في لحظة فارقة من تاريخ المنطقة شرقي سوريا، وفي قلب مدينة القامشلي التي تحتفي بمئويتها الأولى، أطلق القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية، مظلوم عبدي، تصريحات حملت في طياتها ملامح تحول جذري في المشهد السوري العام.
جاء ذلك بعد أن أعلن عبدي بكل وضوح انتهاء عملية دمج المؤسسات العسكرية والأمنية والإدارية التابعة للإدارة الذاتية ضمن هيكلية الدولة السورية، مؤكداً أن المرحلة المقبلة ستكون محكومة بسقف القانون الوطني السوري، مع استمرار النضال السياسي لانتزاع الضمانات الدستورية.
هذا الإعلان، الذي جاء وسط حشد جماهيري احتفالي، لم يكن مجرد استعراض لتاريخ المنطقة وتنوعها الثقافي، بل كان بمثابة إشهار لانتهاء حقبة سلطة الأمر الواقع العسكرية، وبداية الانخراط في سوريا الجديدة بناءً على اتفاق التاسع والعشرين من كانون الثاني.
حل “قسد” أم إعادة تموضع داخل الدولة؟
ووفقاً لعبدي، فإن مرحلة اندماج المؤسسات العسكرية والأمنية والإدارية ضمن مؤسسات الدولة قد انتهت، ومن اليوم فصاعداً بدأت مرحلة جديدة، وهو ما فتح الباب أمام قراءات متباينة حول ما إذا كان هذا التصريح إعلاناً ضمنياً بحل “قسد” وذراعها الإداري، أم هو إعادة تموضع ذكية داخل كنف الدولة السورية.
ويرى مراقبون أن حديث عبدي عن “انتهاء الدمج” يعكس واقعاً ميدانياً وإدارياً بدأ يتبلور خلف الكواليس، حيث دعا سكان المنطقة صراحة إلى حماية المؤسسات التي تأسست خلال السنوات الماضية والحفاظ عليها، لكن ضمن إطار الدولة.
ومع ذلك، تظل الأسئلة الكبرى معلقة حول تفاصيل هذا الاندماج: هل تحتفظ الوحدات العسكرية بهويتها الخاصة؟ وكيف سيتم تمثيل الإدارة الذاتية في الدستور المرتقب؟
في قراءة تحليلية لهذا التحول، يرى الكاتب والمحلل السياسي جواد عبيد، أن المشهد لا يزال يحتمل الكثير من التأويلات.
وفي هذا السياق يقول عبيد لـِ “المدن”: “هذه التصريحات لا تعني حل قسد طالما ليس هناك إعلان واضح بالحل”، مضيفاً أن: “هذه التصريحات حمالة أوجه في إرضاء جميع الأطراف، ومنها الحاضنة الشعبية لقسد والتيارات المتشددة داخل قسد، وتجهيز الأرضية للقرار المستقبلي بحل قسد”.
ورأى أن تصريحات عبدي “تأتي لإرضاء الحكومة السورية”، لافتاً إلى أن: “قسد ما زالت موجودة ما لم يتم الحل والتوجه الى النضال السياسي وتأسيس حزب سياسي برئاسة مظلوم عبدي نفسه”.
نهاية الاستقلال الإداري وبداية العمل السياسي والدستوري
من جانب آخر، تبرز رؤية أكثر تفاؤلاً بالانتقال نحو العمل المؤسساتي القانوني، حيث يرى الحقوقي والباحث السياسي خالد جبر أننا بصدد نهاية “الاستقلال الإداري” لا المشروع السياسي.
وفي ذات السياق يقول جبر في حديثه لـِ “المدن”: “أقرأ تصريحات مظلوم عبدي باعتبارها إعلاناً عن انتهاء مرحلة من العمل العسكري والأمني والإداري المستقل لقسد والإدارة الذاتية، وليس بالضرورة إعلاناً عن انتهاء المشروع السياسي الكردي أو حل الإدارة الذاتية بصيغتها السياسية”، مشيراً إلى أن: “عبدي تحدث بوضوح عن اكتمال الدمج ضمن مؤسسات الدولة، وفي الوقت نفسه أكد أن النضال السياسي سيستمر لتثبيت حقوق الشعب الكردي دستورياً”.
