منذ سقوط نظام بشار الأسد، كثفت إسرائيل تحركاتها وتوغلاتها في الجنوب السوري، والتي صورتها بداية باعتبارها إجراءً عسكرياً مؤقتاً فرضته التحولات التي أعقبت سقوط النظام السابق في ديسمبر/ كانون الأول 2024. لكن ما نقله موقع واينت الإسرائيلي، الشهر الحالي، بشأن إعلان جيش الاحتلال عن إنجاز نحو 80% من أعمال حفر الخنادق ضمن ما يسمى مشروع “شرق جديد”، الممتد من بلدة مجدل شمس في الجولان المحتل شمالاً إلى المثلث الحدودي مع الأردن جنوباً، يكشف عن خطط إسرائيلية لإعادة بناء البيئة الأمنية على الحدود مع سورية، عبر فرض عمق أمني داخل الأراضي السورية نفسها.
وتشير المعطيات المنشورة إلى أن المشروع يتضمن خنادق وسواتر ترابية بعمق وعرض نحو أربعة أمتار، بالتوازي مع إقامة نقاط عسكرية ودوريات داخل قرى وبلدات سورية. وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة لتزامنها مع مفاوضات أمنية بين الجانبين (متوقفة حالياً)، ما يطرح سؤالاً أساسياً عما إذا كانت إسرائيل تستخدم وجودها العسكري الجديد لفرض أمر واقع على الأرض قبل التوصل إلى اتفاق، بحيث تصبح التوغلات والمناطق التي تسيطر عليها جزءاً من أي ترتيبات أمنية مستقبلية.
إعادة تعريف الحدود
جوهر التحول الإسرائيلي لا يكمن في حفر الخنادق بحد ذاته، وإنما في ارتباطه بمنظومة عسكرية أوسع. ووفق المعطيات التي تنقلها تقارير إسرائيلية، أنشأ جيش الاحتلال تسع نقاط عسكرية في المنطقة التي يسميها “الحزام الأمني”، بعمق يراوح بين خمسة كيلومترات و12 كيلومتراً داخل الأراضي السورية. وتستخدم هذه النقاط للمراقبة وللانطلاق في عمليات داخل القرى والمناطق المفتوحة. ونقل موقع واينت الإسرائيلي في التاسع من أغسطس/ آب الحالي، عن ضباط إسرائيليين قولهم إن هذه المنظومة تعكس عقيدة عملياتية جديدة تقوم على التعامل مع “قدرات” الخصم بدلاً من التركيز على هويته. وبحسب أحد هؤلاء الضباط، “لم نعد نحدد الاستجابة الدفاعية وفقاً لمن هو العدو الموجود أمامنا، سواء كان حزب الله أو الجيش السوري أو تنظيماً آخر، بل وفق ما يستطيع هذا الطرف القيام به ضدنا”.
هذه النقلة تجعل مفهوم التهديد الإسرائيلي أكثر مرونة واتساعاً. فحين يصبح معيار التحرك هو “القدرة المحتملة” وليس وجود هجوم وشيك، يصبح الوجود العسكري داخل الأراضي السورية قابلاً للتبرير بوصفه إجراء وقائياً دائماً. ينسجم ذلك مع الدرس الذي تقول إسرائيل إنها استخلصته من هجوم السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023 في قطاع غزة، بمعنى عدم انتظار وصول الخطر إلى الحدود، بل نقل خط الدفاع إلى أرض الخصم ومنع تشكل التهديد قبل أن يصبح قادراً على تنفيذ هجوم. هذه السياسة لا تبدو منفصلة عن التحول الأوسع في العقيدة الأمنية الإسرائيلية بعد هجوم السابع من أكتوبر. ويتحدث رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو عن انتقال إسرائيل من سياسة الاحتواء والرد المحدود إلى سياسة هجومية مستمرة، تقوم على إنشاء مناطق أمنية داخل أراضي الخصوم، وإبعاد التهديدات عن الحدود بدلاً من الاكتفاء بحماية الحدود نفسها.
