في خطوة نادرة تتّسم بقدر كبير من الشجاعة السياسيّة والأخلاقيّة، أقدم مارتن غريفيث على ما أحجمت عنه الأمم المتّحدة طوال خمسة عشر عاماً: الاعتراف الصريح بالفشل وتحمّل جزء من المسؤوليّة عنه. ففي مقال نشره قبل أيّام، أقرّ وكيل الأمين العامّ السابق للشؤون الإنسانيّة بأنّ سنوات المأساة السوريّة اقترنت بسنوات موازية من الإخفاق الدوليّ، معترفاً بأنّه كان جزءاً من هذا المسار، وأنّه لا يستطيع، كما قال، “ادّعاء البراءة أمام الشعب السوريّ”. وهو اعتراف يتجاوز المراجعة الشخصيّة ليشكّل إدانة ضمنيّة لأداء المؤسّسة الدوليّة في واحدة من أكثر الأزمات دمويّة في القرن الحادي والعشرين.
لم ينطق غريفيث بكلمة اعتذار، لكنّه قدّم مضمونها. أقرّ بأنّ المسار الذي شارك فيه لم يحمِ المعتقلين أو يوقف القتل أو يدفع رئيس النظام المخلوع بشّار الأسد إلى تقديم تنازل جوهريّ. ووصف استبعاد تغيير النظام منذ بداية الصراع بأنّه “الخطيئة الأصليّة” للمجتمع الدوليّ، الذي راهن على الحوار والضغط الدبلوماسيّ لتعديل سلوك النظام.
الأمم المتّحدة كانت تعرف
تكمن أهميّة كلام غريفيث في كشفه ما كان يقال داخل الاجتماعات الرسميّة. فقد روى أنّه كان يقيم في دمشق سنة 2012 ويجري مفاوضات يوميّة وصفها بـ “العقيمة”. وفي أحد الاجتماعات، طلب منه مسؤول سوريّ إطفاء أجهزة التسجيل ووضع الأقلام جانباً، ثمّ قال له إنّ النظام لن يطلق سراح المعتقلين، ولن يعترف أصلاً بوجودهم.
تكشف الواقعة أنّ إنكار ملفّ المعتقلين والمختفين كان سياسة واعية أبلغ بها مسؤولو النظام ممثّلي الأمم المتّحدة. كان النظام يعرف أنّ المنظّمة تعرف، ويثق بأنّ هذه المعرفة ستبقى حبيسة الاجتماعات المغلقة.
يدافع غريفيث عن لقاءاته مع الأسد بالقول إنّ العمل الإنسانيّ يفرض مقابلة من يستطيع تسهيل المساعدات أو عرقلتها
في سنة 2022، اقترح غريفيث على الأسد إفراغ المعتقلات، فجاءه الردّ بأنّ السجون أُفرغت، وأنّه لم يعد هناك معتقلون. وبعد الزلزال الذي ضرب سوريا وتركيا في شباط 2023، التقاه ثلاث مرّات لإقناعه باتّخاذ إجراءات وصفها بالبديهيّة لمصلحة السوريّين، قبل أن يقرّ بفشل تلك الجهود.
المشكلة، إذاً، لم تكن نقص المعلومات، وإنّما عجز المنظّمة عن تحويل ما تعرفه إلى موقف مؤثّر. لماذا احتفظت الأمم المتّحدة بما سمعه مسؤولوها في محاضرها، ثمّ واصلت التفاوض كما لو أنّ النظام قابل بتغيير سلوكه؟
المساعدات غطاء للمسايرة الأمميّة
يدافع غريفيث عن لقاءاته مع الأسد بالقول إنّ العمل الإنسانيّ يفرض مقابلة من يستطيع تسهيل المساعدات أو عرقلتها. وهذا مفهوم من حيث المبدأ، لكنّ الضرورة الإنسانيّة تحوّلت مع الوقت إلى غطاء للمسايرة، وصار الحفاظ على قنوات الاتّصال والوصول الجزئيّ هدفاً مستقلّاً، حتّى عندما استخدم النظام المساعدات أداة للضغط والعقاب.

استخدمت الأمم المتّحدة مراراً لغة تقنيّة مخفّفة، فتحدّثت عن “صعوبات الوصول” و”العوائق الإداريّة” و”غياب الموافقات”، بدلاً من تسمية الجهة التي صنعت تلك العوائق. وتحوّلت إدارة المساعدات، في مراحل كثيرة، إلى علاقة تفاوضيّة طويلة مع السلطة المسؤولة عن جانب أساسيّ من الكارثة.
