ظاهرة انتشار في سورية
في السياق، يشير الباحث في الشؤون الأمنية والعسكرية رشيد حوراني في حديثٍ لـ”العربي الجديد”، إلى أن انتشار السلاح تحوّل إلى ظاهرة سلبية من ظواهر تسليح الثورة السورية وعسكرتها، مبيناً أن المجموعات والفصائل تشكل وفق اعتبارات عدة منها مناطقية وأخرى دينية وكذلك اعتبارات عشائرية. ويلفت إلى أن هذا الأمر قاد إلى انهيار في المؤسسات القانونية والأمنية، ودفع الأفراد في المجتمع إلى التسلح لحماية أنفسهم وممتلكاتهم، وانسحب الأمر إلى ما بعد سقوط نظام الأسد، والدخول بمرحلة هيكلة المؤسسات الأمنية والقضائية وتوحيد البلاد.
رشيد حوراني: تستطيع الدولة جمع السلاح المنتشر من خلال إصدار قانون يحدد بموجبه معايير حمل السلاح ونوعيته
ونتيجة غياب الردع الكافي، كما هو الحال في الأجهزة الأمنية في الدول المستقرة، يرى حوراني أن قضايا تحصيل الحقوق بشكل ذاتي ظهرت وترافقت في الاعتداء على الحواجز، لشعور المواطن بعدم وصول الأجهزة الأمنية إلى مستوى يمكنها من فرض الأمن. لكن في المقابل يعتبر حوراني أن هذه الظاهرة مؤقتة ومتفاوتة، بسبب انشغال الأجهزة المختصة في مهام أخرى، إلى جانب عدم اكتمال هيكليتها الميدانية ووجود فراغات أمينة نتيجة لذلك، ومتفاوتة بين منطقة وأخرى.
وتستطيع الدولة، وفق رؤية حوراني، جمع السلاح المنتشر من خلال إصدار قانون يحدد بموجبه معايير حمل السلاح ونوعيته، كان يسمح للتاجر بحمل السلاح الفردي ويرخص لهذا السلاح ويعرف عنه ببطاقة لصاحبه، ومصادرة كل سلاح غير مرخص قد يضبط مع صاحبه على الحاجز أو في السوق أو أي مكان عام. ويضيف: “يبدو أن الحكومة السورية تقدر أن هناك ضرورة لبقاء السلاح بيد الشعب وتعوّل على وعي الشعب في ضبط هذا السلاح”. ويرى أن هذا السلاح قد لا يعتبر تحدياً، لكون الشعب بات يدرك أن احتكار القوة وأدواتها يكون بيد الدولة فقط، وأن لها صلاحيات عبر مؤسساتها لجمع هذا السلاح، لأنه كان في مرحلة ما ضرورياً، لكنه لم يعد ضرورياً بعد سقوط النظام.
في المقابل، يرى الخبير الأمني عبد الله الأسعد، أن نسبة السلاح المنفلت في سورية انخفضت إلى ما دون 30%. ويشير في حديثٍ لـ”العربي الجديد”، إلى أن السلاح المنفلت لم يعد ظاهراً بشكل كبير. ويضيف: “لا يستطيع من يمتلك هذا السلاح تشكيل عصابات أو مليشيات، والسلاح الموجود لدى البعض سلاح فردي حصل عليه بمجهود فردي وجد للحماية”، موضحاً أن الانفلات بشكله الواسع لم يعد كما في السابق، مع حصول جهد لحصر السلاح بيد الدولة. ويكشف عن إصدار تعليمات وأوامر تفتيش عن السلاح ومعرفة مرجعيته، مؤكداً العمل عليه، وأنه يُعمَل من خلال إدارات التسليح والإمداد على معرفة أرقام الأسلحة خارج مؤسسات الدولة وأين ذهبت وبيد من.
