لم يعد شرق المتوسط مجرد حوض للغاز أو مساحة لتنازع الحدود البحرية. فالمنطقة تدخل مرحلة مختلفة تماماً، عنوانها الأبرز إعادة تشكيل موازين القوى السياسية والأمنية والاقتصادية، في جغرافيا تمتد من غزة ولبنان إلى سوريا وقبرص واليونان وتركيا، وتتصل مباشرة بأمن الطاقة والممرات البحرية.
تحولات ميدانية قد تمهد لمشروع مستقبلي.
ما يجري على الأرض لا يمكن فصله عن هذا التحول. فالحرب في غزة لم تعد قضية فلسطينية ـ إسرائيلية محضة، بل تحولت إلى مدخل لإعادة ترتيب البيئة السياسية والأمنية في شرق المتوسط. وفي لبنان، انتقلت واشنطن من موقع الوسيط التقليدي إلى لاعب مباشر في صياغة ترتيبات الأمن والحدود والعلاقة بين الدولة اللبنانية والجوار. وهذا التحوّل بحد ذاته مؤشر على أن لبنان، الذي طالما استُخدم كساحة توازنات بين وسطاء متعددين، أصبح اليوم محكوماً بلاعب واحد يمسك بخيوط التسوية.
أما سوريا، فتبدو الحلقة الأكثر دلالة في هذا التحول. سقوط نظام بشار الأسد فتح الباب أمام إعادة رسم موقع دمشق في المعادلة الإقليمية، دمج قوات قسد بالجيش السوري، فيما سارعت الولايات المتحدة وأوروبا إلى الانفتاح على السلطة الجديدة. وفي المقابل، بدأ النفوذ الروسي الذي شكّل طوال عقد تقريباً أحد أعمدة الوجود الدولي في شرق المتوسط بالتراجع.
وكان الاتفاق السوري ـ الروسي الأخير بشأن قاعدتي حميميم وطرطوس، والذي أنهى عملياً الصيغة السابقة للوجود العسكري الروسي، مؤشراً بالغ الدلالة إلى هذا التحول.
غير أن انسحاب موسكو التدريجي من موقعها العسكري لا يُقرأ بالضرورة كخسارة كاملة؛ فروسيا لا تزال تحتفظ بأوراق اقتصادية وسياسية في المنطقة، الى جانب إمكانية المقايضة من خلال مكاسب محتملة في ملف أوكرانيا.
الحضور الأوروبي البطيء في مواجهة الاندفاعة الأميركية.
لكن المفارقة أن التراجع الروسي لا يعني أن أوروبا تملأ الفراغ. فالاتحاد الأوروبي يعمل على استعادة علاقاته الاقتصادية والسياسية مع سوريا، وقد أعاد في أيار 2026 تفعيل اتفاق التعاون معها، لكنه لا يزال يتحرك بصورة أبطأ وأقل قدرة على فرض نفوذ جيوسياسي موازٍ للنفوذ الأميركي سواء في سوريا او حتى في لبنان – فبينما تنتقل واشنطن من ملف إلى آخر بخطى متسارعة، يبقى القرار الأوروبي رهينة التناقضات الداخلية، وبطء آلياته التنفيذية، إضافة إلى العبء الذي ألقته عليه حرب أوكرانيا.
وهنا تبرز السرعة الأميركية كأحد أهم متغيرات المرحلة. فواشنطن تبدو وكأنها تعمل على ربط الملفات المتناثرة في منظومة واحدة: أمن إسرائيل، مستقبل غزة، أمن لبنان، إعادة تشكيل سوريا، احتواء النفوذ الإيراني، وتأمين طرق الطاقة والتجارة في شرق المتوسط. ولم تعد الأدوات العسكرية وحدها هي الوسيلة، فالضغط السياسي، والاتفاقيات الأمنية، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، والاستثمارات والبنية التحتية، كلها تتحول إلى أدوات نفوذ.
لكن هذا المشروع الأميركي لا يسير في فراغ. فإسرائيل وإيران يبقيان لاعبين لهما حساباتهما الخاصة التي لا تتطابق بالضرورة مع التصور الأميركي الشامل للمنطقة. فتل أبيب، ورغم تقاطعها الجذري مع الهدف الأميركي بتقليص النفوذ الإيراني، قد ترى في هندسة الترتيبات الأمنية الجديدة تقييداً لحرية عملها العسكري المطلق، وتخوفاً من أن يتحول الاستقرار المفترض إلى قيود تكبل عقيدتها الهجومية.
بينما تسعى طهران، رغم تراجع نفوذها الإقليمي بعد سقوط الأسد وضعف حزب الله، إلى إعادة التموضع بأدوات أخرى، عبر شبكة تحالفات بديلة وشراكات خفية، محاولةً الحفاظ على أوراق ضغط في الساحات الرخوة.
صراع الطاقة: المعركة على البنية التحتية والممرات.
في المقابل، تتحول الطاقة إلى عنصر إضافي في هذه المعادلة. فحقول الغاز في إسرائيل وقبرص، والبنية التحتية المصرية لتسييل الغاز، والموانئ والممرات البحرية، تفتح أمام شرق المتوسط دوراً متزايداً في تأمين جزء من احتياجات أوروبا. وبالتالي فإن الصراع المقبل لن يكون فقط على مصادر الطاقة، بل على طرق تصديرها وعلى البنية التحتية التي تربط شرق المتوسط بأوروبا.
فمن يتحكم بهذه الطرق يتحكم فعلياً بشريان استراتيجي يربط ثلاث قارات، وهو ما يجعل السيطرة على الممر أهم من ملكية المورد نفسه.
ومن هنا تكتسب الجغرافيا اللبنانية أهمية مضاعفة. فلبنان يقع في قلب منطقة يجري فيها الآن بناء نظام إقليمي جديد، لكنه يواجه خطر أن يتحول من موقع جغرافي استراتيجي إلى مجرد ساحة لتطبيق ترتيبات الآخرين.
أما سوريا، فتواجه بدورها اختباراً مشابهاً: هل تستطيع استثمار موقعها المتوسطي والشرقي في بناء دور مستقل، أم تتحول إلى جزء من منظومة نفوذ جديدة؟
من يملك المفاتيح؟
المؤشرات الحالية توحي بأن شرق المتوسط سيكون إحدى ساحات التنافس الكبرى خلال السنوات المقبلة، وأن الولايات المتحدة تسعى إلى تثبيت موقعها كالقوة الأكثر تأثيراً في رسم قواعد هذه المرحلة، مستفيدة من تراجع الدور الروسي وبطء الحضور الأوروبي.
وبذلك، ينتقل الصراع من سؤال: من يملك مصادر الغاز؟ إلى سؤال أكثر أهمية: من يملك مفاتيح المنطقة التي تتحكم بعبور مصادر الطاقة؟
فالمعركة الحقيقية لم تعد على موارد المنطقة فقط، بل على من يملك مفاتيح أمنها، وممراتها، وتحالفاتها، وشكل العلاقة بين شرقها وغربها.
- المدن
























