اضطر ناشطون موالون للتعبير عن غضبهم عندما شاع نبأ وفاة محمد غميرة، متأثراً بالتعذيب الذي لاقاه أثناء احتجازه في مخفر الحفّة- محافظة اللاذقية. لكن هؤلاء النشطاء على السوشيال ميديا سرعان ما استدركوا بالتوضيح، وبالقول إنهم ينتقدون السلطة من باب دعمها ومحبتهم لها، وليسوا على شاكلة أولئك المعارضين الذين يتصيّدون أخطاءها، ويريدون لها الفشل.
استدراك نشطاء الموالين صار معهوداً ومتوقّعاً، فهو سلوك نمطي يظهر مع كل انتقاد للسلطة، حيث يصعب أحياناً إيجاد الأعذار والمبررات، أو يستلزم تدبيرها بعض الوقت. وهو سلوك يستهدف تجريد معارضي السلطة من أحقيتهم بأي نقد، حتى إذا كان موضوعه مشروعاً من وجهة نظر الموالين. الفكرة الأساسية هي احتكار القول لمصلحة الموالين، وتجريد خصوم السلطة حتى من حقهم في ممارسة أبسط أشكال النقد.
كان بشار الأسد نفسه سبّاقاً في التعبير عن المبدأ ذاته، فقبيل وراثته الرئاسة وفي بدايات عهده تكلّم عن قبول الرأي الآخر. ثم، عندما قرر أن يسفر عن طبيعته في التسلّط، خرج بخطاب شهير، وضحك ضحكته الشهيرة وهو يقول: تكلّمنا عن الرأي الآخر فظنّ البعض أنهم هم الرأي الآخر. وكان حينها يسخر من نشطاء المعارضة، ويقول في الوقت نفسه إنه مع بطانته يحتكرون الرأي والرأي الآخر. وصدور هذا الكلام عن بشار الأسد يُفترض أنه منسجم مع بنية سلطته، بخلاف ما يقوله موالو اليوم الذي ينفون أن تكون السلطة الحالية احتكارية على النمط السابق، بل لا يتوقفون عن الإشادة بما يعتقدونه منسوباً غير مسبوق من الحريات.
احتكار القول هو مرحلة متقدّمة ضمن البنية الاحتكارية عموماً، وإذ يحلو لأبناء السلطة استخدام كلمة “السردية” في هذا السياق فهم يُظهرون جشعاً واستعجالاً للاستحواذ على “السردية” العمومية لتكريس وجهة نظر وحيدة وفرضها على الجميع. من دون أن يُقال هذا علناً، فإن الهيمنة المطلقة هي فحوى هذا النزوع، الهيمنة التي ترفض فكرة المعارضة من أساسها. هذا ليس بجديد في سوريا وفي المنطقة ككل، الجديد هو فعل ذلك باسم الثورة، الثورة التي انطلقت ضمن موجة الربيع العربي للمطالبة بالحرية والديموقراطية.
وإذا أردنا صياغة المطلب بمفردات أخرى، فالثورة قامت من أجل أن يكون هناك معارضة، على نحو مستدام مهما كانت السلطة. وهذا يُفترض أن يكون بمثابة توجه راسخ، لأنه يتعلق بالنظام السياسي، ويجب تالياً عدم النيل من أية معارضة من أجل النيل من أحقية المعارضة، وأسوأ معارضة في الكون هي أفضل من “لا معارضة”. وفي النظام الديموقراطي، القانون هو من يحدد المعارضة المحظورة، ولا يحق لأحد ضمن الجدل السياسي أن يضع دفتر شروط ومواصفات للمعارضة المقبولة، فهذا بالضبط هو سلوك الاستبداد، ومنه الاستبداد السابق، حيث يخلص دفتر الشروط والمواصفات إلى النتيجة المعروفة: لا معارضة.
