاليات السورية في تركيا ولبنان والأردن وألمانيا”.
وكانت نقابة المحامين في سوريا أعلنت في وقت سابق من مايو (أيار) الماضي عن تشكيل لجنة قانونية متخصصة لمتابعة ملف المفقودين وتمثيل أهالي الضحايا والمتضررين بموجب توكيل رسمي مجاني. وجاء في بيان خاص “حق معرفة الحقيقة في شأن مصير المفقودين وظروف فقدانهم هو حق أصيل للأسر، وحق جماعي للمجتمع، ويعد ركناً أساسياً من ركائز العدالة الانتقالية والمساءلة وجبر الضرر، وتحقيق السلم الأهلي”.
من جانبها، تؤكد رئيسة رابطة عائلات قيصر، ياسمين المشعان، أن قضية الأدلة والمقابر الجماعية تعرضت للإهمال والعشوائية، قائلة “الملفات ملقاة على الأرض في مقار الوحدات الأمنية والسجون والمعتقلات إثر عملية التحرير، كذلك زاد حرق بعض الأدلة مأساة أهالي المعتقلين، في حين تعهدت السلطات الجديدة ببذل كل الجهود والاهتمام بهذا الملف وجعله أولوية”.
وأضافت المشعان في حديثها لـ “اندبندنت عربية”، “نثق في المؤسسة الأممية وبمشاركتها لكشف مصير المفقودين، لأنها كيان إنساني بالكامل”، مؤكدة “أهمية الشراكة والتنسيق مع المنظمات الأممية والإنسانية الوطنية باعتباره أمراً مهماً، كذلك المؤسسة الأممية معنية بكشف المفقودين وتدريب وتأهيل كوادر سورية ومن ثم التحول إلى مؤسسة وطنية وتشكيل أرشيف سوري، والمهم خلق مراكز توثيق وذاكرة، ولعل الأكثر أهمية أيضاً أن نعمل على عدم تكرار الجريمة”.
البحث جارٍ
إلى ذلك، تأسست الهيئة الوطنية للمفقودين، وهي هيئة مستقلة تتابع ملف المفقودين والمختفين قسراً في سوريا بعد إنشائها بمرسوم رقم 15 من العام 2025 إذ تعمل على جمع المعلومات والبيانات والتحقق منها في وقت تشير تقديرات المنظمات الأممية إلى ما بين 130 إلى 300 ألف شخص مفقود.
وضاقت عائلات المفقودين ذرعاً خلال الفترة الماضية مع الفوضى الحاصلة بعد التحرير وحل الأجهزة الأمنية وهرب السجانين والمسؤولين عن عمليات الاعتقال، إذ تقول كينتانا، “كل أسرة سورية تقريباً تعرف شخصاً مفقوداً”.
ولم تبدأ الهيئة الوطنية للمفقودين بعد تسجيل حالات المفقودين داخل سوريا بينما باشرت المؤسسة المستقلة استقبال وتسجيل بلاغات عائلات المقيمين في الخارج تمهيداً لتبادل البيانات مع الهيئة الوطنية بموافقة الأسر بعد بدء عملية التسجيل داخل البلاد.
وتعمل الهيئات الرسمية بالتشارك مع المؤسسة الأممية على إعداد خرائط لمئات المقابر الجماعية وتطوير آليات تبادل المعلومات وتحليلها بما فيها تحديد مواقع المقابر الجماعية المكتشفة بعد سقوط الأسد في أواخر عام 2024.
ورافقت “اندبندنت عربية” عدداً من البعثات المختصة التي كشفت عن مقابر جماعية في ريف العاصمة دمشق ومن بينها في منطقة القطيفة، حيث يقدر مقتل أكثر من 100 ألف شخص بشكل ممنهج.
وقالت أم عمار والدة أحد المفقودين خلال اكتشاف مقبرة جماعية، “لقد قتل ابني مع أولاده الأربعة أثناء خروجهم من حصار الغوطة، لقد فروا من التضييق عليهم من قبل عصابات موالية للأسد، وأثناء سيرهم ليلاً مع الكثير من العائلات كانت الفصائل الموالية للنظام السابق قد فخخت المكان وقتلت الجميع”.
أما في حي المرجة الذي يتوسط مدينة دمشق، انتشرت صور لمفقودين بعد تحرير دمشق وفتح أبواب السجون وتفريغ المعتقلات، إذ لم يجد الأهالي سبيلاً سوى تعليق صورهم وافتراش الأرض على أمل الحصول على أي معلومة تخص أبناءهم.
وربما لن يكون هناك ملخص لحال أهالي المفقودين أكثر مما قاله رجل مسن، “قدمت من دير الزور وبحثت في كل المعتقلات، وما زلت أبحث عن أي خبر لابني… من الصعب أن تفقد روحاً ما زالت معلقة بين السماء والأرض”.
- إندبندنت






















