في لبنان مشكلات متراكمة عمرها عشرات السنين؛ مشكلات سياسية واقتصادية وانقسامات طائفية، إضافة إلى الفساد الذي جعل الدولة تتآكل من الداخل، وجعل اللبنانيين وغيرهم يخسرون أموالهم. وحل جميع هذه المشكلات أولوية بالنسبة إلى الشعب اللبناني، ولكن حل هذه المشكلات يحتاج إلى دولة قادرة على القيام بأقل واجباتها: بسط سلطتها وحدها على كامل أراضيها.
عندما انتفض اللبنانيون في 17 أكتوبر/تشرين الأول 2019، اختلفت الآراء حول انتفاضتهم، حتى داخل المنتفضين أنفسهم. فبعضهم رأى ضرورة تحييد موضوع سلاح “حزب الله” لمحاربة الفساد والطبقة الحاكمة، أو جزء منها، فيما رأى البعض الآخر أن لا حل لمشكلات لبنان قبل نزع سلاح الميليشيات، أي سلاح “حزب الله”. ولتثبت التجربة أن أصحاب الرأي الثاني كانوا على صواب.
اليوم يعاود البعض النقاش بطريقة أخرى. فبعد حرب 2024 وحرب 2026، التي يبدو أنها مستمرة، يطرح البعض قضايا إعادة الإعمار، وعودة أكثر من مليون لبناني نزحوا من مناطقهم في جنوب لبنان، وضرورة الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي التي احتلتها إسرائيل، والبحث عن حل لسلاح “حزب الله”.
وبالعودة إلى التاريخ القريب بعض الشيء، وللتذكير بمشكلة هذا السلاح والويلات التي حلّت بلبنان بسببه، لا بد من التذكير بأن إسرائيل انسحبت من لبنان في 25 مايو/أيار 2000، وانتفت الحاجة إلى سلاح “المقاومة”. فالمقاومة وسيلة وليست غاية بحد ذاتها، لكن الحال لم يكن كذلك؛ فقد أخرج النظامان السوري والإيراني أرنباً من القبعة- مزارع شبعا– كمبرر للإبقاء على السلاح. وعلى مدى عقود، بقيت مزارع شبعا معلّقة، يرفض الطرفان السوري واللبناني البتّ رسمياً في لبنانيتها أو سوريتها، وبقي السلاح.
بقي السلاح الذي شارك، بعد سنوات، في اغتيال رئيس مجلس الوزراء اللبناني رفيق الحريري، ومن ثم في اغتيال شخصيات لبنانية سياسية وإعلامية. وجلس اللبنانيون حول طاولة الحوار للبحث في مستقبل هذا السلاح، وبينما كان الأمين العام لـ”حزب الله” يجلس معهم على الطاولة ويعد اللبنانيين بصيف هادئ وحوار هادف حول موضوع السلاح، قام “حزب الله” بخطف جنديين إسرائيليين، واندلعت حرب 2006؛ حرب بدأها “حزب الله”، لترد إسرائيل بتدمير لبنان وبناه التحتية.
تحول بعدها سلاح “المقاومة” إلى سلاح يوجَّه إلى صدور اللبنانيين، ويفرض أجندته على الدولة اللبنانية، ليعلن الأمين العام لـ”الحزب” يومها حسن نصرالله أن هدف سلاح حزبه هو حماية نفسه. إذن، لم تعد إسرائيل هي الذريعة، بل صار السلاح هو الغاية والوسيلة.
تحول سلاح “المقاومة” إلى سلاح يوجَّه إلى صدور اللبنانيين، ويفرض أجندته على الدولة اللبنانية
دخل بعدها “حزب الله” للقتال في سوريا، كما دخل إلى اليمن، وكان لبنان الرسمي والشعبي ضعيفاً أمام سطوة السلاح والميليشيا، كما كانت المنطقة أمام سطوة إيران وميليشياتها.
واستمرت هيمنة وسطوة ميليشيا إيران على لبنان، إلى أن وقعت عملية “طوفان الأقصى”، وقرر حسن نصرالله إقحام لبنان في المعركة، فأطلق عملية “إسناد غزة”. أي إنه، مجدداً، بادر إلى إطلاق الرصاصة الأولى على إسرائيل، كما فعل في 2006. وكان من ضمن الكثير من تداعيات هذه الرصاصة اغتيال نصرالله، كما اغتيل الكثير من قادة “حزب الله”.