من الحق المطلق بالمعارضة تأتي أحقية الأخيرة في القول وفي الفعل بمعناهما العميق والواسع، وممارسة هذا الحق، والقبول به من الآخرين، هو محكّ القبول بفكرة الوطن، لا اعتباره مزرعة خاصة. الكلام “مثلاً” في قضية مثل القتل تحت التعذيب لا يحتاج استئذاناً، ولا كشفاً عن نوايا الذين يتكلمون، وعمّا إذا كانوا يحملون الودّ للسلطة أم لا. في الأصل إن العلاقة التي تربط الجميع بالأخيرة رهنٌ بأدائها، وليست قرابة أو علاقة اجتماعية تحتمل الود والمجاملة. في الأصل ليس مطلوباً من أحد أن يترفّق وهو يطالب بما هو حق، وإلا تكون المطالبة كأن لا حق له، وكأن ما سيحصل عليه “مَكْرمة”، وقد عاش السوريون عقوداً وهم يمتدحون المكرمات، ويستكثر عليهم البعض أن يطالبوا بحقوقهم بكرامة.
من المخزي أن تستعاد أقوال لم يمضِ وقت كافٍ لينساها السوريون، وينسوا كيف استخدمت إلى وقت قريب. من المخزي أن يُقابل نقد السلطة بالسؤال: ما البديل؟ وكأنّ على كل مَن ينتقد تقديم تصوّر عن بديل للسلطة! لكن السؤال أصلاً لا يتحرّى البديل حقاً، بل هو ليُقال أن لا بديل عن السلطة، وتالياً يجب القبول بها كما هي، بلا نقد. على الأقل منذ اندلاع الثورة عانى الذين التحقوا بها من سؤال البديل، الذي كان يُطرح داخلياً من أنصار الأسد، وخارجياً من مختلف القوى التي لا تريد التغيير ولا تريد حتى تحسين الموجود. تبقى الإشارة إلى أن السؤال بحد ذاته مهين لعموم السوريين، إذ يضمر فكرة الاستثناء الذي لا بديل له، في حين ثاروا من أجل ألا يكون هناك استثناء، وأن يتم تداول السلطة الذي يدحض أيضاً فكرة الاستثناء.
الذين لا يريدون المعارضة من حيث المبدأ، ويسوقون مختلف الذرائع لتقويض فكرة المعارضة من أساسها، عليهم القبول بكل ما يرونه هم أخطاء للسلطة، وعليهم القبول بواقع أن سلطة بلا معارضة حقيقية من شأنها أن تتورط أكثر فأكثر في إغواء التسلط. الخوف لا يأتي من استغلال أخطاء السلطة من قبل قوىً خارجية، أو من قبل “متصيّدين” كما يزعم الموالون؛ الخوف الدائم في كل زمان ومكان أن تمر الأخطاء بلا محاسبة، وبلا “متصيّدين” يستغلونها ويضخّمونها كي لا تطمع السلطة في المزيد.
لقد قُتل شخص تحت التعذيب. نبأ صادم، ومن المشين أن ينصرف الموالون إلى محاولات التهوين منه، مع محاولة احتكارهم حق القول في هذه القضية، وألا يميزوا بين الحرص على السلطة والحرص على البلد. نشير إلى أنها ليست سابقة، فمثلاً أثيرت الشبهات حول مقتل يوسف لباد- دمشق تحت التعذيب في أواخر شهر تموز 2025، وأيضاً حول مقتل عبدالرحمن جعجول في مخفر الكلاسة- حلب، في آب 2025. وحينها تعامل الموالون مع مقتلهما بما يتراوح بين الإنكار وإيجاد الأعذار، وأُعلن عن لجان للتحقيق، ثم لم يظهر إلى العلن تقرير ذو صدقية، ولم تُتابع قضيتهما بما تستحقان بذاتهما وبدلالاتهما.
الحديث، في هذه المناسبة وما يماثلها، عن معارضة وسلطة هو في الأصل غير دقيق. هناك سلطة تمسك بمقاليد الأمور، وهناك “معارضون” يمارسون في الحد الأقصى حرية الرأي والتعبير. ما يجب أن يكون أساسياً هو حق السوريين بعمومهم في أن يكون لهم كلمة، وكلمة مسموعة أيضاً في شؤونهم؛ هذا أقل ثمن لقاء معاناتهم مع الاستبداد. أما الجائزة الأكبر فهي أن تصبح لديهم حياة سياسية حقيقية وواقعية، وأن يتمكن شخص ما من الاحتفال بذلك، ربما بالقول: هرمنا في انتظار أن يكون لدينا معارضة قوية.
- المدن


























