من الطبيعي أن تظهر بعض مشاعر الخوف والكراهية بين المكونات الاجتماعية السورية بعد سنوات من الحرب والعنف والاستقطاب الاجتماعي، وأن تبرز الهويات الأولية مثل الطائفية إلى الواجهة، فالمجتمعات التي تتعرض للحرب المركبة والطويلة مثل سوريا لا تخرج من أزماتها دفعة واحدة، بل تستمر بحمل رواسب الحرب وعنف النظام البائد، بما فيها صور النمطية والهواجس من الآخر.
لكن غير الطبيعي والخطر أن تنتقل هذه الهواجس والهويات الفرعية من المجال الاجتماعي إلى المجال السياسي والثقافي من خلال تحولها لدى بعض الشخصيات والتيارات السياسية إلى خطاب للتعبئة وإعادة تعريف الخصوم بالاستناد اليها، وبالتالي تحول الطائفية إلى مشروع سياسي يعمل على إعادة إنتاج النظام البائد نفسه.
الطائفية بهذا المعنى، ليست مجرد استخدام لمفردات طائفية، وإنما بنية تبدأ بصورة نمطية وأحكام مسبقة، ثم تتحول إلى مشاعر من الخوف والرفض والعداء، وقد تنتهي إلى التمييز والإقصاء.
من السياسة إلى صراع الهويات
تقوم السياسة في المجتمعات الحديثة على تنظيم الاختلاف والتنافس والتحالف بين برامج ورؤى ومصالح قابلة للنقاش والحوار للوصول إلى ما هو مشترك، أما عندما يصبح الانتماء الطائفي لدى البعض محددًا رئيسيًا للمواقف والتحالفات السياسية تتراجع السياسة لمصلحة الهوية الطائفية. وهنا تبرز ثنائية ” نحن” و”هم” كأخطر آليات الخطاب السياسي الهوياتي، فبدل أن يكون المختلف السياسي مواطنًا مختلفًا في الرؤية والبرنامج يتحول إلى ممثل لجماعة ينظر بوصفها تهديدًا وجوديًا، وينتقل الخطاب من نقد الأفكار والسياسات إلى تصنيف الأفراد والجماعات وفق انتماءاتهم الأولية، وخاصة الطائفية، وعندما يحدث ذلك، تبدأ الدولة بالتراجع لمصلحة الجماعة.
النكوص الطائفي وأزمة المواطنة
لا يمكن فهم هذا النكوص الطائفي بمعزل عن أزمة المواطنة والثقة، فعندما يشعر الفرد بأن الدولة عاجزة عن توفير الحماية له، أو أن أمنه ومستقبله السياسي والاجتماعي مرتبطان بانتمائه الأولي، فإنه يميل إلى الاحتماء بالجماعة التي تمنحه شعوراً بالأمان والانتماء.
وقد عززت سنوات الحرب السورية هذا الميل نتيجة العنف، وتفكك الروابط الاجتماعية، وتراجع الثقة بالمؤسسات العامة، وتحول بعض الهويات الأولية إلى أطر للحماية والتضامن، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الهوية الطائفية من آلية دفاع اجتماعي إلى مشروع سياسي، عندها تصبح الطائفة معياراً للولاء والمواقف، ويصبح الآخر موضع اشتباه مسبق.
والطائفية بهذا المعنى، ليست مجرد استخدام لمفردات طائفية، وإنما بنية تبدأ بصورة نمطية وأحكام مسبقة، ثم تتحول إلى مشاعر من الخوف والرفض والعداء، وقد تنتهي إلى التمييز والإقصاء.
