بعد دراسة موسعة استمرت ثلاث دقائق بلياليها في أروقة العالم الرقمي، توقفت مطولاً أمام كائن عجيب فرض نفسه علينا كأمر واقع حين نتصفح منصّات التواصل الاجتماعي ؛ كائن أطلقت عليه اسم “المثقف الاسفنجي”.
هذا المخلوق الفريد لا يقرأ ليعرف، ولا ليهضم الأفكار، بل ليمتصها كقطعة اسفنج، ثم يعصرها عند أقرب فرصة في وجه أول ضحية تصادفه. وهو يتميز بقدرة خارقة على التكيّف مع الرياح الفكرية المتغيرة دون أي صراع داخلي، فالأفكار لديه لا تبقى مدة كافية لتتصادم، إنها مجرد زوار عابرين يُعاد تدويرهم مع أول منشور جديد.
ولعل أعجب ما فيه أنه لا يحتاج إلى دراسة أو تعب، فالثقة المفرطة بالنفس لديه تعادل كل شهادات العالم الجامعية، وتتنوع مصادره المعرفية لتلائم زمن الرقمنة والسرعة: مقطع قصير، عنوان صادم، منشور فيسبوك من ثلاث جمل، أو اقتباس لم يفهمه أصلاً لكنه بدا عميقاً بما يكفي لإعادة نشره، فالمهم دائماً أن يبدو المحتوى ثقيلاً وبراقاً.
هذا التنوع يمنحه تحولاً زمنياً مذهلاً؛ ففي الصباح قد تراه يتحدث عن الهيرمينيوطيقا بثقة فيلسوف ألماني، وفي المساء يتحول فجأة إلى خبير بمسارات التاريخ، كأنه كان أحد أعضاء الفريق الذي اخترع العجلة، وعند النقاش، لا يُهزم المثقف الاسفنجي أبداً لأنه لا يثبت على أرض؛ فإذا واجهته بحجة دامغة انتقل فوراً إلى أخرى، وإذا ضغطت عليه بسؤال محرج أعاد تعريف السؤال نفسه، وإذا حاصرته بالمنطق أعلن ببرود أن المنطق مفهوم نسبي يختلف باختلاف الزوايا.
وما يثير الإعجاب حقاً في هذا الكائن أنه لا يكتفي بامتلاك رأي جازم في كل شيء، بل يمتلك أيضاً مراجعة نقدية لرأيه السابق، ثم مراجعة نقدية للمراجعة نفسها، وإذا أخطأ، وهي حالة نادرة جداً يصعب توثيقها، فإنه لا يعترف بالخطأ، بل يعلن بكل وقار أن موقفه قد “تطور”، فالأخطاء عند عامة الناس، أما عنده فهي تحولات فكرية عميقة ومخاض معرفي.
وللمثقف الاسفنجي موهبة أخرى لا تقل أهمية، وهي قدرته المذهلة على اكتشاف الحقيقة فور انتشارها؛ فهو لا يسبق الأحداث عادة، لكنه يبرع في ملاحقتها بعد انتهائها، ثم يشرح لك بثقة كاملة كيف كانت نتائجها واضحة منذ البداية وكيف أنه كان يتوقعها تماماً، رغم أن منشوراته القديمة المخالفة لسبب تقني في الخوارزميات لم تعد متاحة للعرض.
وقد حاول بعض الخبراء التمييز بين المثقف الحقيقي والمثقف الاسفنجي، لكن المهمة لم تكن سهلة على الإطلاق؛ فكلاهما يستخدم المصطلحات نفسها، ويقتبس الأسماء الفلسفية المعقدة ذاتها، ويبدو التشابه بينهما كبيراً من مسافة بعيدة.
غير أن الفرق الجوهري والفاصل يظهر بوضوح عند أول فكرة جديدة تلوح في الأفق، فبينما يتوقف المثقف الحقيقي ليدرسها بغرض الفهم، يسارع المثقف الاسفنجي فوراً إلى تبنيها كعقيدة أو مهاجمتها بعنف فور أن ينتهي من قراءة عنوانها.
وفي ختام هذه الدراسة المجهدة التي استغرقت ثلاث دقائق بلياليها، أستطيع القول إنني خرجت بقناعة راسخة: المثقف الاسفنجي ليس فرداً بعينه، بل هو مرحلة متقدمة من التطور الفكري الحديث الذي فرضته شاشات هواتفنا.
ولا أخفيكم أنني كنت أنوي مواصلة دراسة سلوك هذا الكائن الغريب وتتبع فصائله الرقمية لدقيقتين إضافيتين، لكنني اكتشفت فجأة أثناء كتابة هذه السطور الأخيرة أن بعض أفكاره وطباعه بدأت تلتصق بي؛ لذلك سأغادر الآن فوراً وأطوي الأوراق قبل أن أجد نفسي أشرح لكم في السطر القادم، وبثقة كاملة، لماذا كنت أقصد عكس ما كتبته تماماً في مقدمة هذا المقال.
- الثورة السورية






















