تتّجه دول الخليج ودول المشرق العربيّ، وفي الطليعة المملكة العربيّة السعوديّة، إلى تكوين جبهة في مواجهة الاعتداءات الإيرانيّة
تحالفات جديدة لمواجهة التّهديد الإيرانيّ
في السنتين الأخيرتين كثر الحديث عن مناقشات سرّيّة وعلنيّة تهدف إلى إنشاء “ناتو إسلاميّ” للدفاع والحماية. وتكمن وراء هذه الفكرة أو النيّة مسألتان: مواجهة التهديد الإيرانيّ على الجميع، وتأمّل دور الوجود الأميركيّ بالمنطقة ومستقبله.
الملاحَظ أنّه في الخطوتين عقد مكّة والاتّفاق البحريّ يجري تجاوز الجامعة العربيّة ودفاعها المشترك، ومجلس التعاون الخليجيّ، ومنظّمة التعاون الإسلاميّ. وتجاوز الأخيرة مفهوم لأنّ إيران عضو فيها، وليس هناك توافق بشأن تحديد العدوّ ومصادر التهديد. أمّا الهيئتان الأُخريان فلا تملكان القدرات ولا الاتّفاق العميق علاوة على الغربة المتصاعدة بين مشرق العالم العربيّ ومغربه. وبالطبع لا يمكن التسليم بهذا الواقع، ولا بدّ من استمرار العمل ضمن الجامعة وضمن مجلس التعاون على التقوية والتضامن في هذه الحقبة التاريخيّة الصعبة.
سيقول خصوم فكرة التحالف البحريّ والمكّيّ إنّ من غير المرجّح أن تهبّ الدول المشاركة للدفاع الفعليّ في حالة العدوان أو الخوف منه! وأقول إنّ إيران والأميركيّين يعرفون من هي المملكة السعوديّة وتركيا وباكستان. هي أسماء تبعث على الهيبة، وقد يكون وجود التحالف بحدّ ذاته باعثاً على التردّد في استهداف المملكة. فقد جاء في القرآن الكريم: {وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوّة ومن رباط الخيل ترهبون به عدوّ الله وعدوّكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم} (سورة الأنفال، الآية 60)، فالإعداد والاستعداد يكونان للدفاع ويكونان للترهيب وبعث الهيبة والتوقّي. وستكون لدى إيران مشكلة كبيرة إذا انتوت (اقتراح: قصدت، فالفعل انتوى، ويقال انتوى الشيء قصده، وانتوت إيران أي قصدت إيران، أو نوت (النية) إيران) شرّاً لأنّ كلّاً من باكستان وتركيا لهما حدود معها، ولهما معها علاقات مؤثّرة. وقد دفعت أذربيجان عنها الشرّ الإيرانيّ بالمساعدة التركيّة العسكريّة واللوجستيّة.
تراجع إيران يضيّق الخناق على أذرعها
هناك الأمر الآخر: أمر الأذرع الإيرانيّة التي تواجه أيضاً نهوض الدول الوطنيّة للتصدّي لها. فالمملكة والحكومة اليمنيّة ردّتا على الحوثيّين في البحر والبرّ. وردَّ السعوديّون والأميركيّون على الميليشيات العراقيّة. وهدّدت سوريا الميليشيات العراقيّة التي اقتربت من حدودها. وقال الأردن إنّه سيردّ إن تعرّضوا له. واتّخذ لبنان للمرّة الأولى إجراءات ضدّ “الحزب” مثل قرار حصريّة السلاح بيد الدولة، وقرار بيروت خالية من السلاح، واعتبار سلاح “الحزب” غير قانونيّ. والآن يعمل الجيش اللبنانيّ على الأرض لإخلاء الجنوب اللبنانيّ من سلاح “الحزب” أو تبقى إسرائيل فيه. وتقول الحكومة العراقيّة إنّه مع نهاية أيلول ينبغي أن لا يكون سلاح إلّا بيد الدولة. وهكذا تتقزّم قدرات ميليشيات إيران على الإضرار مع تقزُّم قدراتها.
