
فاصلة الأسبوع
في يومٍ ما، استيقظ إنسان العصر الحجري الذي أتعبه الجري لمئات آلاف السنين؛ إما ركضاً خلف طريدة أو هرباً من مفترس، مسح العرق عن جبينه وقال لنفسه: كفى تسكعاً في البراري.
وهناك بمكان على أرض سوريا، أخذ حفنة طين، خلطها بقليل من التبن، وهو يردد فوقها بعض التعاويذ.. وفجأة وُلدت أول طوبة في التاريخ! لم يكن يعلم أنه سيغير مسار البشرية بهذا الطوبة، ومع كل طوبة وضعها فوق أختها، لم يبنِ مجرد جدران تقيه البرد والمفترسات، بل اخترع فكرة “البيت”.
ومن هناك بدأت الحكاية، إذ اكتشف البشر أن خلطة الطين والتبن لم تنتج سقفاً يسترهم فحسب، بل تحولت إلى “مدينة”، ومنها انطلق أول كل شيء: التنظيم الاجتماعي والكهانة والصناعة والبيع والشراء والكتابة والعلوم، والرفاهية.. كما أنتجت هذه التجربة مصيبةً حلوة اسمها “الجيران”، فكان لا بد من ابتكار القوانين، وعلى رأسها قانون، ممنوع الإزعاج.
لقد كانت المدينة وما زالت المحرك الأساسي للإبداع الإنساني ورأس حربة الحضارة. وهنا انقسم أسلافنا بكل ذكاء: قسم استقر داخل الأسوار ليمارس “التمدن”، والابتكار، ونسج الثقافة، وقسم آخر عاش على الأطراف كـ “نصف متحضرين”، يمارسون دور الأبطال الذين يحمون الجميع من المجاعة بما تجود به أرضهم من قمح وشعير وخضروات. وبلغ هذا التعاون الطبقي ذروته التاريخية العظمى حين التقى فكر المدينة الابتكاري بمنتجات الريف، فأثمر هذا الزواج الميمون عن اختراع لا يتناطح فيه ثوران على أنه أعظم اختراع للبشرية على الإطلاق: المكدوس.
كان الفلاح يكرر تعاليم الفلاحة بحذرٍ مقدس منذ عهد جلجامش؛ يزرع كل بذرة في شهرها بالتمام والكمال، يتعامل مع المحصول كما فعل جدّه الخامس عشر بعد الألف، لعلمه اليقين أن “الاجتهاد” في الزراعة سيميت المحصول ويجلب المجاعة. أما ابن المدينة، فألقى قوانين الأسلاف خلف ظهره ونزع نحو الشطارة والابتكار وغزو الأسواق؛ لأن التكرار في السوق يعني الإفلاس. ابتكر قوانينه الخاصة، فصارت مجرد ورقة ملصقة على جدار أو رقم على لوحة أو دائرة حمراء تعني قانوناً يُعاقب مخالفه، بخلاف الريف الذي ظل فيه العُرف وكلمة كبير القرية هما المرجع والفاصل.
ولكن، بينما يُفترض بالمدينة بتنوعها وأعراقها أن تكون منارة الابتكار وورشة العقول التي تقود الدولة وتُمدن الريف، شهدت سوريا مساراً معكوساً بمرارة. هذا الانعكاس لم يكن سحراً، بل نتيجة حتمية لسياسات منهجية اتبعتها حكومات بلادنا، أهملت الريف وحرمته من التنمية والخدمات، دافعةً بأبنائه قسراً نحو هجرة قسرية إلى المدن بحثاً عن لقمة العيش. ولم يجد هؤلاء مع قلة الحال سوى أطراف المدن مأوىً لهم، فنشأت “أحزمة العشوائيات” ليس كخيار ثقافي، بل بقدر ما هو ملاذ أخير والتي حولت أسوار المدن التاريخية إلى غابة من الجدران المائلة والأسلاك المتشابكة.
حين سقط النظام، استبشر السوريون خيراً وتخيلوا أنهم على موعد مع نهضة إدارية تعيد للريف حقوقه المسلوبة وتمنح المدينة بريقها المفقود. لكن، ويا للمفاجأة السارة، قررت عبقرية التخطيط أن تسلك طريقاً مختصراً ومبتكراً للغاية: فبدلاً من أن ترتقي الخدمات بالجميع وتُدار المدن بعقلية القرن الحادي والعشرين، قررت الإدارات العامة أن تستعير أحدث “تقنيات” التدبير من العشوائيات، لتُدار المؤسسات بالبركة والارتجال وجلسات التراضي.
وهكذا، وعوضاً عن بناء دولة المؤسسات والحوكمة الرقمية، وجد المواطن نفسه في رحلة حنين مجانية عبر الزمن، تُدار فيها شؤون الحاضر بذات الذهنية التي تعتقد أن كل الأزمات التنموية تُحل بطريقة واحدة، وكأننا عدنا لنقطة الصفر، وأعني إلى يوم الطين والتبن والتعاويذ.
- الثورة السورية




















