من أخطر ما قامت به اتفاقية سايكس ـ بيكو المشؤومة ليس الخديعة الكبرى للشريف حسين بوعده الكاذب بإقامة مملكة عربية متحدة، ثم الانقلاب عليه بعد مساعدة للجيوش البريطانية الفرنسية بإسقاط السلطنة العثمانية بتجزيء الجغرافيا العربية في الشرق الأوسط إلى دول تنشأ لأول مرة في التاريخ (سوريا، لبنان، فلسطين، الأردن)، «بجرة قلم ومسطرة» كما قال رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل في مذكراته: «أنشأت بجرة قلم، دولة الأردن في ظهيرة أحد أيام الأحد في القاهرة». هذه الدول التي أنشئت حسب مخططات استعمارية تحولت نفسها إلى أكبر المدافعين عن حدود سايكس ـ بيكو.
التقسيم إلى دول كان أيضا تقسيما للمجتمعات، والعشائر، والعائلات حسب مرور جرة القلم «الاستعماري»، حتى العائلة الواحدة تحول جزء منها إلى جنسية لبنانية، وآخر إلى الجنسية السورية، أو الأردنية، أو الفلسطينية.. ولهذا السبب كان استخدام كلمة طوائف بدل الطائفة في مقالي، إذا تم الأخذ اليوم بالحديث عن الطائفة الدرزية، لأنها فعلا تحولت إلى طوائف ربما متجانسة حسب العقيدة، ولكنها مختلفة حسب الجنسية، والانتماء السياسي، وعلاقاتها مع السلطات الحاكمة الجديدة على مختلف أنظمتها السياسية، بعد أن كانت تتعامل مع الباب العالي فقط، بحيث توزعت طائفة الموحدين الدروز على ثلاث دول بشكل أساسي: سوريا، لبنان، دولة الاحتلال الإسرائيلي. فمع الحرب الدائرة في الضفة الغربية وغزة ومشاركة الدروز فيها، والأحداث التي وقعت في سوريا في السويداء وجرمانا، وأشرفية صحنايا، عاد الحديث عن الدروز ضمن الصراع العربي الإسرائيلي، فالحديث عن الدروز في دولة الاحتلال، الذين تحولوا إلى إسرائيليين يختلف عن باقي الطوائف الدرزية، كونهم ينخرطون في الجيش الإسرائيلي ويوجدون على مختلف الجبهات في المواجهات مع الفلسطينيين، واللبنانيين، والسوريين، وحسب الباحث والمؤرخ الفلسطيني قيس ماضي فرّو في كتابه «الدروز في زمن الغفلة من المحراث الفلسطيني إلى البندقية الإسرائيلية»، يوضح كيف تحولت هذه الطائفة البالغ عدد أفرادها حينذاك (17 ألف فرد، حاليا 150 ألفا) من مكون فلسطيني في ثلاثينيات القرن الماضي، وانخراطها في الحركة الوطنية الفلسطينية، ومقاومة الاحتلال البريطاني إلى جانب المسلمين والمسيحيين إلى اندماجها في المجتمع الإسرائيلي.
نجحت الدولة الصهيونية في دق إسفين التفرقة بين الطائفة الدرزية لسلخها عن مجتمعها الذي عاشت معه وعانت ما عانى من كل ما جرى على الساحة الشرق أوسطية من ويلات وحروب ونزاعات
وكيف أن الحركة الصهيونية درست المجتمعات العربية ووضعت مخططاتها، حسب التقسيمات الطائفية، واستغلالها لتفتيت المجتمعات، وكان من خططها تهجير دروز فلسطين إلى جبل الدروز في سوريا وتعويضهم عن أراضيهم التي يتخلون عنها لليهود، وحسب فرو تم تجميد «الترانسفير» بعد رفض الزعيم الدرزي في سوريا سلطان الأطرش لهذه الفكرة، وأطلق عدة نداءات لهم برفض التجنيد، ورفض خدمة المشروع الصهيوني، والاتجاه نحو العودة إلى الوحدة العربية. ويؤيده في ذلك قسم من الطائفة في الأراضي المحتلة (غالبا ما تُصوِّر السرديات الصهيونية الدروز ككيان موحّد ومتجانس، وموالٍ بشكل كامل للحركة الصهيونية، فيما يرى فرّو أن هذه السرديات تتجاهل التنوع الفكري والمواقف السياسية المختلفة داخل المجتمع الدرزي تجاه المشروع الصهيوني)، ويستشهد بالشاعر سميح القاسم صاحب القصيدة الشهيرة «مرفوع الهامة أمشي»، كنموذج للمقاومة الثقافية، بالمقابل الشيخ سلمان طريف رأى أن انضمام شباب الطائفة إلى التجنيد في الجيش الإسرائيلي ليس عيبا، قابله الشيخ أمين طريف، الذي عارض التجنيد الإجباري، قائلا: «إنه يجلب الأخلاق السيئة إلى أبنائنا، ويلطّخ اسم الطائفة في البلاد العربية». ومن المعروف أن الكثير من شباب الموحدين شاركوا في ثورة القسام، وكذلك في الجيش العربي إلى جانب فوزي القاوقجي.
