ثمة من يتعامل مع عقوبة الإعدام في سوريا وكأن المشكلة الكبرى التي خلفتها سنوات القتل والتعذيب والمجازر ليست آلاف الضحايا، بل الخوف على القاتل من العقوبة التي قد تنتظره.
أرى أن عقوبة الإعدام، في المرحلة الأولى من مسار العدالة الانتقالية، قد تكون ضرورة استثنائية في جرائم القتل والمجازر والجرائم الأشد خطورة، شريطة أن تصدر حصراً عن قضاء مستقل، وبعد محاكمة عادلة مكتملة الضمانات ودرجات التقاضي.
ليس لأن العدالة يجب أن تتحول إلى ثأر، بل حتى لا يتحول غياب العدالة إلى ثأر.
حين تعاقب الدولة القاتل، فهي لا تنتقم للضحية، وإنما تنتزع حق العقاب من يد أهلها. تقول لهم: لا تحملوا السلاح، لا تبحثوا بأنفسكم عن قاتل ابنكم، ولا ترتكبوا جريمة أخرى، لأن هناك دولة وقضاء وقانوناً سيأخذ حقكم.
وفي مجتمع خرج للتو من حرب طويلة، هذه ليست مسألة فلسفية يمكن مناقشتها بهدوء داخل قاعة مكيفة في مؤتمر حقوقي، بل هي مسألة سلم أهلي.
لكن هنا يظهر بعض سماسرة الحقوق السوريين.
يمكن لأحدهم أن يحدثك لساعات عن حق القاتل في الحياة، وأن يستعرض أمامك أحدث المعايير والمواثيق الأوروبية، لكنه يصبح أقل حماسة عندما يُسأل سؤال بسيط: حسناً، وأين القتلة والمطلوبون أصلاً؟ ومن يحميهم؟ ومن يرفض تسليمهم للقضاء؟
وهنا تصبح حكاية “المعايير الأوروبية” أكثر وضوحاً.
تريدون المعايير الأوروبية؟
ممتاز. نحن معكم.
لكن دعونا نأخذ الحزمة كاملة، لا النسخة الانتقائية منها.
إذا كانت فرنسا قد أصدرت مذكرات قضائية بحق مسؤولين سوريين سابقين، فلماذا لا نرى الحماس نفسه في المطالبة بتسليم المطلوبين إلى القضاء الفرنسي؟
وإذا كانت روسيا أو غيرها توفر ملاذاً لمن يطلبهم القضاء، فأين الحملات؟ أين المؤتمرات؟ أين البيانات اليومية؟ وأين تلك الحساسية الحقوقية العالية التي تظهر فجأة عندما يدور النقاش داخل سوريا؟
أطلقوا حملة تطالب موسكو بتسليم المطلوبين إلى فرنسا، وحين يصل المطلوب إلى باريس تكونون قد حققتم إنجازين دفعة واحدة: تقديم متهم إلى القضاء، وحماية من “بالي وبالكم” من احتمال الإعدام في سوريا.
هكذا تكون المعايير الأوروبية قد طُبقت بكامل طاقتها.
أما أن تصبح حقوق الإنسان شديدة اليقظة عندما يكون المتهم في دمشق، ثم تدخل في سبات عميق عندما يصبح المطلوب في موسكو، فهذه ليست عالمية حقوق الإنسان، بل انتقائية سياسية ترتدي خطاباً حقوقياً.
وهنا تحديداً تكمن مشكلة بعض سماسرة الحقوق السوريين.
ليست المشكلة أنهم يرفضون الإعدام، فهذا موقف قانوني وفلسفي معروف يمكن احترامه ومناقشته والاختلاف معه.
المشكلة حين تتحول حقوق الإنسان إلى قائمة انتقائية: نأخذ منها ما يخدم خطابنا السياسي، ونتجاهل ما لا يخدمه.
فالعدالة الانتقالية ليست مشروعاً للانتقام من المجرمين، لكنها بالتأكيد ليست مشروعاً لحمايتهم من المساءلة والعقاب.
ولا يمكن أن نقول لأهالي آلاف الضحايا ببساطة: انسوا فكرة القصاص، ثم نعود إلى ندواتنا راضين لأننا حققنا “المعيار الأوروبي”.
من يريد منع الإعدام عليه أن يقدم للمجتمع بديلاً قضائياً مقنعاً، ومن يريد منع الثأر عليه أن يبني عدالة يثق بها أهل الضحايا.
لذلك فالمعادلة التي تحتاجها سوريا واضحة:
لا إعدام بلا محاكمة عادلة.لا عقوبة بلا دليل قاطع.لا ثأر خارج إطار الدولة.لا حصانة لمجرم.ولا ملاذ آمن لمطلوب، سواء كان في دمشق أو موسكو أو أي عاصمة أخرى.
فالعدالة الانتقالية لا تعني أن ننتقل بالمجرم من قاعة المحكمة إلى ندوة عن حقوق الإنسان.
بل تعني أن ننتقل بالمجتمع من منطق الثأر إلى منطق القانون.
ومن زمن الإفلات من العقاب إلى زمن الدولة.
- كاتب سوري





















