عاد ملف السجناء السوريين الذين نُقلوا من سجون كانت تديرها “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) في شمال شرقي سورية إلى العراق مطلع العام الحالي، إلى واجهة الاهتمام، بالتزامن مع التحركات القضائية بين دمشق وبغداد لبحث أوضاعهم القانونية ومصيرهم. ومن بين هؤلاء، آلاف السوريين الذين نُقلوا ضمن دفعات من المحتجزين المتهمين بالانتماء إلى تنظيم “داعش”، وسط مطالب من عائلات سورية بإعادتهم إلى بلادهم وإعادة النظر في الملفات التي استند إليها اعتقالهم. وبحسب ما أعلنت السلطات العراقية، فإن عدد السوريين الذين تسلمهم العراق يزيد على ثلاثة آلاف شخص، من أصل نحو 5700 محتجز نُقلوا من سجون شمال شرقي سورية، وينتمون إلى عشرات الجنسيات. وكانت عملية النقل قد حصلت بعد التحولات التي شهدتها المنطقة وسيطرة القوات الحكومية السورية على مناطق كانت خاضعة لـ”قسد”، في وقت كان فيه ملف معتقلي “داعش” واحداً من أكثر الملفات الأمنية والقضائية تعقيدا في سورية والعراق.
أوضاع السجناء السوريين في العراق
وفي 13 أغسطس/آب الحالي، اتفقت دمشق وبغداد على تشكيل فرق قضائية مختصة لمتابعة أوضاع السجناء السوريين في العراق، وتبادل المعلومات والوثائق المتعلقة بملفاتهم، وذلك خلال لقاءات رئيس مجلس القضاء الأعلى العراقي فائق زيدان في دمشق مع الرئيس السوري أحمد الشرع ومسؤولين سوريين، بينهم وزير العدل خالد شواني وأعضاء مجلس القضاء الأعلى. ويفتح الاتفاق الباب أمام معالجة ملف ظل لسنوات مرتبطاً بإدارة قوات “قسد” للسجون ومخيمات الاحتجاز في شمال شرقي سورية، وبالدور الذي أداه التحالف الدولي في مكافحة تنظيم “داعش”. إلا أن الخطوة تثير في الوقت ذاته أسئلة بشأن مصير المعتقلين الذين تؤكد عائلاتهم أنهم لا ينتمون إلى التنظيم، وأن اعتقالهم تم لأسباب أخرى، بينها تقارير كيدية أو مواقف سياسية أو قضايا جنائية.
محمد الخلف: هناك أشخاص اعتُقلوا في الأصل على خلفية جرائم جنائية، قبل أن يُدرجوا ضمن ملف المتهمين بالانتماء إلى “داعش”
وتقول عائلات عدد من المعتقلين السوريين إن إدراج أبنائها ضمن قوائم المنتمين إلى “داعش” لا يعني بالضرورة ثبوت هذه الصلة قضائياً. ويطالب الأهالي بإعادة التحقيق في الملفات، وإطلاق سراح كل من لا تثبت بحقه أدلة على ارتكاب جرائم أو الانتماء إلى التنظيم. في السياق، توضح غادة العلي، من مدينة اليعربية في محافظة الحسكة في حديثٍ لـ”العربي الجديد” أن شقيقها اعتُقل، على خلفية تقرير كيدي، وكان من المفترض أن يخرج بعد فترة قصيرة، قبل أن تفاجأ العائلة بنقله إلى العراق مع المتهمين بالانتماء إلى “داعش”. وكذلك محمد سومر من محافظة الحسكة، الذي يقول لـ”العربي الجديد”، إن شقيقه صيدلي كان يعمل في سجن الصناعة، وإنه اعتُقل بعد العصيان الذي وقع في السجن، من دون أن تعرف العائلة التهمة المحددة الموجهة إليه، قبل أن ينقل لاحقاً إلى العراق. ويؤكد سومر أن شقيقه لا علاقة له بالتنظيم.