وبذلك تصبح سورية جزءاً من نموذج إقليمي أوسع يشمل غزة ولبنان يقوم على فكرة واحدة مفادها: إذا كانت الحدود غير كافية لمنع الهجوم، فإن إسرائيل تنقل حدودها الأمنية إلى داخل أراضي الطرف الآخر. وفي سورية، يبدو ذلك أكثر وضوحاً منذ ديسمبر 2024، حين دخل جيش الاحتلال المنطقة العازلة (بموجب اتفاقية فض الاشتباك عام 1974
) وأقام مواقع عسكرية فيها، ثم توسع لاحقاً في القنيطرة ودرعا، جنوب غربي البلاد. أما مشروع “شرق جديد” فهو يعطي هذا الوجود بعداً هندسياً ومؤسساتياً، ولا يمكن وصفه بأنه انتشار عسكري عابر، ذلك أن إنشاء خنادق ثابتة وسواتر ومواقع مراقبة ونقاط عسكرية وشبكة طرق وتحركات منتظمة، يعني أن إسرائيل تبني بنية تحتية لوجود طويل الأمد. وهذه النقطة تحديداً هي التي تثير مخاوف من تحوّل “الاحتلال المؤقت” إلى واقع أمني دائم.
تعديل اتفاق 1974 من طرف واحد
يقول خبراء عسكريون إن إسرائيل تسعى إلى فرض أمر واقع جديد في محافظة القنيطرة، بهدف استخدام الحقائق التي تفرضها على الأرض ورقة تفاوضية مع الجانب السوري. ويشيرون إلى أن المطالب الإسرائيلية تتجاوز ترتيبات اتفاق فك الاشتباك لعام 1974 المتعلقة بحجم القوات وانتشارها وتسليحها، وصولاً إلى محاولة تعديل الاتفاق بإجراءات أحادية ومن ثم تثبيت هذه التعديلات في الاتفاق الجديد الجاري بحثه مع سورية.
محمد إبراهيم: عودة إسرائيل إلى الحدود التي حددها اتفاق 1974 تبدو مستبعدة في الوقت الحالي
ويرى الباحث في الشؤون الإسرائيلية محمد إبراهيم، في حديث لـ”العربي الجديد”، أن عودة إسرائيل إلى الحدود التي حددها اتفاق 1974 تبدو مستبعدة في الوقت الحالي، خصوصاً مع إعلان مسؤولين إسرائيليين أن الجيش الإسرائيلي سيبقى في المناطق التي احتلها إلى حين التوصل إلى اتفاق جديد. والأهم، بحسب إبراهيم، أن إسرائيل تريد منطقة منزوعة السلاح أوسع بكثير من المنطقة التي نص عليها اتفاق 1974، لتصل في بعض التصورات إلى عشرات الكيلومترات جنوب دمشق. وفي رأيه، “هنا تظهر معادلة التفاوض حيث تجرب دمشق المفاوضات تحت يافطة (شعار) إعادة تفعيل اتفاق فك الاشتباك، بينما تدخل إسرائيل هذه المفاوضات بعدما غيرت الوقائع الميدانية”. وبالتالي، فإن السؤال لم يعد، وفق إبراهيم، عما إذا كانت إسرائيل ستنسحب أم لا، وإنما من أي خط ستنسحب، وما الذي سيبقى لها من المنطقة التي سيطرت عليها؟
ماذا تريد إسرائيل في سورية؟
تشير التصريحات والتسريبات الإسرائيلية والمعطيات على الأرض إلى مجموعة من الأهداف الإسرائيلية المحتملة:
- أولاً: تريد إسرائيل جنوباً سورياً منزوع السلاح إلى أقصى حد ممكن، بما يمنع وجود قوات سورية كبيرة أو أسلحة ثقيلة أو صواريخ ومسيّرات قرب الجولان.
