بوجهيه الفتحاوي والحمساوي
ربما أن كلمة انهيار، بدل كلمة أفول، على قسوتها، ومرارتها، أكثر ملاءمة لتوصيف مآلات المشروع الفلسطيني، كما حاولت أن تمثله حركة “فتح”، وكما حاولت أن تمثله حركة “حماس”، أي الحركتين اللتين احتلتا، أو هيمنتا، على الحقل السياسي الفلسطيني، في المنظمة والسلطة، وفيما يخص تقرير الخطوط السياسية والكفاحية له، طوال المرحلة الماضية.
وكانت الأولى، أي “فتح”، قد هيمنت على الحركة الوطنية الفلسطينية، وطبعتها بطابعها، منذ أواسط الستينات، حتى الآن. والثانية، فرضت هيمنتها في الحقل السياسي الفلسطيني، بشكل خاص، منذ فوزها في الانتخابات التشريعية الفلسطينية (2006)، وتاليا منذ سيطرتها بالقوة، وبشكل أحادي، على قطاع غزة، قبل عقدين (2007)، ما خلق واقعا من التنافسية، والخصومة، والاستبعاد المتبادل بين الحركتين، بدلا من علاقات التكاتف والتكامل والشراكة، باعتبارهما ينتميان إلى شعب واحد، ويدافعان عن قضية واحدة، ويناضلان ضد عدو واحد.
ولعل مشكلة الفلسطينيين، باختلاف مشروعاتهم، لا تكمن، فقط، في موازين القوى المختلة لصالح إسرائيل، الاستعمارية والاستيطانية والعنصرية والإبادية، ولا في الخيارات السياسية والكفاحية غير الناجعة، لقياداتهم، إذ هي تكمن، أيضا، في نبذ المراجعة والنقد والمساءلة للتجربة الوطنية المديدة والمريرة والمكلفة، فضلا عن تقديس البديهيات والشعارات، وسيادة العصبيات الفصائلية، وعقلية الإنكار، ورفض تحمل المسؤولية، ما يعني موات السياسة، أو جمودها، وهذا هو واقع الفصائل اليوم، وضمنها “فتح” و”حماس”.
المشكلة أن “حماس”، رغم كل ما حصل، لا تبدي أي مراجعة نقدية لتجربتها، ولخياراتها العسكرية، وللمنطلقات التي أسست عليها “الطوفان”
يمكن التدليل على ذلك في تمترس الحمساويين، أو الفتحاويين، حول قياداتهم، في الموقف السياسي ونقيضه، وفي انتقاد الحمساويين لموقف، أو فعلة، لقيادة “فتح”، والدفاع بشراسة عن ذات الفعل والموقف إذا أتته قيادة “حماس”، وهو ما يفعله الفتحاويون، أيضا.
مثلا، ما الذي يفرق في طبيعة السلطة، وعلاقتها بشعبها، وفي التنسيق الأمني، في الضفة وغزة؟ وماذا بشأن طلب “حماس” هدنة لـ15 أو 20 عاما، وقبولها تسليم السلاح للجنة الإدارية، المنبثقة من مشروع ترمب! ثم كيف اختزلت مطالبها إلى مجرد اعتماد عدة ألوف من الموظفين، وعدم استهداف قيادييها وكوادرها، مقابل تسليم سلاحها، وانسحاب إسرائيل بشكل متدرج إلى الخط الأصفر ثم الخط الأحمر، وصولا لإنفاذ خطة ترمب ذات الـ20 نقطة؟ ثم لماذا كانت ترفض أقل من ذلك قبل عام أو عامين، أي قبل وقوع نكبة غزة، وقبل تحولها إلى أكبر خرابة في العالم، وتحويل سكانها إلى مجرد باحثين عن لقمة عيش، ومورد رزق، وسقف لمأوى، ومرتهنين للمساعدات الخارجية؟
أيضا، أين ذهبت شعارات “حماس”، التي أسست عليها خيارها في “طوفان الأقصى”، كتبييض السجون، وكفّ الانتهاكات الإسرائيلية في القدس، ورفع الحصار عن قطاع غزة، وصولا إلى وقف الاستيطان، ودحر الاحتلال، وكأنما طواها النسيان، أو أطاح بها الزمان؟
المشكلة أن “حماس”، رغم كل ما حصل، لا تبدي أي مراجعة نقدية لتجربتها، ولخياراتها العسكرية، وللمنطلقات التي أسست عليها “الطوفان”، وضمنها ما سمي “وعد الآخرة”، ودعوتها فلسطينيي فلسطين التاريخية والعالم للنهوض لمصارعة إسرائيل، وضمن ذلك دعوة العالمين العربي والإسلامي للمؤازرة، إذ المهم أنها تدعي الانتصار، لمجرد بقاء قيادتها، أو من تبقى منها، في السلطة، وفي صدارة المشهد، ومن دون تحمل أي مسؤولية.
ولعل تلك الحيثية هي التي تفسر حرص قيادة “حماس”، في أي اتفاق، على اعتماد ألوف في سلم الرواتب، والتشبث بما سمي “السلاح الخفيف”، الذي لم يعد له دور في القتال ضد إسرائيل، باعتبار ذلك ضمانة لبقاء قيادة “حماس” في السلطة، إن لم يكن مباشرة، فمداورة.