لن تستغني الدول العربيّة بالمشرق والجزيرة عن التعاون مع الولايات المتّحدة، لأنّ المصالح الأميركيّة كبيرة ولا تقتصر على حماية الطاقة والممرّات
طوال ثلاثة عقود عملت إيران على بناء قدرات عسكريّة معتبَرة. وفي الوقت نفسه نشرت ميليشياتها في العراق وسوريا ولبنان واليمن. وأعلنت احتلال أربع عواصم عربيّة هي بيروت وبغداد ودمشق وصنعاء. أخرج الشعب السوريّ ميليشيات إيران من سوريا عام 2024. والآن يريد الإيرانيّون و”الحزب” في لبنان “تحسين” العلاقات مع سوريا، والنظام السوريّ شديد الحذر تجاه نيّات إيران التي ترى أنّ خروج ميليشياتها من سوريا خسارة كبيرة لها. أمّا الميليشيات الثلاث الأُخرى فإنّ الدول تواجهها بقوّةٍ للمرّة الأولى. ويقال إنّ “حماساً” بغزّة اضطرّت إلى التخلّي عن التحالف مع الحرس الثوريّ الإيرانيّ، وإن بعد فوات الأوان.
حين تتحوّل العقيدة إلى مشروع للهيمنة
تزعم ميليشيات إيران لنفسها أدواراً وطنيّةً لكنّها لا تكتفي بها، بل تدّعي لنفسها أهدافاً عقائديّة. وقد زعم الراحل حسن نصرالله سنة 2011 أنّه إنّما نهض بقوّاته إلى سوريا لحماية مزار السيّدة زينب بجوار دمشق. ثمّ مضى يقول إنّه إنّما أرسل ميليشياته إلى سوريا لضرب التكفيريّين. وأخيراً قال إنّه إنّما جاء إلى سوريا لمساعدة وحماية نظام الفارّ بشّار الأسد، وذكر مراراً أنّ القتال في سوريا أهمّ من القتال ضدّ إسرائيل! وعندما كانت ميليشياته تسرح وتمرح بأنحاء سوريا، كان “الحزب” والإيرانيّون يغطّون المدن والبلدات بالحسينيّات والمزارات التي يزعمون أنّ آل البيت بحلب وغيرها هم الذين أسّسوها.
أمّا دعاوى الميليشيات العراقيّة فأكبر من دعاوى الميليشيات في لبنان. فقد قتلوا وهجّروا وسلبوا بدوافع طائفيّة ومذهبيّة. والحوثيّون يفعلون الشيء نفسه باليمن، مع أنّهم في اليمن قلّة، وهم في سوريا غير موجودين تقريباً.
هكذا تقترن بدعاوى إيران في تصدير الثورة وفي مقاتلة إسرائيل أو تسبقها الدعاوى الدينيّة التي تقسم البلدان والأوطان. وهي أمورٌ ما بقيت كلاماً أو إعلاناً، بل صارت سياسات على الأرض العربيّة في عدّة بلدان. وعندما نشبت الحروب بين أميركا وإيران تعرّضت دول الخليج والأردن وسوريا لهجمات كثيفة على كلّ مرافقها وفي البحر على السفن التجاريّة والناقلات.
المشرق والجزيرة في مواجهة الأذرع الإيرانيّة
للمرّة الأولى منذ ثلاثة عقود تظهر جبهة عربيّة وإسلاميّة تقودها المملكة السعودية للتصدّي للعدوان، وتنهض الدول للتصدّي للميليشيات بدواخلها، والتصدّي لها وهي تحاول إطاعةً للأوامر الإيرانيّة الاستمرار في الاعتداء على الدول الوطنيّة المجاورة.
لن تستغني الدول العربيّة بالمشرق والجزيرة عن التعاون مع الولايات المتّحدة، لأنّ المصالح الأميركيّة كبيرة ولا تقتصر على حماية الطاقة والممرّات. لكنّ التقديرات والمصالح قد تختلف إزاء الأحداث. ولذلك تكون من الحكمة تنمية القدرات الذاتيّة. أمّا تجاه إيران فرأت بالتجربة وطول محاولات المسالمة وعقود عدم الاعتداء أنّ الأمر ما عاد يحتمل غير المواجهة مع الإصرار على أن يبقى الأمر دفاعيّاً.
تسير في الخطّ نفسه الدول الوطنيّة الأخرى في سوريا والعراق والأردن ولبنان للخلاص من الأذرع الإيرانيّة. وقد يتفاوت النجاح لكنّ الموجة الإيرانيّة تعثّرت وبدأ الانحسار الذي يبشّر بتحرّر الدول.
- أساس ميديا
