- ثانياً: تريد منع عودة أي نفوذ إيراني أو نفوذ لحزب الله اللبناني إلى المنطقة الجنوبية، والحصول على ضمانات سورية مكتوبة بهذا الخصوص.
- ثالثاً: تسعى إلى تثبيت آلية رقابة دولية أكثر فعالية، تشمل توسيع صلاحيات قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك “أندوف”، واستخدام وسائل مراقبة حديثة، بحيث تصبح الحدود قابلة للمراقبة المستمرة.
- رابعاً: تريد إسرائيل على ما يبدو الاحتفاظ بقدرة عسكرية تمكنها من التدخل داخل الأراضي السورية، حتى في حال التوصل إلى اتفاق، وهو ما يجعل “المنطقة الأمنية” أكثر من مجرد منطقة عازلة.
ومن ضمن التعديلات المقترحة من جانب إسرائيل على اتفاق 1974، توسيع المنطقة منزوعة السلاح، وتقييد حجم القوات السورية وأنواعها، وتشديد القيود على الصواريخ والطائرات المسيّرة، إلى جانب التزامات سورية بمنع وجود قوات أجنبية في جنوب دمشق.
الخطر لا يتعلق بالحدود العسكرية فقط. فالمحلل السياسي السوري غازي دحمان، وهو من بلدة عابدين في ريف درعا الغربي التي تتعرض لتوغلات إسرائيلية، يرى أن إسرائيل تعمل على بناء بنية عسكرية واستخباراتية طويلة الأمد في الجنوب، تشمل نقاط ارتكاز، ومنطقة منزوعة السلاح، وسيطرة استخباراتية ومراقبة لمحيط دمشق والجنوب.
غازي دحمان: التضييق على السكان في جنوب سورية ودفعهم لمغادرة المنطقة قد يؤدي تدريجياً إلى إضعاف قدرة المجتمع المحلي على المقاومة
ويذهب دحمان في حديثه لـ”العربي الجديد” أبعد من ذلك، إذ يرى أن التضييق على السكان، ومنع الزراعة والرعي والوصول إلى مصادر المياه، إلى جانب الاعتقالات والمداهمات، يمكن أن تدفع الشباب إلى مغادرة المنطقة. ويؤدي ذلك، في رأيه، تدريجياً إلى إضعاف قدرة المجتمع المحلي على المقاومة، وهو ما يمكن وصفه بأنه “عملية قضم وتهجير بطيئة”. وهذه القراءة التي قد يجوز التعامل معها بوصفها تقديراً سياسياً وميدانياً، تطرح سؤالاً عما إذا كانت إسرائيل تريد منطقة أمنية خالية من السلاح فقط، أم منطقة منخفضة الكثافة السكانية وضعيفة القدرة على إنتاج مقاومة مستقبلية. في المقابل، لا تبدو دمشق في موقع يسمح لها بفرض شروطها عسكرياً. الرئيس السوري أحمد الشرع أعلن في 26 يوليو/ تموز الماضي، أن سورية تعمل على اتفاق أمني مع إسرائيل بمشاركة دول عدة، وأنها تتجنب الصدام العسكري معها. لكنه شدد في الوقت نفسه على أن الاتفاق لن يكون على حساب الحقوق السورية أو المطالبة بالجولان المحتل.
هذا الموقف يعكس معادلة دقيقة، إذ تريد دمشق منع الحرب والحفاظ على وحدة الأراضي السورية، لكنها لا تريد أن يتحول الاتفاق الأمني إلى اعتراف ضمني بالوقائع التي فرضتها إسرائيل بعد سقوط الأسد. لذلك يبدو أن المفاوضات تدور عملياً حول محاولة تحويل الأمر الواقع الإسرائيلي إلى ترتيبات مؤقتة ومحدودة، بدلاً من تحويله إلى حق مكتسب. وتتمسك دمشق بأن تكون أي تعديلات على اتفاق 1974 أمنية وتقنية لا سياسية، وألا تتضمن أي اعتراف بسيطرة إسرائيل على الجولان أو تغيير وضعه القانوني.
