من أبرز النتائج التي ترتبت على الحرب الأميركية الإيرانية، والتي دار جزء منها حول الطرق التجارية التقليدية مثل مضيق هرمز وباب المندب، أنها سرّعت سباق “الممرات التجارية الجديدة”، وأعادت إحياء مشاريع طرق تتجاوز مضيق هرمز مثل: الممر الهندي الأوروبي، والموانئ السورية والعراقية، وخطوط السكك الإقليمية، ومشاريع البحر الأحمر، وأصبح الحديث يدور عن “عالم يتجاوز هرمز”.
فلم تعد الحرب بين الولايات المتحدة وإيران مجرد مواجهة عسكرية أو أزمة أمنية في الخليج، بل تحولت إلى نقطة تحول في الاقتصاد العالمي، بعدما كشفت هشاشة الاعتماد على مضيق هرمز بوصفه أحد أهم شرايين الطاقة والتجارة الدولية.
فإغلاق المضيق عدة مرات ولأشهر، وتعطل وتكدس حركة السفن (600 ناقلة وحاوية) وارتفاع تكاليف التأمين والشحن، دفع الحكومات والشركات إلى تسريع البحث عن بدائل، وأدى إلى تحول مشاريع النقل التي بقيت حبيسة الدراسات لسنوات “أولوية استراتيجية”.
قبل الحرب، كان الحديث عن الممرات التجارية الجديدة يدور في إطار الأفكار والمنافسة الجيوسياسية بين الولايات المتحدة والصين، لكن جاءت الأزمة الأخيرة لتمنح هذه المشاريع زخماً كبيراً، لأن مسألة تنويع طرق التجارة باتت قضية أمن قومي واقتصادي بالنسبة لدول المنطقة والقوى الكبرى على حد سواء.
“هرمز” عنق الزجاجة الذي غير الحسابات
يمر عبر مضيق هرمز نحو خُمس تجارة النفط العالمية، إضافة إلى كميات ضخمة من الغاز الطبيعي المسال، ما جعله طوال عقود أهم ممر للطاقة في العالم، لكن الحرب الأخيرة أثبتت أن الاعتماد المفرط على هذا الممر يمثل مخاطرة استراتيجية، بعدما تعطلت حركة السفن، وارتفعت تكاليف التأمين، واضطرت شركات الطاقة إلى إعادة جدولة صادراتها والبحث عن منافذ بديلة.
كلّ ذلك جعل البحث يدور عن “عالم يتجاوز هرمز” لأنّ الضرر لم يقتصر على الدول الخليجية المصدرة للنفط، بل امتد إلى الأسواق العالمية التي واجهت اضطراباً في الإمدادات وارتفاعاً في تكاليف النقل، الأمر الذي دفع العديد من الحكومات إلى إعادة النظر في استراتيجياتها اللوجستية.
ولا يعني هذا بالضرورة التخلي كلياً عن هرمز فبه تمر الكابلات البحرية التي “تُشكل نقطة ضعف للاقتصاد الرقمي في المنطقة” ومن الصعب إبدال مسارها.
حيث تمر عبر الكابلات البحرية 99 % من حركة بيانات الإنترنت العالمية، ويمر عبر قاع مضيق هرمز نحو 10 إلى 17 كابلاً بحرياً للألياف الضوئية، تنقل حوالي 30 % من البيانات بين آسيا وأوروبا، و90 % من البيانات بين دول الخليج والعالم، وهو ما يجعله شرياناً حيوياً للإنترنت العالمي، ونقطة اختناق استراتيجية للبنية التحتية الرقمية العالمية، بحكم تشكيلها العمود الفقري للبنوك والتحويلات المالية، والحوسبة السحابية، والذكاء الاصطناعي، والاتصالات الدولية، وتداولات الأسواق العالمية.