أما الصحافي سامر المقداد، المتحدر من محافظة درعا في جنوب سورية، فيرى في حديثٍ لـ”العربي الجديد”، أن قضية السلاح المنفلت قضية معقدة إلى حد ما، ولها أبعاد متعددة. ويكشف أن مصادر هذا السلاح تعود للثكنات العسكرية في المحافظة، قبل سقوط نظام الأسد، إلى جانب سلاح تلقته الفصائل العسكرية بصفة دعم خارجي، مشيراً إلى أن الجزء الذي حصل عليه السكان من ثكنات النظام العسكرية، بين عامي 2011 و2018، أطلقوا عليه تسمية “غنائم”.
وتدفع بعض المخاوف سكان محافظتي القنيطرة ودرعا وفق المقداد إلى الاحتفاظ بهذا السلاح، حيث يعتبرون أنفسهم تحت التهديد الوجودي بسبب المليشيات في السويداء والتهديدات الإسرائيلية. ويعزو السبب إلى وجود اعتقاد أن السلاح بمرحلة ما أو ظرف ما هو للدفاع عن أنفسهم، كما في حال حدوث توغل إسرائيلي، كذلك في ظل المخاوف من المليشيات التي تمتلك السلاح في السويداء. ويضيف: “إن تراكم الخلل الأمني وحالة الخوف لمدة 14 عاماً، والخلافات العشائرية، وكذلك الاصطفافات بين الجماعات العسكرية، تدفع بظهور هذا السلاح في بعض الأحيان”. ويرى المقداد أن الاحتفاظ بالسلاح يقع تحت استخدام الضرورة وفق الوضع الراهن في درعا والقنيطرة، مع أن جزءاً من السكان عبّروا عن دعم الدولة بتسليم السلاح مع انعدام مبررات الاحتفاظ به بعد سقوط نظام الأسد.
عبد الله الأسعد: الإنفلات بشكله الواسع لم يعد كما في السابق مع حصول جهد لحصر السلاح بيد الدولة
وفي ما يتعلق بخيارات معالجة أزمة السلاح، يتحدث الخبير العسكري مصطفى الشداد لـ”العربي الجديد”، عن أن الأولوية هي لحصر السلاح الفصائلي بيد الدولة فقط، أما السلاح الفردي فيمكن اتخاذ خطوات بتنظيمه وتسجيله وحصره بيد الدولة تدريجياً، مشيراً إلى أن الطلب من السكان بتسليم السلاح لن يكون قابلاً للتنفيذ في حال عدم الثقة بالدولة.
كيف تعاني الأجهزة الأمنية من السلاح المنفلت؟
ويشكل السلاح المنفلت والسلاح غير مضبوط الهوية أزمة تصل انعكاساتها للأجهزة الأمنية، وفق ما يكشف مصدر في الشرطة العسكرية، مشيراً في حديثٍ لـ”العربي الجديد”، إلى أن المشكلة الأولى تكمن في احتفاظ فلول النظام بالأسلحة الفردية، وهذا يتيح لهم استخدام هذا السلاح في هجمات ضد الحواجز الأمنية، وحتى الدوريات، مع تأكيد تعرّض إحدى الدوريات منذ مدة لرشقات نارية وهجوم بعبوة ناسفة في المنطقة الجبلية عند الحدود الإدارية لمحافظتي حمص وطرطوس. ويشير إلى غياب خطوات فعالة لضبط هذا السلاح، مؤكداً أن معظم الدوريات تعمل ضمن مناطق عالية الخطورة نسبياً. ويشير المصدر إلى مشكلة غياب هوية السلاح وحامله، موضحاً أن إشكالات تحدث على الحواجز الأمنية، مع غياب هويات حاملي السلاح من وزارتي الدفاع أو الداخلية. ويقول: “في الوقت الراهن نحن معرضون للاستهداف من قبل مجموعات أُتيح لها حمل السلاح في الـ60 عاماً الماضية، وهذه المجموعات التي عملت ضمن صفوف نظام الأسد لن تتخلى عن السلاح بسهولة وستحافظ عليه لاستهدافنا وضرب الاستقرار”.
- العربي الجديد

























