بيان من حزب الشعب الديمقراطي السوري
سورية الجديدة.. من قضاء السلطة إلى سلطة القضاء
لا يمثّل صدور حكم الإعدام بحق المجرم عاطف نجيب حضورياً، وبحقّ بشار وماهر الأسد وغيرهما من كبار مجرمي النظام الفارّين، مجرّد إجراء قضائي عابر في سجلّ المحاكم الوطنية السورية، بل إعلان تاريخي بلسان الشعب السوري وسيادته. إنه التتويج الحقّ لنضالات ثورة الكرامة، واللحظة التي تُسقِط عقوداً طويلة من الاستبداد واستباحة الدماء؛ ينصف الضحايا ويضمّد الجراح المعنوية والمادية لمئات آلاف العائلات المفجوعة، ليكون وثيقة إجلال لذكرى الشهداء والمعتقلين والمختفين قسراً، وركيزة في بناء مصالحة وطنية مجتمعية قائمة على الحقّ والعدل لا على الصفقات والتغاضي.
مجريات هذه المحاكمة تكتسب حمولة استثنائية، سياسية وأخلاقية وقانونية واجتماعية؛ فهي الرمزية الأعمق لجبر الضرر المعنوي والمادي وصيانة المجتمع من الانجرار وراء الثأر الفوضوي، وهي المحاكمة الأولى التي تكسر جدار الإفلات من العقاب لأول مرة في تاريخ سورية الحديث بحكم قضائي ناجز استوفى كافة شروطه القانونية والدستورية. وتتجذّر هذه الرمزية في أوّليتها، إذ صدرت بحق أوّل مجرم، وفي أول مكان انطلقت منه شرارة الثورة السورية، لتتحول -المحاكمة-من مجرد منصة للقصاص إلى أول رسالة واضحة تؤسّس لسورية جديدة، تُبنى صروحها على معايير القانون والعدالة، وتُرسى فيها قواعد دولة المواطنة.
إننا -حزب الشعب الديمقراطي السوري- نثمّن الشفافية المطلقة التي أحاطت بهذه المحاكمات، والدقة التقنية والقانونية التي جرت بها وفق أرقى المعايير، ونرى فيها تجسيداً للانتصار الحقيقي لسيادة القانون وترسيخ العدالة. لقد انطوت إلى غير رجعة تلك الحقبة المظلمة التي كان فيها القضاء أداة طيعة للبطش وسلاحاً بائساً في يد الأجهزة الأمنية والتنفيذية. فالعبور نحو الدولة الجديدة يمرّ حتماً عبر استقلال سلطة القضاء وتشييد حصن عدلي لا يخضع للمحاباة أو الابتزاز، ليكون الدرع الواقي والضامن الأمين لقيام دولة المواطنة التي يتساوى تحت سقفها السوريون جميعاً دون تمييز، ودون نظر إلى أديانهم وطوائفهم وإثنياتهم.
إن إنفاذ القصاص وفق محاكمات عادلة ومستوفية للشروط الوطنية، هو خطوة في مسار إنصاف الضحايا، وهو صلب السيادة القضائية التي لا تقبل المصادرة؛ فمَن كان “أصمّ أبكم أعمى” وآثر الدبلوماسية طيلة سنوات المأساة وقف مكتوف اليدين على مدى 15 سنة أمام أفظع الإبادات والجرائم ضد الإنسانية، على الرغم من ملايين الوثائق والدلائل القطعية دون أن يجرؤ على اتخاذ خطوة عملية تحقن دماء شعب يُباد، لا يملك اليوم أدنى استحقاق ليملي شروطه على العدالة الوطنية السورية. ولا يحقّ له أن يستلّ قاموس القانون الدولي والأخلاق، ليصادر حقّ الشعب السوري في انتزاع عدالته عبر قضائه الوطني المستقلّ.
ولكي تنغرس هذه العدالة الانتقالية في عمق الأرض وتتسامق ثمارها، يغدو التمسك بمبدأ عدم الإفلات من العقاب هو القاعدة الأساسية لمنع تكرار الفاجعة؛ فلا مصالحة بلا حقيقة، ولا استقرار دون ردع عادل يقطع دابر الانتقائية والانتقام؛ فتبدأ إشادة دولة المواطنة التي تحوّل هذه الأحكام القضائية التاريخية إلى ركيزة راسخة لمؤسسات تصون الإنسان وتحرس الحريات تحت مظلة قانون واحد يسري على الجميع دون استثناء.
إن سورية الجديدة، التي سقتها دماء الأحرار ودموع المعاناة والتضحيات، تجعل من القضاء المستقلّ عنواناً لسيادتها الوطنية. فالعدالة ليست نصَّ قانون للتفاوض أو المساومة، بل دَين في أعناق جميع السوريين لضحايا الثورة، وشرط أساس لبناء وطن حقيقي يتساوى فيه الجميع.
دمشق 12 /8 / 2026
الأمانة المركزية
لحزب الشعب الديمقراطي السوري

