الممر الهندي – الأوروبي “أولوية”
أعاد التصعيد العسكري إحياء مشروع الممر الاقتصادي الهندي الذي يربط بين الشرق الأوسط وأوروبا (IMEC)، والذي أُعلِنَ عام 2023 بوصفه بديلاً استراتيجياً يربط الهند بأوروبا عبر الإمارات والسعودية والأردن وإسرائيل ثم البحر المتوسط.
وقبل الحرب، كان المشروع يتحرك ببطء بسبب التعقيدات السياسية، لكن المخاطر التي كشفتها أزمة هرمز جعلته أكثر أهمية بالنسبة للولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والهند، باعتباره وسيلة لتقليل الاعتماد على الممرات البحرية التقليدية، وتسريع انتقال البضائع بين آسيا وأوروبا.
والآن يُنظر إلى المشروع باعتباره جزءاً من المنافسة مع مبادرة “الحزام والطريق” الصينية، إذ تسعى واشنطن إلى إنشاء شبكة تجارية بديلة تقلل النفوذ الصيني في طرق التجارة العالمية.
وسيمتد الممر المقترح عبر بحر العرب من الهند إلى الإمارات، ثم يعبر السعودية والأردن وإسرائيل قبل أن يصل إلى أوروبا، ومنها إلى أميركا، وسيشمل المشروع أيضاً كابلاً بحرياً جديداً وبنية تحتية لنقل الطاقة، وفقاً لما ذكرته صحيفة فاينانشال تايمز.
وسيؤدي تسريع هذا المشروع إلى إعادة تشكيل التجارة العالمية من خلال استثمارات واسعة النطاق في الموانئ والسكك الحديدية والكابلات البحرية، وجعل التجارة أرخص وأسرع وأكبر بكثير من خلال شبكة من الممرات الحديدية والبحرية والبنية التحتية، لكنه قد يؤثر على قناة السويس المصرية وينافسها، وفق تقارير غربية.
حيث يتوقع أن يجعل خط السكك الحديدية التجارة بين الهند وأوروبا أسرع بنسبة 40%، وبتكلفة مخفضة بنسبة 30%، بحسب ما قالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين.
إلا أن دراسة صادرة عن مركز “تشاتام هاوس” شككت في الجدوى الاقتصادية للمشروع، بسبب تكاليف التحميل والتفريغ في الموانئ، ورسوم العبور، وضعف بعض البنى التحتية، وتقادم أجزاء من شبكة السكك الحديدية، فضلاً عن تحديات التمويل.
ويرى “المجلس الأطلسي” أن ترامب والغرب وإسرائيل يريدون تدشين هذا الطريق أيضاً ليغنيهم عن هجمات الحوثيين على سفن الشحن في البحر الأحمر مضيق باب المندب، ومواجهة مبادرة الحزام والطريق الصينية، وتقليص نفوذ طهران الإقليمي.
موانئ سورية والعراق
من أبرز نتائج الأزمة تسارع الاهتمام بالموانئ السورية والعراقية باعتبارها منفذاً بديلاً لصادرات الطاقة العراقية بعيداً عن الخليج. فخلال الأشهر الماضية، بدأ العراق بالفعل تصدير زيت الوقود عبر ميناء بانياس السوري، ووصلت أولى الشحنات إلى الولايات المتحدة، في خطوة تعكس تحولاً عملياً نحو استخدام البحر المتوسط منفذاً إضافياً للصادرات العراقية.
فقد بدأت الولايات المتحدة لأول مرة استيراد زيت وقود عراقي المنشأ عبر ميناء بانياس السوري على البحر المتوسط، في خطوة تعكس توجه بغداد لتنويع مسارات تصدير منتجاتها النفطية بعيدًا عن الاضطرابات التي شهدها مضيق هرمز، بحيث يُنقل زيت الوقود العراقي بالشاحنات عبر الحدود إلى سورية قبل إعادة تحميله على الناقلات البحرية إلى أوروبا وأميركا.
