يعرف الجميع صدور حكمٍ غيابي بحقِّ الرئيس السوري الهارب، ولكنَّهم يعرفون أيضاً أنَّه ليس في قفص الاتهام، ولا يقف خلف القضبان، وأنَّ تنفيذ العقوبة بحقِّه ليس مطروحاً في الوقت الراهن؟ هنا تحديداً تكمن المفارقة التي تجعل الحكم أكبر من قرار قضائي، ذلك لأنَّ بشار الأسد موجود خارج سوريا، والحكم الصادر بحقِّه لن يطبِّق حالياً، لكنَّه يستطيع أن يصل إلى مكان آخر أكثر عمقاً في ذاكرة السوريين، فطوال سنوات عصيبة مرَّت، كان المشهد مختلفاً تماماً؛ إذ كانت السلطة تمتلك القوة والسلاح والقرار، بينما لم يكن أمام ضحايا هذه السلطة سوى الانتظار والخوف والصمت، واليوم تنقلب الصورة، ولو على المستوى القضائي الصوري، ليصبح الاسم الذي كان يمثِّل أعلى درجات السلطة مرتبطاً بحكم صادر عن محكمة سورية عادلة، صحيح أنّه قد لا يصل إلى صاحبه، لكنَّ صداه سيصل إلى مَنْ عاشوا الخوف؛ سيصل إلى أمٍّ ما زالت تبحث عن ابنها، وإلى معتقل سابق يحمل في جسده آثار السجن، وإلى عائلة عاشت سنوات وهي تتساءل إن كان من تسبَّب في مأساتها سيقف يوماً أمام العدالة.
إذا تعمَّقنا في الأثر النفسي لهذا الحكم القضائي على المجتمع السوري سنرى أنَّ هذه القضية تتجاوز إدانة شخص كان يقف على قمة هرم السلطة، لتلامس علاقة السوري بفكرة القوة والسلطة والمساءلة. إذ ترسخَّت في الوعي العام، لعقود طويلة، صورة سلطة تمتلك القدرة على الإفلات من المحاسبة، ويستطيع قرارها أن يغيِّر مصير الإنسان من دون أن يخضع صاحبه للسؤال أمام القانون. لذلك يكتسب الحكم، رغم صدوره غيابياً وتعذُّر تنفيذه في الظروف الراهنة، دلالة نفسية وسياسية لافتة؛ فهو يهزُّ واحدة من أكثر القناعات التي عمل النظام الساقط على ترسيخها في الوعي السوري وهي أنَّ امتلاك القوة يعني امتلاك الحصانة من القانون.
قد يبدو هذا التحوُّل محدوداً إذا قيس بصورة الحكم وإجراءاته، إلا أنَّ أثره النفسي يتَّصل بطبقة أعمق من الخوف نفسه، ذلك لأنَّ أيَّ إنسان يخشى أن يعيش في عالم لا توجد فيه جهة قادرة على إنصافه، يخشى أن تصبح مظلمته بلا باب يمكن أن يطرقه، ومع استمرار هذا الشعور، يتحوَّل العجز من حالة مؤقَّتة إلى قناعة داخلية، فيتراجع عن الشكوى، ويصمت أمام الظلم، ويفقد ثقته بالمؤسسات، وقد يبدأ بالنظر إلى القهر باعتباره جزءاً ثابتاً من حياته، لا يمكن تغييره. لذلك فإنَّ صدور مثل هذه الأحكام يفتح نافذة السوريين على احتمالات مختلفة تؤكّد جميعها أنَّ الجريمة التي بدت يوماً محصنة بالصمت والخوف يمكن أن تجد طريقها إلى المحاسبة.