وتتكرر روايات مشابهة لدى عائلات أخرى، إذ يفيد إبراهيم عباس، من أبناء قرية الظاهرية شرق القامشلي، بأن اثنين من أقاربه، عبد العظيم أحمد عباس وعلاء الدين حسن عباس، اعتقلتهما “قسد” عام 2017 بسبب معارضتهما لنظام بشار الأسد المخلوع، مؤكداً أنهما لا علاقة لهما بالتنظيم. ويشير إلى أن العائلة كانت تزورهما في سجون شمال شرقي سورية، قبل أن تفاجأ بنقلهما إلى العراق ضمن المعتقلين المتهمين بالانتماء إلى التنظيم. ولا تقتصر المطالب على حالات فردية، إذ يقول ناشطون إن هناك مجموعات من المعتقلين لا تزال عائلاتهم تجهل مصيرهم، بينهم ممرضون وفنيون طبيون كانوا موجودين في سجن الصناعة واعتُقلوا خلال أحداث عام 2022. كما يشير الناشط محمد الخلف في حديثٍ مع “العربي الجديد”، إلى وجود أشخاص اعتُقلوا في الأصل على خلفية جرائم جنائية، قبل أن يُدرجوا ضمن ملف المتهمين بالانتماء إلى “داعش”. ويرى الخلف أن الضغط الشعبي قد يكون ضرورياً لدفع الحكومة السورية إلى إعطاء الملف أولوية في اتصالاتها مع بغداد، معتبراً أن المناشدات السابقة لم تحقق نتائج ملموسة.
ويعتبر الباحث درويش خليفة أن زيارة رئيس مجلس القضاء الأعلى العراقي فائق زيدان إلى دمشق تتجاوز في دلالاتها مجرد التنسيق الأمني، لكنه يشدّد على ضرورة مراجعة ملفات جميع المتهمين بصورة دقيقة. ويوضح خليفة في حديثٍ مع “العربي الجديد”، أنه يجب التمييز بين من كان مجرد متهم وبين من تثبت مشاركته الفعلية في نشاط التنظيم، على أن يحاكم كل شخص وفق الأدلة والقانون. ويحذّر خليفة من أن إهمال الملفات، خصوصاً القضايا المرتبطة بالإرهاب، قد يؤدي إلى فقدان الثقة بالجهاز القضائي في البلدين، معتبراً أن حسمها يمكن أن يشكّل مدخلاً لمعالجة ملفات أخرى في العلاقات السورية ـ العراقية.
من جانبه، يرى الباحث في مركز جسور وائل علوان في حديث مع “العربي الجديد”، أن ملف المعتقلين المتهمين بالانتماء إلى “داعش” يمثل معضلة كبيرة، لكن التطورات التي شهدتها المنطقة، ومنها مسار دمج “قسد” بالحكومة السورية وانضمام دمشق إلى التحالف الدولي ضد الإرهاب، يمكن أن توفر مدخلاً لمعالجة الملف. ويقول علوان إن العدد الأكبر من المعتقلين هم من السوريين، وإن الحكومة السورية يفترض أن تكون الجهة السيادية المسؤولة عن التحقيق مع مواطنيها، بالتنسيق مع التحالف الدولي. لكنه يشير في الوقت نفسه إلى أن هناك حاجة لإعادة التحقيق في بعض الملفات، لأن اعتقال الشخص من جانب “قسد” وإدراجه ضمن قوائم المتهمين لا يعني بالضرورة ثبوت انتمائه إلى التنظيم.