وقد أكد مسؤولون عراقيون وسوريون أن بغداد تعتزم مواصلة استخدام الممر السوري حتى بعد عودة الملاحة في هرمز إلى طبيعتها، باعتباره جزءًا من سياسة حكومية لتنويع منافذ التصدير وتعزيز أمن الإمدادات.
وبدأ التعاون النفطي بين بغداد ودمشق عملياً في إبريل الماضي، عقب توقيع شركة تسويق النفط العراقية “سومو” عقوداً لتصدير نحو 650 ألف طن شهرياً من زيت الوقود عبر الأراضي السورية، حيث تُنقل الشحنات بالصهاريج إلى ميناء بانياس لإعادة تصديرها إلى أسواق أوروبا وأفريقيا وأميركا.
كما تتجه بغداد ودمشق إلى توسيع التعاون ليشمل تصدير النفط الخام والنافتا، مع تطوير مرافق ميناء بانياس وزيادة طاقته الاستيعابية، في إطار سياسة عراقية معلنة لتنويع منافذ التصدير وعدم الاعتماد على مسار واحد.
السكك الحديدية ضرورة أمنية
دفعت الحرب أيضاً إلى تسريع مشاريع ربط السكك الحديدية إقليمياً، بعدما أصبحت شبكات النقل البرية وسيلة لتجاوز المخاطر البحرية. ويبرز في هذا السياق مشروع طريق التنمية العراقي، الذي يربط ميناء الفاو الكبير بتركيا ثم أوروبا عبر شبكة سكك حديد وطرق سريعة، إضافة إلى مشاريع الربط السككي بين العراق وإيران، والربط الخليجي، ومشروعات الربط مع الأردن.
ولم تعد هذه المشاريع مجرد أدوات لتنشيط التجارة، بل تحولت إلى جزء من منظومة الأمن الاقتصادي، إذ توفر بدائل لنقل البضائع والطاقة في حال تعطل الممرات البحرية.
موانئ البحر الأحمر
اكتسب البحر الأحمر أيضاً أهمية متزايدة باعتباره أحد أهم البدائل للملاحة الخليجية، رغم التحديات الأمنية التي شهدها هو الآخر خلال السنوات الأخيرة. وقد بدأت دول المنطقة تتسابق على تطوير موانئها ومناطقها اللوجستية، بدءاً من السعودية ومصر، مروراً بالأردن، وصولاً إلى القرن الأفريقي، في محاولة لجذب جزء أكبر من حركة التجارة العالمية.
ويُتوقع أن تشهد السنوات المقبلة استثمارات ضخمة في الموانئ، والمناطق الحرة، والخدمات اللوجستية المرتبطة بالبحر الأحمر، في إطار إعادة توزيع حركة التجارة الدولية.
نهاية عصر “المسار الواحد”
ويبدو أن الدرس الأبرز الذي أفرزته الحرب يتمثل في انتهاء مرحلة الاعتماد على ممر تجاري واحد، فالدول والشركات الكبرى باتت تتبنى مفهوم “تعدد المسارات”، بحيث تمتلك أكثر من طريق لنقل النفط والبضائع، سواء عبر البحر المتوسط، أو البحر الأحمر، أو السكك الحديدية، أو خطوط الأنابيب.
ويعكس هذا التحول تغيراً في فلسفة التجارة العالمية، إذ أصبحت المرونة والاستمرارية أهم من تقليل التكلفة وحدها، بعدما أثبتت الأزمات أن توقف ممر واحد قد يؤدي إلى خسائر اقتصادية هائلة.
ولا تعني المنافسة الحالية أن الممرات الجديدة ستحل محل مضيق هرمز، فالأخير سيظل أحد أهم شرايين الطاقة العالمية، لكن الحرب أعادت رسم خريطة نقل عالمية جديدة، ودفعت دول المنطقة إلى إعادة تموضعها ضمن هذه الخريطة الجديدة للتجارة الدولية.
- العربي الجديد
























