جاءت الغارات الإسرائيلية ضد مطار أبو الظهور العسكري، بمحافظة إدلب شمالي سوريا، عدوانيةً زائدةً ولا حاجة عسكرية لها، تمامًا كما التوغلات العسكرية المتزايدة في ريفي القنيطرة ودرعا جنوبي البلاد.
وكانت الأغراض دائمًا، إضافة إلى العوامل الداخلية لإسرائيل كدولة فريدة بالمعنى السلبي لا تملك سياسة خارجية بل داخلية فقط، السعي اليائس والمستحيل لعرقلة سيرورة إعادة بناء ونهوض سوريا الجديدة أو التأثير عليها، وعلى الأقل انتزاع مكاسب سياسية هناك، كما في العلاقات مع تركيا والمحيط العربي بشكل عام.
والغارات، حسب تحليلات وتصريحات واسعة في الساحة الإسرائيلية، وحتى تلك الحليفة في أميركا والهند، ردٌّ عدواني وحربجي وتوسعي ويائس، ومن دون جدوى بالطبع، على اتفاق مكة الدفاعي الأخير، الذي يؤكد حقيقة أن الأمور تسير من دون إسرائيل المعزولة إقليميًا ودوليًا، في ظل استلابها للخيارات العسكرية والعيش على حد السيف، ونموذج إسبرطة المتقوقعة على ذاتها، والتي تخوض حربًا، بل حروبًا أبدية، تعني نهايتها الحتمية ولو بعد حين، حسب كافة التنبؤات، بما في ذلك حديث بنيامين نتنياهو المتغطرس واليائس عن النموذج نفسه.
في السياق السوري، ثمة استفزاز للقيادة الجديدة، وسعي للنيل من هيبتها وإضعافها واستدراجها إلى التصعيد، وحتى الحرب، لرفع أسهم نتنياهو وائتلافه الحكومي المتهاوي في استطلاعات الرأي، أو في الحد الأدنى إثارة أجواء استنفار قد تسمح بإلغاء أو تأجيل الانتخابات المصيرية، شخصيًا وسياسيًا، بالنسبة لنتنياهو، وبالحد الأدنى استثمار التصعيد لصالحه في صناديق الاقتراع.
أغارت إسرائيل صباح الثلاثاء الماضي على مطار أبو الظهور العسكري بمحافظة إدلب شمالي سوريا، على بعد 60 كم من الحدود مع تركيا، حيث بدت الغارات من دون هدف أو أهداف عسكرية واضحة، كون المطار لا يزال في البدايات الأولى للتأهيل وإعادة التشغيل، والممرات التي دُمّرت سيُعاد بناؤها حتمًا، كما بقية المواقع في البلاد التي لن تستطيع إسرائيل قصفها عشرات المرات.
إذن، مطار أبو الظهور لا يزال في سيرورة إعادة بنائه الأولى وتأهيله لتشغيله مرة جديدة، بعدما ترك بشار الأسد البلد مدمّرًا ومحروقًا. وبالإمكان التأكيد كذلك أنه لا وجود لقوات وقواعد تركية في المطار، ولا في المحيط الجغرافي المجاور، ولا في سوريا بشكل عام، ولا توجد خطط كهذه أصلًا. ولماذا تقيم تركيا قواعد في منطقة تبعد 60 كم فقط عن حدودها، مع انتشار التأمينات والدفاعات الجوية المكثفة داخل أراضيها، كما حصل مع إسقاط الصواريخ الإيرانية العبثية والعشوائية في منطقة ليست بعيدة عن تلك التي قصفتها إسرائيل؟
وعليه، وفي ما يتعلق بالغايات الإسرائيلية، لا أهداف عسكرية واضحة ومباشرة للغارات، وجلّ ما تسعى تل أبيب إلى تحقيقه سياسي بامتياز، وفي جوهره عرقلة عملية إعادة بناء وإعمار سوريا الجديدة، في مستوياتها المتعددة والمتداخلة والاستراتيجية، والتأثير عليها، ومراكمة مزيد من الصعوبات والكلفة الباهظة أمامها.
في السياق السوري، ثمة استفزاز للقيادة الجديدة، وسعي للنيل من هيبتها وإضعافها واستدراجها إلى التصعيد، وحتى الحرب، لرفع أسهم نتنياهو وائتلافه الحكومي المتهاوي في استطلاعات الرأي، أو في الحد الأدنى إثارة أجواء استنفار قد تسمح بإلغاء أو تأجيل الانتخابات المصيرية، شخصيًا وسياسيًا، بالنسبة لنتنياهو، وبالحد الأدنى استثمار التصعيد لصالحه في صناديق الاقتراع.