في نهاية الأمر بقي الدروز في أراضيهم، وتم الاعتراف بهم كطائفة دينية مستقلة في عام 1957 وفرض عليهم التجنيد الإجباري، بينما لم يجبر المسلمون والمسيحيون على الخدمة الإلزامية، وأدخلت الصهيونية مفهوم «حلف الدم»، وحسب فرو يعتمد على موروث ديني يزعم أنه يعود إلى لقاء النبي موسى بصهره النبي شعيب (المقدس من الدروز واليهود) الذي سهّل اندماج الشباب الدروز في جيش الاحتلال، وتحولهم من مجتمع زراعي إلى انخراطهم «ارتزاقيا» في مؤسسات الدولة، وإلى هوية درزي إسرائيلي، وإسقاط نسبهم للعرب كما كانوا سابقا، ويتمتعون بمناهج تعليمية مرتبطة بهم وتركز على علاقتهم باليهود، ولكن لا يزال يظهر بين شباب الطائفة من يعارض هذا النهج. حتى بعد إعلان «حلف الدم» الذي أدى إلى الولاء للدولة اليهودية ومشروعها الصهيوني، ما زالت الهوية الدرزية العربية عرضة للتنازع الداخلي، في عام 2016، انطلقت حركة درزية من مجموعة من الشبان تحت شعار «ارفض شعبك يحميك» رفضا للتجنيد الإجباري، وعرفت منسقة الحركة ميسان حمدان الحركة بأنها «إطلاق فرق الدعم للحراك الموجودة في الضفة الغربية المحتلة، والأردن، ولبنان. انبثقت هذه الفرق وتشكلت بعد جلسات الحوار واللقاء التي انعقدت في شهر أغسطس 2016 في العاصمة الأردنية عمّان. ونحن نعتقد أن عملنا ضد التجنيد الإجباري يساهم في التصدّي لمحاولات تشرذمنا، كما يصب في إعادة صياغة هوية جمعية لنا كشعب، بغض النظر عن مواقع وجودنا». لكنها لم تنجح في مسعاها، بل إن الشباب الدرزي قدم عونا لدولة الاحتلال في الإبادة الجماعية للفلسطينيين، ولا بد أن أذكر هنا أن الدروز السوريين الذين، وبعد حرب 67 واحتلال الجولان والموجودين في 4 قرى (مجدل شمس، ومسعدة، وبقعاتا، وعين قنيا) رفضوا الهوية الإسرائيلية والتجنيد بطبيعة الحال وأصبحوا مجموعة تعيش على هامش دولة الاحتلال) لكن وبعد انتصار الثورة السورية حاولت دولة الاحتلال التدخل في الشأن الداخلي السوري وخاصة بعد أحداث السويداء وصرحت بأنها تقوم بحماية دروز سوريا، ودعم حركة شيخ العقل حكمت الهجري بالانفصال عن سوريا، وإنشاء ما سمي (دولة جبل باشان) يدعمه في ذلك شيخ العقل لطائفة الدروز في إسرائيل موفق طريف، وتم رفع العلم الأزرق في ساحة السويداء. وهنا أيضا أحدثت هذه العملية شرخا كبيرا في الطائفة الدرزية في سوريا، التي يرفض الجزء الأكبر من أبنائها ومن شيوخ العقل (حمود الحناوي، يوسف جربوع، ليث البلعوس) الانفصال والوقوف إلى جانب المخططات الصهيونية. وكذلك الأمر بالنسبة للطائفة الدرزية اللبنانية، في التخلي عن عروبتهم، وتاريخهم النضالي ضد الاحتلال والمشاريع الاستعمارية، ولا أحد ينكر نضالات الزعيم الدرزي الكبير كمال جنبلاط، ونجله وليد جنبلاط، وشكيب أرسلان، الذين لهم تاريخ طويل في مواجهة الهجمات الصهيونية، وكان لموقف وليد جنبلاط في رفض مشروع «دولة جبل باشان» وزيارته لسوريا ولقائه بالرئيس أحمد الشرع استحسانا كبيرا لدى جميع الأطراف المعارضة للتدخل الصهيوني في سوريا بمن فيهم الدروز أنفسهم.
وهكذا يتبين أن الطائفة الدرزية الواحدة التي كانت ومنذ القرن الحادي عشر موحدة متماسكة ومتمسكة في عقيدتها، وأرضها، وثوابتها رغم كل ما مرّ عليها من أحداث، وفواجع نجحت الدولة الصهيونية في دق إسفين التفرقة بينها لسلخها عن مجتمعها الذي عاشت معه وعانت ما عانى من كل ما جرى على الساحة الشرق أوسطية من ويلات وحروب ونزاعات.
كاتب سوري
- القدس العربي





















