هناك شيء ما يتغير في سوريا، أعمق من الأخبار اليومية التي تبدو، للوهلة الأولى، مجرد ترتيبات عسكرية أو إدارية. استعادة الدولة سلطتها على مطار حميميم ومرفأ طرطوس، وما يرافق ذلك من إعادة تنظيم للعلاقة مع روسيا، يمكن النظر إليها بوصفها علامة على مسار أوسع: سوريا تستعيد، خطوة وراء خطوة، وضعها الطبيعي كدولة ذات سيادة، بعد سنوات طويلة تحولت خلالها إلى ساحة مفتوحة للجيوش الأجنبية ومناطق النفوذ والمشروعات المتنافسة. وهذا ما يجعل المسألة مؤلمة لمن بنوا حساباتهم على استمرار الوضع الاستثنائي.
خلال السنوات الماضية، ظهرت رهانات كثيرة على أن سوريا لن تعود إلى ما كانت عليه كدولة واحدة. لكنها -أي الرهانات- انتقلت بعد التحرير من محاولة الحفاظ على النظام نفسه إلى البحث عن صيغة أخرى تحفظ شيئاً من الجغرافيا التي ارتبطت به. وكان الساحل في قلب هذه الحسابات، إلى جانب الاعتماد على دور ما للوجود العسكري الروسي كي يحمي منطقة نفوذ، فيفرض واقعاً جديداً، أو يمنح مشروعات التقسيم والفدرلة مساحة أطول للحياة.
كان منطق أولئك يقول: إذا تعذر استمرار النظام، يمكن الاحتفاظ بجزء من إرثه الجغرافي والسياسي، والاستناد إلى قوة خارجية. لكن الوقائع بدأت تتحرك في اتجاه آخر. وهنا تأتي استعادة الدولة سلطتها على حميميم وطرطوس بمعنى يتجاوز المطار والمرفأ. هي تقول إن هذه الأماكن تعود إلى خريطة الدولة السورية، وإن الوجود الروسي نفسه يصبح موضوعاً للتفاوض بين دولتين، لا واقعاً مفروضاً على بلد فقد قدرته على تقرير مصيره.
هنا تبدأ المشكلة الحقيقية بالنسبة إلى أصحاب تلك الحسابات. فما يدمر تصورهم قد لا يكون قراراً اتخذته السلطة الجديدة بهدف تحطيمهم. ربما الأمر أبسط وأقسى في الوقت نفسه، إنه أمر “سوريا التي تستعيد وضعها الطبيعي”!
هذا لا يعني أن البلاد أصبحت مستقرة، وقُضِيَ على مشكلاتها، ولا أن السوريين صاروا متفقين على شكل الدولة ومستقبلها. المقصود أن البلاد بدأت تخرج من الحالة التي جعلت كل منطقة فيها قابلة لأن تتحول إلى قضية دولية، وكل نزاع محلي قابل لأن يصبح ذريعة لتدخل خارجي، وكل قوة مسلحة قادرة على تقديم نفسها باعتبارها مشروعاً سياسياً مستقلاً.
حين تستعيد الدولة المطار والمرفأ، يصبح السؤال: ما طبيعة العلاقة التي ستنشأ مع روسيا؟ وإذ يعود الساحل إلى النقاش السوري العام، يغدو السؤال: كيف ستتم حماية أهله، وضمان أمنهم، ومعالجة آثار الحرب، وإعادة بناء الثقة؟ وعندما تتراجع احتمالات تحويل منطقة ما إلى كيان دائم الحماية الخارجية، يعود السؤال إلى مكانه الطبيعي: كيف يعيش سكان هذه المنطقة داخل الدولة السورية؟ وهذه الأسئلة تختلف عن تلك التي كانت تطرح في زمن الخرائط المفتوحة.