ويشدد جبر على ضرورة التريث في الحكم على مصير “قسد” كلياً، موضحاً أن: “القول إن التصريحات تعني تلقائياً حل قسد وحل الإدارة الذاتية يحتاج إلى قدر من التحفظ، ما انتهى، وفق التصريح، هو البنية العسكرية والأمنية والإدارية المستقلة، بينما يبدو أن المرحلة المقبلة ستنتقل من إدارة الأمر الواقع إلى العمل السياسي والدستوري داخل الدولة السورية، وهذا يعني أن السؤال الأهم لم يعد بقاء قسد أو الإدارة الذاتية بصيغتهما السابقة، وإنما ما الذي ستحتفظ به المنطقة من حقوق وصلاحيات وضمانات ضمن الدولة السورية الجديدة، وكيف ستُترجم هذه الحقوق دستورياً وقانونياً؟”.
وختم بالقول: “وعليه، نحن أمام تحول في شكل المشروع وليس بالضرورة نهايته”.
بين الخطاب السياسي والواقع الميداني.. ازدواجية مستمرة
ورغم هذه القراءات، يبقى الغموض سيد الموقف في تفاصيل العلاقة بين دمشق والقامشلي، وهو ما يشير إليه الكاتب في الشأن السياسي شيروان إبراهيم، الذي يرى أن هناك بوناً شاسعاً بين الخطاب السياسي والواقع الميداني.
ويقول إبراهيم في حديثه لـِ “المدن”: “تصريحات الحكومة وقسد حول الدمج دائماً ما تكون إيجابية ودائما فيها غموض وعدم توضيح نقاط هامة أيضاً، لكن إعلان قائد قسد باكتمال عملية الدمج يحوي في طياته معنيين متناقضين: الأول يعني أن مهمة قسد والإدارة الذاتية قد انتهت وهو بمثابة إعلان عن حلها لكن في الواقع ما زال الأمر موجوداً بوضوح في بعض المناطق وبعض المجالات”.
ويلفت إبراهيم الانتباه إلى التضارب في الرسائل الموجهة للجمهور، مشيراً إلى أن: “المعنى الثاني، فيشي أن الواقع الحالي سيبقى كما هو وبعد الآن لن تكون هناك تغييرات كبرى كما حدثت في الأشهر الفائتة، في حين أن تصريحات عضو الفريق الرئاسي أحمد الهلالي كانت تشير بأن تصريحات عبدي هو بمثابة إعلان عن حل وانتهاء قسد، وهو ما لا نجده فعلياً على أرض الواقع”.
ويُشخص إبراهيم الحالة الراهنة في مناطق التماس الإداري قائلاً: “عملية الدمج جارية وإيجابية يحفظ سيادة الدولة وخصوصية تلك المناطق من جهة أخرى، لكن كلا الطرفين (الحكومة وقسد) يقومان بإطلاق التصريحات غير الواضحة كل لجمهوره ويبدعان في مسايرة أنصارهم والتدخلات والتأثيرات الدولية من جهة أخرى”.
وختم بالقول: “ما يحصل حالياً في الحسكة هو إيجابي بين الطرفين، لكنه يجري ببطء وكذلك ازدواجية السلطات في محافظة الحسكة ومنطقة كوباني، وهذا ما يؤثر سلباً بشكل مباشر على حياة المواطنين نظراً لعدم حسم ملف العديد من الدوائر والمرافق العامة بعد”.
ووسط كل ذلك، فإن هذا التحول الذي أعلنه عبدي يضع سوريا أمام اختبار حقيقي لمفهوم الدولة “الجديدة” التي تحدث عنها، فبين طموحات المكون الكردي في تثبيت خصوصيته دستورياً، وبين إصرار الدولة المركزية على بسط سيادتها الكاملة، تظل “قسد”، التي تأسست عام 2015 كقوة ضاربة ضد الإرهاب، تبحث عن شكل جديد لوجودها، ربما ببدلة سياسية هذه المرة، بعيداً عن غبار المعارك التي خاضتها في الباغوز بريف دير الزور وغيرها، لتترك للأيام القادمة مهمة تفسير معنى “الدمج” الذي أعلن عبدي انتهاءه، وما إذا كان سيؤدي فعلاً إلى دولة سورية موحدة تجمع بين السيادة القانونية والتنوع المكوناتي.
- المدن


