المفارقة: حداثة في اللغة وطائفية في الممارسة
الأكثر إثارة للقلق أن النكوص الطائفي برز لدى أشخاص يتحدثون عن الديمقراطية والدولة العلمانية والمواطنة، والبعض يعيش في دول أوروبا الديمقراطية، وهنا يبرز السؤال: كيف يمكن لمثقف أو سياسي يتبنى خطاباً علمانيًا حداثياً أن يعود عند أول اختبار سياسي أو اجتماعي على أرض الواقع إلى منطق ولغة الطائفة والجماعة؟
قد تكمن الإجابة في الفارق بين الحداثة بوصفها خطاباً والحداثة بوصفها ممارسة، فقد يمتلك السياسي لغة حداثية متقدمة، لكنه يحتفظ في العمق بلغة تقليدية طائفية تظهر عند الأزمات، خصوصاً عندما يشعر بأن جماعته مهددة، حيث تتراجع المفاهيم الحداثية المجردة أمام مفاهيم الطائفية: ” من معنا؟ ومن ضدنا؟ ومن ينتمي إلينا؟ .
فالمواطنة لا تُختبر في المؤتمرات والندوات، وإنما عندما يكون الآخر مختلفاً عنا ومخالفاً لنا، ومع ذلك نعترف بحقه الكامل في المشاركة والحماية والانتماء، هناك تحديداً يتبين إن كانت المواطنة قناعة راسخة أم مجرد خطاب للاستهلاك العام.
بعد سقوط نظام الأسد برزت الحاجة إلى إعادة تعريف المعارضة السياسية السورية على أساس وظيفتها داخل الدولة الجديدة، لا على أساس الانتماءات الأولية.
حين يتحول الخوف إلى رأسمال سياسي
من أخطر مظاهر النكوص الطائفي أن بعض السياسيين قد يجدون في المخاوف الجماعية مورداً لبناء النفوذ وتوسيع التأييد في هذه الجماعات الأولية، فالخوف أسرع في التعبئة من الخطاب الوطني، والانقسام قد يكون أكثر قدرة على إنتاج جماعة سياسية متماسكة تلتف حوله من البرامج السياسية، التي تحتاج إلى نقاش ومساءلة.
لكن هذا النوع من السياسة لا ينتج الاستقرار، بل ينتج رأسمالاً سياسياً قائماً على استمرار الخوف من الآخر، وحين يصبح وجود الآخر شرطاً لاستمرار النفوذ، يتحول الآخر إلى ضرورة سياسية لإعادة تعريف الذات.
المعارضة ليست هوية طائفية
بعد سقوط نظام الأسد برزت الحاجة إلى إعادة تعريف المعارضة السياسية السورية على أساس وظيفتها داخل الدولة الجديدة، لا على أساس الانتماءات الأولية.
فالمعارضة في الدولة الحديثة ليست معارضة طائفة لطائفة، ولا جماعة لجماعة، وإنما هي تنافس حول إدارة الشأن العام، ومساءلة السلطة، وتقديم البدائل، والدفاع عن الحقوق والحريات.
المعارضة الجادة تسأل: كيف نبني المؤسسات؟ كيف نحقق العدالة؟ كيف نعيد بناء الاقتصاد؟ كيف نضمن استقلال القضاء؟ وكيف نحمي الحقوق المتساوية لجميع المواطنين؟
أما حين يتحول خطابها إلى “نحن في مواجهة هم”، فإنها تفقد مضمونها السياسي وتتحول إلى تعبئة هوياتية أولية، ويصبح المجال العام ساحة صراع بين جماعات مغلقة بدلاً من أن يكون فضاءً للتنافس بين مشاريع سياسية.
لذلك فإن سقوط النظام الأسدي لا يعني تلقائياً سقوط البنى الثقافية والسياسية التي سمحت بإعادة إنتاج الاستبداد، مثل الخوف والإقصاء والتخوين واحتكار الحقيقة وعدم الاعتراف بالآخر.
وقد يكون التحدي السوري الأكبر هو السؤال: هل سيكون الانتقال السياسي انتقالاً في مؤسسات الحكم فقط، أم انتقالاً أيضاً في الثقافة السياسية التي تحكم علاقة السوريين ببعضهم وبالدولة؟
من سياسة الهوية الأولية إلى سياسة المواطنة