لا تكتمل مراجعة هذا النهج من دون فتح ملفّ المساعدات نفسها: كيف تمّ اختيار الشركاء المحلّيّين؟ وأين ذهبت أموال المانحين؟ وما التنازلات التي قدّمتها الوكالات مقابل استمرار عملها من دمشق؟ فقد أتاح تحكّم النظام آنذاك بالتراخيص والتسجيل وقوائم المستفيدين فرض مؤسّسات وشركاء يعملون ضمن حدوده السياسيّة والأمنيّة، فيما بقيت مناطق واسعة محرومة أو خاضعة لوصول متقطّع.
لا تعفي الأمم المتّحدة من مواجهة ماضيها. فالعدالة الانتقاليّة تفرض عليها أيضاً كشف ما عرفته، وكيف تصرّفت، وما الذي منعها من قول الحقيقة كاملة
المطلوب الآن هو تحقيق مستقلّ يكشف ما إذا كانت آليّات الأمم المتّحدة قد ساهمت، بصورة غير مباشرة، في تعزيز شبكات النظام ومنحه سلطة إضافيّة على توزيع الإغاثة. وقد ظهر ثمن هذا النهج بعد زلزال عام 2023، عندما تأخّرت الاستجابة في شمال غربيّ سوريا، فأقرّ غريفيث بأنّ المنظّمة أخفقت في مساعدة السكّان.
قد يكون من السهل إلقاء كامل المسؤوليّة على مجلس الأمن وشللِه الناتج عن استخدام روسيا والصين حقّ النقض، لكنّ الأمم المتّحدة لا تُختزل في المجلس وحده. فإلى جانبه تقف الأمانة العامّة، المبعوثون الأمميّون، والوكالات الإنسانيّة، ولكلّ منها هامش من المسؤوليّة والدور. صحيح أنّ المنظّمة لم تكن قادرة على فتح السجون أو تجاوز إرادة القوى الكبرى، لكنها كانت تملك ما هو أقلّ كلفة وأكثر أهميّة: تسمية الجهات التي عطّلت الحلول، وكشف حقيقة ما جرى خلف أبواب الاجتماعات المغلقة، وإجراء مراجعة مستقلّة وشفّافة لأدائها، بدلاً من الاكتفاء بإدارة الأزمة من دون مساءلة.
دموع غوتيريش في صيدنايا
بينما فتح غريفيث باب الاعتراف، وصل الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، إلى دمشق قبل أيام، برفقة المعتقل السابق دياب سرية كان المشهد بالغ الرمزيّة: غوتيريش يقف داخل المكان الذي اختصر عجز منظّمته، ويستمع إلى ناجٍ يشرح ما تعرّض له المعتقلون، قبل أن تبدو عليه علامات التأثّر ويذرف الدموع.
في خطوة نادرة تتّسم بقدر كبير من الشجاعة السياسيّة والأخلاقيّة، أقدم مارتن غريفيث على ما أحجمت عنه الأمم المتّحدة طوال خمسة عشر عاماً
كانت دموع غوتيريش إنسانيّة، لكنّها بقيت بلا ترجمة سياسيّة. فقد تحدّث عن وحشيّة الأسد وعن قراره الشخصيّ بعدم زيارته منذ عام 2011، وتجنّب الحديث عن أداء المؤسّسة التي يرأسها في ملفّ المعتقلين والمساعدات والمفاوضات التي وصفها غريفيث بالعقيمة.
اختار الأمين العامّ للأمم المتّحدة التركيز على إعادة الإعمار والعدالة الانتقاليّة. وهي ملفّات ضروريّة، لكنّها لا تعفي الأمم المتّحدة من مواجهة ماضيها. فالعدالة الانتقاليّة تفرض عليها أيضاً كشف ما عرفته، وكيف تصرّفت، وما الذي منعها من قول الحقيقة كاملة.
ليس المطلوب مساواة المنظّمة بالنظام الذي اعتقل وعذّب وقتل، وإنّما تحديد مسؤوليّتها عن التردّد واللغة الملتبسة والقبول بالحدود التي رسمها هذا النظام للعمل الإنسانيّ والسياسيّ. ولا قيمة لاعتذار مؤسّسيّ ما لم يقترن بمراجعة مستقلّة تُنشر نتائجها وتكشف كيف أُديرت المساعدات وأين أخفقت المنظّمة، ووضع ضوابط جديدة تمنع تكرار الفشل في سوريا أو غيرها من بلدان النزاعات.
- أساس ميديا























