لم تكن سوريا تعيش، خلال أكثر من نصف قرن، مجرد استبداد سياسي بالمعنى التقليدي، بل كان اغتيالا ممنهجا لفكرة السياسة نفسها، فالأنظمة السلطوية قد تسمح بهامش من المنافسة أو الاختلاف، أما نظام آل الأسد فقد ذهب إلى ما هو أبعد من ذلك، إذ احتكر السلطة، وأفرغ المجال العام من أي حياة سياسية حقيقية، وحول الدولة إلى منظومة أمنية وعسكرية تدير المجتمع بمنطق الضبط الأمني لا بمنطق المشاركة السياسية.
كان حزب البعث يوصف بأنه «قائد الدولة والمجتمع»، بينما بقي ما يسمى أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية مجرد ديكور يمنح النظام مظهر التعددية دون مضمونها، كانت المجالس تُنتخب، والوزارات تتبدل، والمؤتمرات الحزبية تُعقد، لكن القرار السياسي ظل حبيس الدوائر الأمنية والعسكرية، وهكذا ماتت السياسة، لأن السياسة لا تعيش إلا حيث يوجد تنافس حقيقي على الأفكار والبرامج وتداول فعلي للسلطة.
ولم يكن أخطر ما فعله نظام الأسد أنه صادر السلطة، بل أنه صادر وعي السوريين بالسياسة، فقد نشأت أجيال كاملة لا تعرف الحزب إلا بوصفه ذراعا للسلطة، ولا الانتخابات إلا طقسا شكليا، ومجلس الشعب مؤسسة للتصفيق، والمعارضة جريمة. ومع الزمن، فقد المجتمع ثقته بالعمل السياسي نفسه، وأصبحت السياسة مرادفا للخوف أو النفاق، لا وسيلة لإدارة الاختلاف وصناعة المستقبل. وحين غابت السياسة، لم يبق سوى الأمن والعسكر، فأصبحت الدولة قوية في السيطرة، ضعيفة في التنمية حاضرة في القمع، غائبة عن الإنتاج، قادرة على إخضاع المجتمع، لكنها عاجزة عن إطلاق طاقاته.
صندوق الاقتراع قد يمنح الشرعية، لكنه لا يصنع الدولة إذا كانت المؤسسات هشة، والمجتمع غارقا في الاستقطاب، والثقة بين القوى السياسية معدومة
واليوم، وبعد التحولات التاريخية التي شهدتها سوريا، يعتقد البعض أن سقوط النظام القديم، أو إجراء انتخابات حرة كفيل وحده بإنتاج دولة مدنية ديمقراطية، غير أن هذا التصور يتجاهل حقيقة أثبتتها تجارب كثيرة، وهي أن الديمقراطية ليست نقطة البداية، بل ثمرة مسار طويل من بناء المؤسسات وترسيخ سيادة القانون وإنتاج ثقافة سياسية جديدة، فصندوق الاقتراع قد يمنح الشرعية، لكنه لا يصنع الدولة إذا كانت المؤسسات هشة، والمجتمع غارقا في الاستقطاب، والثقة بين القوى السياسية معدومة. ولهذا فإن الخلاص السياسي في سوريا لا يتحقق بمجرد إسقاط الحاكم، بل بإعادة إحياء السياسة نفسها، بعد أن ظلت لعقود أسيرة الدولة الأمنية.
وأول شروط هذا الخلاص هو ولادة تيار سياسي وطني يتجاوز الاستقطاب الهوياتي، تيار لا يطلب من السوري أن يعرّف نفسه بوصفه سنيا أو علويا، عربيا أو كرديا، مسلما أو مسيحيا، بل بوصفه مواطنا يريد دولة ناجحة. تيار يجعل التنمية والإنتاج والتعليم والإدارة الرشيدة والعدالة وسيادة القانون محور المنافسة السياسية، لأن الدول لا تُبنى بالهويات، وإنما بالكفاءات. لقد دفعت دول عربية كثيرة ثمن اختزال الديمقراطية في صراع الهويات، ففي الجزائر خلال التسعينيات تحولت المنافسة إلى صراع حول الشرعية الدينية، فانتهت إلى حرب أهلية مدمرة، وفي مصر بعد ثورة 2011 ابتلع الاستقطاب بين الإسلاميين وخصومهم النقاش حول الاقتصاد والإصلاح المؤسسي، فعاد الاستبداد بصورة أكثر قسوة. أما تونس، فرغم انطلاقتها الواعدة، فقد استنزفت سنوات في معارك الهوية، بينما كرس العراق ولبنان نموذج المحاصصة الذي جعل الانتخابات تعيد إنتاج الانقسام والفساد بدل أن تصنع التنمية. ولهذا فإن الخطر الذي يواجه سوريا اليوم لا يقتصر على احتمال عودة الدولة الأمنية، بل يشمل أيضا احتمال الانتقال من حكم الحزب الواحد إلى حكم الهوية الواحدة، فالدولة التي تستبدل احتكارا سياسيا باحتكار طائفي أو أيديولوجي لن تكون قد غادرت الاستبداد، بل ستكون قد غيرت لغته فقط، إن الاستبداد لا يرتبط باسم حزب أو جماعة بعينها، وإنما بكل سلطة تدعي امتلاك الحقيقة وحدها وتغلق أبواب المنافسة السياسية.