لذلك ربما يمكن استعارة المراحل الخمس الشهيرة لتقبل الصدمة، مع قدر من السخرية السياسية: الإنكار، الغضب، المساومة، الاكتئاب، ثم القبول. الإنكار جاء مبكراً، مع الاعتقاد بأن سقوط النظام يمكن أن يكون تفصيلاً عابراً، وأن بنيته قادرة على إنتاج نفسها في صورة أخرى. ثم جاء الغضب، فصار كل تطور في سوريا الجديدة دليلاً على مؤامرة، وكل حديث عن السيادة مقدمة لإقصاء جماعة أو قمع منطقة.
بعد ذلك أتت المساومة. هنا يظهر الخارج مجدداً: روسيا في الساحل، وإسرائيل في الجنوب وربما قوى أخرى. البحث عن ترتيبات تحفظ ما يمكن حفظه، وعن خطوط حمراء، وعن مناطق نفوذ، وعن ضمانات تمنع عودة الدولة إلى كامل جغرافيتها السياسية.
أما الآن، فقد نكون أمام بداية المرحلة الرابعة: الاكتئاب. الاكتئاب السياسي هو لحظة اكتشاف أن الرهان الذي بدا ممكناً صار ضيق الاحتمالات. أن القوة الخارجية التي عُلقت عليها الآمال تتعامل مع الوقائع كما هي. وأن موسكو نفسها، مهما حرصت على علاقات مناطقية، تحتاج إلى التفاهم مع الدولة السورية حول وجودها ومصالحها.
وهنا تكمن المفارقة: كان بعضهم ينتظر من روسيا تثبيت واقع جديد، فإذا بها تفاوض على وجودها داخل سوريا. وكان آخرون يراهنون على الفوضى الساحلية أو استمرار التوترات لمنع الدولة من استعادة حضورها، فإذا بالزمن يعمل في الاتجاه المعاكس.
هذا كله لا يعني أن الطريق صار سهلاً. الساحل، كما أي منطقة سورية، يحتاج إلى معالجة عميقة؛ فهناك خوف ودم وثأر وانعدام ثقة، وأي تعامل أمني أخرق يمكن أن يعيد إنتاج المشكلة ويمنح أصحاب المشروعات الخارجية مادة جديدة. وتثبيت سلطة الدولة يحتاج قبل أي شيء إلى دولة عادلة قادرة على حماية الناس ومحاسبة المرتكبين. والأمر نفسه ينطبق على المناطق الأخرى، حيث تعني استعادة الدولة لجغرافيتها استعادة معنى المواطنة والقانون والمساواة.
ثمة فرق هائل بين دولة تواجه مشكلاتها داخل حدودها، ودولة تتوزع على أرضها الجيوش الأجنبية ومناطق النفوذ. حين كانت سوريا موزعة هكذا، بدت مشروعات التقسيم ممكنة. ومع استعادة الدولة سيادتها، تضيق المساحة التي عاشت فيها هذه المشروعات. من هنا يمكن فهم ما يجري: القضية تعود إلى إطارها السوري. مستقبل الساحل يصبح مرتبطاً بمستقبل سوريا، لا بترتيب خارجي خاص به. وهذا ما يربك أصحاب الحسابات القديمة. قد يبدو لهم أن السلطة تسحب الأرض من تحت أقدامهم، بينما الذي يتغير فعلاً هو الواقع الذي سمح لهم بتلك التصورات.
لذلك قد تكون المرحلة القادمة أقل إثارة من الحرب، وأكثر قسوة على أصحاب الحسابات القديمة. إنها مرحلة القبول بأن سوريا لن تكون كما أرادها الذين امتلكوا السلاح، ولا كما تخيلها الذين امتلكوا الخرائط، ولا كما اشتهتها القوى التي رأت فيها ساحة نفوذ مفتوحة.
سوريا التي تستعيد مطاراتها وموانئها ومؤسساتها تبقى مليئة بالمشكلات والصراعات، لكنها تعود في النهاية إلى السؤال الأصعب: كيف يحكم السوريون سوريا؟ وربما هذه هي الحقيقة التي تحطم كثيراً من الحسابات.
- الثورة السورية





