هل تستطيع إسرائيل فرض أمر واقع دائم؟
الإجابة الأقرب هي: نعم ميدانياً، ولكن ليس بالضرورة قانونياً أو سياسياً. فإسرائيل تستطيع، بفعل تفوقها العسكري، الاحتفاظ بقواتها ومواقعها لفترة طويلة وفرض منطقة أمنية على الأرض. كما تستطيع استخدام استمرار وجودها ورقة ضغط في المفاوضات. لكنّ تحويل هذا الواقع إلى ترتيبات دائمة يحتاج إلى موافقة سورية، أو على الأقل إلى صيغة دولية تمنحه قدراً من الشرعية والقبول. هنا تكمن نقطة الضعف في الاستراتيجية الإسرائيلية. فالوجود العسكري الطويل قد يوفر لإسرائيل عمقاً أمنياً على المدى القصير، لكنه قد ينتج مقاومة محلية ويحوّل السكان المتضررين من التوغلات إلى مصدر تهديد دائم. وحتى داخل النقاش الإسرائيلي ظهرت تحذيرات من أن المناطق الأمنية الممتدة تحتاج إلى أعداد كبيرة من القوات، ما يفاقم العبء على الجيش الإسرائيلي.
المفاوضات تمنح دمشق فرصة مقابلَة الأمر الواقع الإسرائيلي بأمر واقع سياسي مضاد
كما أن المفاوضات تمنح دمشق فرصة مقابلَة الأمر الواقع الإسرائيلي بأمر واقع سياسي مضاد يتمثل في عدم الاعتراف بالتغييرات الحدودية، والإصرار على اتفاق 1974 مرجعية لأي ترتيبات جديدة، وربط أي تنازلات أمنية إسرائيلية بانسحاب من الأراضي التي دخلتها بعد 2024. من الواضح أن إسرائيل تحاول، بعد تجربة السابع من أكتوبر، بناء منظومة تقول إن أمنها يبدأ خارج حدودها، وإن عليها منع الخطر قبل وصوله إليها. ومن هنا، فإن “شرقاً جديداً” يمثل الجانب الهندسي لعقيدة أوسع تتمثل في نقل خط الدفاع إلى أرض الخصم، إنشاء مناطق أمنية، الاحتفاظ بحرية الحركة العسكرية، ثم تحويل الوقائع الميدانية إلى شروط تفاوضية. أما سورية، فتسعى إلى احتواء هذا الواقع عبر التفاوض، من دون الاعتراف به، وتريد إعادة ضبط العلاقة على أساس اتفاق 1974، مع تعديلات أمنية محتملة، ولكن من دون المساس بالسيادة أو بحقها في استعادة الجولان.
وبين الرؤيتين، يبقى السؤال الحاسم: هل تنجح إسرائيل في تحويل “الحزام الأمني” الحالي إلى حقيقة راسخة في علاقتها مع سورية، أم أن هذه المنطقة ستظل ورقة تفاوضية مؤقتة إلى حين استعادة توازن سياسي وميداني يسمح لدمشق باستعادة بعض التوازن في علاقتها مع هذا الجار السيئ؟ حتى الآن، تشير التحصينات والتوغلات إلى أن إسرائيل تتصرف على أساس الخيار الأول. لكن استمرار هذا الواقع لسنوات لا يتوقف على القدرة العسكرية وحدها، بل على قدرة إسرائيل على تحويل التفوق الميداني إلى اتفاق سياسي مقبول. ولا يعني ذلك بالضرورة أنّ إسرائيل قررت ضم أجزاء جديدة من سورية بصورة رسمية. فالخطوة الأكثر ترجيحاً، وفق المعطيات الحالية، هي خلق واقع أمني دائم من دون إعلان تغيير قانوني للحدود.
- العربي الجديد


