سقط الأسد في سوريا، وانقطع شريان الحياة الذي كان يمد “الحزب” بالسلاح والمال عبر الأراضي السورية، برعاية من النظام السوري آنذاك، ووقّع “حزب الله” على اتفاق استسلام مع إسرائيل. ليعاود في 2026 إطلاق صواريخه باتجاه إسرائيل مجدداً، وهذه المرة انتقاماً لمقتل “المرشد” الإيراني علي خامنئي، بعد أن استغل وقف إطلاق النار للملمة صفوفه.
أعيد التذكير ببعض هذه الأحداث المفصلية، لأن البعض يعيد طرح أفكار وحلول جرّبها لبنان واللبنانيون على مدى 26 عاماً منذ التحرير، ويتوقعون نتيجة مختلفة هذه المرة.
احتضان أبناء الجنوب وإعادة إعمار قراهم ومدنهم أحد الحلول التي يطرحها البعض، ولكن ألم تتم إعادة بناء الجنوب أكثر من مرة منذ الانسحاب الإسرائيلي في 2000؟ وألم يتسبب “حزب الله” وسلاحه، بفتح حروب خدمةً لأجندات إيرانية بحتة، في إعادة احتلاله وتدميره؟ صحيح أن أحداً لن يقبل بدفع كلفة إعادة الإعمار اليوم والسلاح موجود على الطاولة، لكن مجرد طرح الفكرة والقول إن تنفيذها يُضعف “الحزب” فيه الكثير من السذاجة.
البعض الآخر يطرح الحوار كوسيلة للتوصل إلى حل لمسألة السلاح. وكم مرة عُقدت جلسات حوار لبنانية، وبرعايات عربية وأجنبية، لبحث هذا الملف، ولم تكن النتيجة إلا جلسات تكاذب استغلها “حزب الله” لزيادة سيطرته على الدولة وفرض أجندته؟ 26 عاماً من المحاولات كلها باءت بالفشل: الفشل في إيجاد حل للسلاح، وترافق هذا الفشل مع تقوية سطوة السلاح بدلاً من إنهائها.
صحيح أن مشكلة “حزب الله” وسلاحه هي مشكلة لبنانية، ولكن الأكيد أن حل هذه المشكلة ليس في بيروت، بل في طهران
صحيح أن مشكلة “حزب الله” وسلاحه هي مشكلة لبنانية، ولكن الأكيد أن حل هذه المشكلة ليس في بيروت، بل في طهران.
أما القول إن “حزب الله” هو الشيعة، والشيعة هم “حزب الله”، وجرّ الآخرين إلى مسار التبرير، فهو نوع آخر من الابتزاز الذي يمارسه “الحزب” اليوم. واللبنانيون لا يجب أن يوضعوا أمام خيار التبرير، أي التخفيف من حدة موقفهم من سلاح “حزب الله” طمأنةً للطائفة الشيعية، بل على الطائفة الشيعية اليوم واجب تجاه أبنائها أولاً، وتجاه لبنان واللبنانيين، وفصل أنفسهم عن “حزب” لم يعرف اللبنانيون منه إلا القتل والترهيب والفساد.
ذهب لبنان الرسمي إلى التفاوض مع إسرائيل. القصف واحتلال الأراضي والقتل أمور تقع مسؤولية وقفها على الحكومة اللبنانية من خلال مسار التفاوض الذي اختارته. ولكن ليست الجرأة اليوم في القول إن إسرائيل وحدها هي من تسببت بكل هذه الخسائر للبنان، بل في تسمية الأمور بأسمائها: إنه “حزب الله”. واليوم هناك مسؤولية مضاعفة على لبنان وأصدقائه بأن لا يسمحوا لـ”حزب الله” باستغلال الحرب الإسرائيلية لإعادة تبرير وجود السلاح وتقويته، ومنحه الفرصة لإعادة ترتيب أموره كما حصل بعد اتفاق 2024.
“حزب الله”، منذ نشأته، نشأ خدمةً للجمهورية الإسلامية في إيران. وهذا ليس اتهاماً سياسياً، بل أمر موجود في أدبيات “الحزب”.
“حزب الله” في كل مساره لم يكن حزبأ لبنانياً، حتى وإن كان الكثير من مناصريه لبنانيين. ومحاولة لبننة “حزب الله” ضرب من الخيال. أما مناصرو “الحزب” من أبناء الطائفة الشيعية فالقرار قرارهم هل يذهبون إلى الانتحار خدمة لمشروع تصدير الثورة الإيراني الذي يلفظ أنفاسه الأخيرة شئنا أم أبينا، أم يعودون إلى لبنانيتهم؟ هذا السؤال يوجه لهم، ولكن مد طوق النجاة لـ”حزب الله” تحت ذريعة طمأنة الشيعة يجب أن يرفضه لبنان واللبنانيون من أي جهة أتى.
- المجلة





