أما الشرط الثاني، فهو بناء علاقة جديدة بين القوة العسكرية والسياسة المدنية، لقد خرجت سوريا من سنوات صراع طويلة أصبحت فيها المؤسسة العسكرية والأمنية الفاعل الأكثر حضورا في حماية الدولة ومنع انهيارها. ومن الطبيعي أن تظل هذه المؤسسات ركيزة للاستقرار، لكن استقرار الدول لا يكتمل إلا عندما يعود الجيش إلى دوره المهني، وتعود السياسة إلى مؤسساتها المدنية. وليس المقصود إضعاف الجيش، بل العكس تماما، فالجيوش تكون أكثر قوة عندما تنصرف إلى حماية الحدود والدستور، لا إلى إدارة الحياة السياسية، والتجارب الحديثة تثبت أن عسكرة السياسة تُضعف الجيش كما تُضعف الديمقراطية، لأنها تضع المؤسسة العسكرية في قلب الانقسام المجتمعي بدل أن تبقى مظلة وطنية للجميع، وهنا تصبح الضمانات المتبادلة ضرورة لا ترفا، فمؤسسات الدولة تحتاج إلى الاطمئنان بأن الانتقال السياسي لن يتحول إلى مشروع للانتقام، أو لتفكيك الدولة، كما يحتاج المواطن إلى ضمانات بأن الاستقرار لن يكون ذريعة لإحياء أدوات القمع القديمة، فالعدالة الانتقالية ليست ثأرا، بل وسيلة لإغلاق جراح الماضي، وفتح الطريق أمام المستقبل، كما أن التنوع الديني والقومي في سوريا، يمنح هذه المهمة حساسية مضاعفة، فالدولة الجديدة لن تستقر إذا قامت على غلبة هوية على أخرى، بل إذا قامت على مبدأ المواطنة المتساوية، بحيث يشعر الجميع بأن الدولة تحميهم جميعا، ولا تمثل فريقا ضد آخر. ولعل الدرس الأهم الذي ينبغي أن تستوعبه سوريا هو أن المواطن، بعد سنوات من الاصطفاف والتمزق والانهيار الاقتصادي، لم يعد يبحث عن الشعارات الكبرى، بقدر ما يبحث عن حياة طبيعية، فهو يريد مدرسة جيدة لأطفاله، ومستشفى لائقا، وفرصة عمل، وكهرباء مستقرة، وقضاء عادلا، وإدارة تحترم كرامته، لذلك يجب أن تنتقل المنافسة السياسية من ساحات الهوية، إلى ملفات الاقتصاد والاستثمار وإعادة الإعمار والتعليم ومحاربة الفساد، فهذه هي القضايا التي توحد السوريين جميعا، مهما اختلفت انتماءاتهم.
وتؤكد تجارب دول أخرى أن الانتقال من الدولة الأمنية إلى الدولة المدنية ليس مستحيلا، فإسبانيا بعد نهاية حكم فرانكو، لم تبنِ مستقبلها بالانتقام، بل بتوافق وطني واسع وإصلاح تدريجي للمؤسسات، كما نجحت إندونيسيا بعد سقوط سوهارتو في إعادة بناء الحياة السياسية عبر إصلاحات دستورية ومؤسساتية حافظت على وحدة الدولة وفتحت المجال للتنافس الديمقراطي، وهذه التجارب لا تنسخ حرفيا، لكنها تؤكد أن نجاح الانتقال يحتاج إلى رؤية وطنية تتجاوز منطق الغالب والمغلوب.
إن سوريا الجديدة بحاجة إلى إعادة تعريف السياسة نفسها، فالسياسة ليست إدارة للصراعات الطائفية، ولا توزيعا للمناصب بين الجماعات، ولا استمرارا لحكم العسكر بوسائل مدنية، بل هي منافسة على تحسين حياة الناس، ومعيار النجاح يجب أن يصبح: من يعيد بناء الاقتصاد؟ من يصلح التعليم؟ من يحارب الفساد؟ من يعيد ثقة المواطن بمؤسسات الدولة؟ ومن يحقق العدالة من دون انتقام؟ وعندما يصبح هذا هو موضوع التنافس، تتحول الانتخابات من معركة هويات إلى منافسة حضارية على صناعة المستقبل، ويتحول المواطن من تابع يبحث عن حماية جماعته إلى شريك يبحث عن دولة تحمي حقوقه.
لقد انتهت مرحلة كانت فيها سوريا جمهورية أمن، لكن بناء جمهورية السياسة لا يزال المهمة الأصعب، فأخطر ما يمكن أن يحدث أن تتغير الوجوه بينما تبقى قواعد الحكم كما هي، أو أن يسقط حزب مهيمن ليولد احتكار جديد باسم الدين أو الطائفة أو الأغلبية، فالتاريخ يعلمنا أن الاستبداد لا يموت بتغيير الشعارات، وإنما ببناء مؤسسات تجعل احتكاره مستحيلا. الخلاص السياسي الحقيقي يبدأ عندما تصبح الدولة أقوى بمؤسساتها من أجهزتها، وأقوى بقانونها من سلاحها، وأقوى بثقة مواطنيها من خوفهم، عندها فقط تكون سوريا قد انتقلت فعلا من زمن الدولة الأمنية، إلى زمن الدولة السياسية، ومن حكم الأشخاص إلى حكم المؤسسات، ومن الخوف إلى المواطنة، لتبدأ ولادة الجمهورية التي حلم بها السوريون طويلا.
كاتب سوري
- القدس العربي





