ويطرح خبراء قانونيون مقاربة تقوم على تصنيف المعتقلين وفق وضعهم القضائي بدلاً من التعامل معهم بما هم مجموعة واحدة. ويشير هؤلاء إلى أن مجرد اتهام شخص من قبل “قسد” أو إدراج اسمه في سجل أمني لا يكفي، من حيث المبدأ، لإثبات انتمائه إلى التنظيم، ما يقتضي إنشاء آلية قضائية سورية ـ عراقية مشتركة تفرز المحتجزين إلى فئات واضحة بين من لا توجد بحقهم أدلة قضائية جدية، وهؤلاء ينبغي إطلاق سراحهم وإعادتهم إلى سورية، وموقوفين لم تصدر بحقهم أحكام عراقية، ويمكن بحث تسليمهم إلى سورية لمحاكمتهم، وأشخاص متهمين بجرائم ارتكبت داخل العراق أو بحق عراقيين، وهؤلاء قد تكون للعراق أولوية في محاكمتهم، وفق المحامي المعتصم الكيلاني.
ويرى الكيلاني في حديثٍ مع “العربي الجديد”، أن الذين صدرت بحقهم أحكام عراقية نهائية، تختلف أوضاعهم قانونياً، وقد يتطلب نقلهم إلى سورية اتفاقاً أو ترتيباً ثنائياً يتيح تنفيذ بقية العقوبة هناك. كما يلفت إلى ضرورة التحقيق في ادعاءات الاعتقال الكيدي أو التعذيب، وضمان حق المتهمين في الاطلاع على ملفاتهم والطعن في قانونية توقيفهم.
درويش خليفة: يجب التمييز بين من كان مجرد متهم وبين من تثبت مشاركته الفعلية في نشاط التنظيم
ونظّم أهالي المعتقلين عددا من الاعتصامات والوقفات الاحتجاجية خلال الأشهر الماضية للمطالبة بالكشف الكامل عن قوائم المعتقلين والمغيبين قسراً وأماكن احتجازهم، والسماح للجان الدولية والمستقلة بزيارة مراكز الاحتجاز. ويقول الأهالي إن استمرار غياب المعلومات عن مصير أبنائهم يضاعف معاناتهم، خصوصاً أن بعض المعتقلين أمضوا سنوات في الاحتجاز قبل نقلهم إلى العراق، من دون أن تعرف عائلاتهم بشكل واضح التهم الموجهة إليهم أو الأدلة التي تستند إليها.
حلول تدريجية؟
والاتفاق الأخير بين دمشق وبغداد قد يمثل خطوة أولى نحو حسم مصير آلاف السوريين الموجودين في العراق، لكنه لا يعني تلقائياً إطلاق سراحهم أو عودتهم إلى سورية. مصير كل محتجز سيتوقف، من الناحية القانونية، على طبيعة الملف والأدلة المتوافرة والأحكام التي صدرت أو قد تصدر بحقه. وتواجه دمشق، في حال تسلمت مواطنيها، تحديات أمنية وقضائية تتعلق بأماكن الاحتجاز وإجراء المحاكمات وضمان عدم فرار المتهمين أو تعرض السجون لهجمات. كما يطرح نقل المعتقلين إلى سورية سؤالاً حول الجهة التي ستتولى إدارة السجون وحراستها، في ظل استمرار الترتيبات الأمنية غير المكتملة في شمال شرقي البلاد. وبالنسبة إلى الأهالي، يبقى المطلب الأساسي أكثر بساطة: معرفة مصير أبنائهم، والاطلاع على الأدلة التي أدت إلى اتهامهم، وإعادة محاكمة من تستدعي حالته ذلك، وإطلاق سراح من لا تثبت إدانته.
وبينما ترى دمشق وبغداد أن الملف يحتاج إلى معالجة أمنية وقضائية منظمة، تعتبر العائلات أن أي حل لا يميز بين عناصر “داعش” والمتهمين الذين لا تثبت صلتهم بالتنظيم سيُبقي القضية مفتوحة. ولذلك، فإن نجاح الفرق القضائية المشتركة لن يقاس فقط بعدد السجناء الذين ستتم إعادتهم، بل بقدرتها على الوصول إلى ملفاتهم، والتحقق من الأدلة، وضمان محاكمات عادلة، وإنهاء سنوات من الغموض الذي يحيط بمصير آلاف السوريين وعائلاتهم.
- العربي الجديد





