لقد تركت مرحلة حكم النظام البائد القاسية إرثاً نفسياً في طريقة تعامل السوريين مع السلطة والخوف والاختلاف، فقد امتدَّت الممارسة الأمنية إلى تفاصيل الحياة اليومية، حتى أصبحت بعض ردود الفعل تلقائية؛ الصمت قبل الكلام، الحذر قبل التعبير، والخوف من أن يتحوَّل الاختلاف إلى تهمة. ومع مرور العقود، لم تعد هذه السلوكيات مرتبطة بحدث محدَّد أو شخص محدَّد، وإنَّما تحوَّلت إلى جزء من الثقافة السياسية والاجتماعية التي نشأت أجيال كاملة داخلها. ومن هنا تكتسب محاسبة رموز النظام السابق أهمية تتجاوز الجانب القضائي؛ فهي تضع أمام المجتمع صورة جديدة للسلطة، وتتيح له أن يعيد النظر في علاقة ظلَّت قائمة على الخوف زمناً طويلاً. فليس المطلوب في النهاية تغيير أسماء الأشخاص في مواقع السلطة فقط، وإنَّما تفكيك الإرث النفسي الذي رسَّخته السلطة في المخيلة السورية والذي ارتبط دائماً بالرهبة والخوف والحذركما يصعب الحديث عن استجابة سورية واحدة لهذه الأحكام؛ لأنَّ الجرح نفسه ليس واحداً؛ فمَنْ فَقَدَ شخصاً في السجن قد يعني له الحكم اعترافاً رسمياً بأنَّ الغائب لم يكن رقماً في سجل مجهول، والناجي من التعذيب قد يجد في هذا المشهد القضائي استعادة جزئية لموقعه بوصفه صاحب حقٍّ، بعد سنوات عاش فيها تحت سلطة من امتلك جسده وحريته ومصيره.
غير أنَّ العدالة حين تقترب من الذاكرة تلامس مناطق شديدة الحساسية في النفس، ذلك أنَّ فتح هذه الملفات يستحضر الغائبين؛ وجوههم، أصواتهم، لحظة اعتقالهم، وانتظار عودتهم. ومن هنا تصبح العدالة أوسع من العقوبة؛ لأنَّ العقوبة تتعلَّق بمَنْ ارتكب الجريمة، والضحية تحتاج إلى شيء آخر، تحتاج إلى رواية واضحة لما جرى، واعتراف بما تعرَّضت له، ومعرفة مصير من غاب، واستعادة مكانتها داخل المجتمع. ولهذا قد يبقى الحكم القضائي ناقص الأثر لدى عائلات المفقودين ما دامت الإجابة عن السؤال الأصعب غائبة: أين ذهب أحباؤنا، وماذا حدث لهم؟
إنَّ النقطة الجوهرية التي لا بدَّ أن نقف عندها أيضاً تتعلَّق بالتجربة السورية، فالمجتمع السوري يحتاج إلى محاكمة الماضي ويحتاج إلى فهمه، فالمجتمع الذي يريد التعافي يحتاج إلى معرفة كيف وصلت البلاد إلى هذه الدرجة من العنف، وكيف تحوَّلت مؤسسات يفترض أن تحمي الناس إلى أدوات للخوف، وكيف أصبح الصمت وسيلة للبقاء، وكيف عاش ملايين السوريين داخل منظومة جعلت الإنسان يخشى الدولة أكثر ممَّا يثق بها. إنَّ فهم هذه الآليات ضروري حتى لا تختزل المأساة في أسماء أشخاص فقط، فالأشخاص يمكن أن يحاكموا، أمَّا البنية التي سمحت للجريمة بالاستمرار تحتاج إلى تفكيك وإصلاح ومراقبة.
يمثِّل بشار الأسد وماهر الأسد وعاطف نجيب وغيرهم في الذاكرة السورية رموزاً لنظام حكم امتدَّ لعقود، وتركت ممارساته آثاراً عميقة في الوعي واللاوعي الجمعي، وإزالة هذه الرموز من موقع السلطة، ومحاكمتها أمام القضاء، يمكن أن تشكِّل نهاية لعقدة السلطة التي طالما ارتبطت بالخوف. غير أنَّ التحرُّر الحقيقي منها يحتاج إلى ما هو أبعد من سقوط الأشخاص؛ يحتاج إلى بناء دولة تجعل القانون أعلى من الحاكم، والمؤسسة أقوى من الفرد، والمواطن شريكاً في الدولة. عندها فقط يكون سقوط رموز الماضي نهاية مرحلة سياسية، وبداية لتحرُّر نفسي واجتماعي من إرث ظلَّ حاضراً في ذاكرة السوريين حتى بعد زوال أصحابه.
- تلفزيون سوريا






