كل ذلك يحصل مع إغلاق سيرة “حماس”، وإخفاق خياراتها في السلطة والمقاومة، بالتوازي مع انغلاق، أو تفكيك، مشروع الدولة الفلسطينية، في الضفة والقطاع، بتكريس كيان سياسي في قطاع غزة، تحت رعاية دولية، منفصلا عن الضفة الغربية.
ولعل ما تقدم يحمّل “حماس” مسؤولية الانقسام في الجسم الوطني الفلسطيني مرتين، الأولى، لدى طرحها ذاتها، منذ انطلاقتها، كجسم سياسي إسلامي، خارج الجسم الوطني، المتمثل في “منظمة التحرير”، والذي تكرس في تحولها إلى سلطة في غزة (2007)، والثانية بالتداعيات التي فرضتها عملية “طوفان الأقصى”، وضمن ذلك رضوخها لمشروع ترمب، وللجنة الإدارية التي ستفرض، دوليا، كإدارة لقطاع غزة، المنفصل عن السلطة الفلسطينية.
اللافت، أن الفلسطينيين، ورغم أنهم أكثر شعب تعلما وثقافة وتسييسا في المنطقة، فإنهم في الغالب يتعاملون مع قياداتهم كأنهم أنبياء معصومون من الخطأ
أما المشروع الفتحاوي، المتعلق بالدولة الفلسطينية في الضفة والقطاع، فقد أشبعته إسرائيل دفنا، في بنائها المستوطنات، وهيمنتها على القدس، ومصادرتها الأراضي، وبنائها الجدار الفاصل، وإنشائها جيش المستوطنين، ومحوها عددا من المخيمات، وحؤولها دون إقامة دولة فلسطينية، وفي تكريس سيطرتها على حياة الفلسطينيين، إداريا واقتصاديا وأمنيا.
مشكلة المشروع الفتحاوي أنه افتقد، أيضا، إلى روافعه الذاتية، إذ تم تهميش “منظمة التحرير الفلسطينية”، وباتت “فتح” بمثابة حزب للسلطة، وبنت قيادتها أجهزة أمنية وشرطية، أكثر بكثير مما حاولت في مجالات خدمية ومدنية، أي إن القصور الذاتي، وفقدان الأهلية، أسهم مع السياسات الإسرائيلية، في إضعاف وتآكل المشروع الفتحاوي، إذ لم تقم الدولة، وتم إضعاف المنظمة، ما انعكس سلبا على “فتح” ذاتها، التي باتت بمثابة حركة مستهلكة، أو في طور الشيخوخة، ومتفككة، ولم تثبت ذاتها في أية فاعلية إبان حرب الإبادة ضد قطاع غزة، هذا إضافة إلى افتقاد كياني السلطة والمنظمة للشرعية.
على ذلك فإن دعوة الرئيس الفلسطيني، الذي بات له في الرئاسة عقدان من الزمن، أي خمس دورات انتخابية، لتنظيم انتخابات تشريعية، أواخر هذا العام، في محاولة منه لترميم شرعية النظام السياسي الفلسطيني، أتت متأخرة جدا، وهو الذي عمد إلى إلغاء انتخابات كان قد قررها قبل عدة سنوات، لأسباب واهية، باستثناء خشيته من تفكك “فتح”، وانحسار شعبيتها.
وفي العموم فإن تلك الخطوة المتأخرة، على ضرورتها، قاصرة، وتأتي وسط ظروف صعبة، ومعقدة، فتحاويا، وفلسطينيا، وإسرائيليا، سيما بعد أن تم تضييع أو تهميش أو إضعاف المنظمة، والسلطة، و”فتح”، وبحكم سيطرة إسرائيل على كل شيء في الضفة وغزة.
اللافت، أن الفلسطينيين، ورغم أنهم أكثر شعب تعلما وثقافة وتسييسا في المنطقة، فإنهم في الغالب يتعاملون مع قياداتهم كأنهم أنبياء معصومون من الخطأ، أو كأن خياراتهم وشعاراتهم رسمتها الأقدار، أو منزلة من السماء، فهم لم يتعودوا طرح الأسئلة الواجب طرحها حول نجاعة الخيارات السياسية والكفاحية التي انتهجتها قياداتهم، رغم الإخفاقات المتكررة والمكلفة. هكذا لا توجد أسئلة من نوع أين كنا وأين صرنا؟ ومن المسؤول؟ ولماذا؟ وكيف؟ هذا منذ الخروج من الأردن إلى الخروج من لبنان، وصولا إلى نكبة غزة، ويشمل ذلك السؤال عن نجاعة تجربة الكفاح المسلح وتجربة المفاوضة وتجربة الانتفاضة، كما يشمل تجربة بناء المنظمة والسلطة، إذ لا سؤال ولا نقد ولا محاسبة.
أما بخصوص سؤال “ما العمل؟”، فلا جواب له في الظروف والمعطيات الراهنة، للأسف، إذ استهلكت الفصائل الفلسطينية ستة عقود، مليئة بالمعاناة والبطولات والتضحيات، ولم تترك الشعب الفلسطيني في وضعية تمكنه من الإجابة على هكذا سؤال، في المدى المنظور، إذ كان ذلك سيصحّ، وربما سيجدي، قبل خمسة أو أربعة أو ثلاثة عقود.
القصد أن واقع الفلسطينيين، في انقطاع حركتهم الوطنية، كواقعهم بعد النكبة الأولى (1948)، فإذا لم يكن ذلك انهيارا فما هو الانهيار إذن؟
- المجلة






