وفي سوريا أيضًا، تهدف الغارات إلى ابتزاز القيادة في دمشق والضغط عليها لانتزاع وتحقيق مكاسب سياسية، كما هو الحال مع العربدة في جنوبي البلاد والمنطقة العازلة، التي لا تحمل كذلك أهدافًا عسكرية واضحة، كما يُقال حتى في الإعلام العبري، وإنما تعكس نزوعًا إلى العدوانية لاستخدامها كورقة على طاولة التفاوض.
وبالعموم، تريد إسرائيل فرض نفسها لاعبًا في سيرورة إعادة إعمار وبناء سوريا الجديدة، في سياقاتها المختلفة، وكذلك التدخل في علاقات وتحالفات البلاد الخارجية، وانتزاع مكاسب وتنازلات في المفاوضات الأمنية لتحديث اتفاق فك الاشتباك الأمني لعام 1974، أو حتى في المفاوضات السياسية المتعلقة بهضبة الجولان المحتلة فيما بعد.
بناءً على ما سبق، فلا شك في حقيقة أن الأهداف المركزية للغارات سياسية بامتياز، ولا تطول سوريا فقط، بل تركيا والمنطقة بشكل عام.
في السياق التركي، تمثل الغارات العدوانية، في جوهرها السياسي، ردًا على حضور ونفوذ تركيا بتوجهات مناقضة لإسرائيل في قضايا وساحات عدة، تشمل فلسطين ولبنان وشرق المتوسط وآسيا الوسطى والقوقاز، وبالطبع في سوريا نفسها، مع دعم تركيا سيرورة إعادة بناء ونهوض واستقرار البلاد وأمنها ووحدة وسلامة أراضيها.
ومن هذه الزاوية، تحمل الغارات الاستعراضية في طياتها إشارة إلى اليأس والعجز في مواجهة الحضور التركي الاستراتيجي في المنطقة، بما في ذلك غزة وفلسطين وسوريا نفسها، وعجز إسرائيل عن تحجيمه وإيقافه.
وكما في سوريا، ثمة بعد استفزازي تجاه تركيا لجرها إلى الصدام والمواجهة ومعركة زائدة لا حاجة ولا ضرورة لها، وصولًا إلى استثمار الصدام في الساحة الإسرائيلية الداخلية.
في السياق الإقليمي، لا يمكن استبعاد كون الغارات الإسرائيلية الاستعراضية ردًا على اتفاق مكة الدفاعي الأخير، مع تسريبات وقراءات في الصحافة المحلية والهندية والدولية تشير إلى رد يائس على الاتفاق، لاعتقاد إسرائيل أنه يستهدفها، أو على الأقل يستبعدها من بناء التفاهمات والتحالفات الإقليمية، لعدم وجود مكان لها بسبب سياساتها العدوانية والتوسعية.
لم تفهم حكومة نتنياهو – بن غفير – سموتريتش، ولا تريد أن تفهم، الرسالة من الاتفاق الدفاعي الاستراتيجي، وهي تمضي في الاتجاه المعاكس، والرد عليه بمزيد من الحربجية والتوسع والعدوان.
الرد الجوهري على الغارات والسياسات الإسرائيلية يتمثل أساسًا في مواصلة البناء والإعمار الداخلي على كافة المستويات، ومواصلة التفاوض لتحديث اتفاق فك الاشتباك وفق ترتيبات أمنية وحضور عربي ودولي..
عودٌ على بدء، والتذكير بالعبارة التاريخية الشهيرة لوزير الخارجية الأميركي السابق هنري كيسنجر عن إسرائيل التي لا تملك سياسة خارجية، بل داخلية فقط. ومن هنا يمكن قراءة تصريحات رئيس الوزراء ووزير الدفاع السابق، الجنرال إيهود باراك، ونائب رئيس الأركان السابق وزعيم حزب الديمقراطيين حاليًا، يئير غولان، عن الغارات الاستفزازية وسعي نتنياهو إلى الصدام مع سوريا وتركيا وتحقيق مكاسب داخلية لتحسين وضعه الانتخابي السيئ، علمًا أن الخسارة لا تعني رحيله من المكتب إلى البيت، وإنما إلى السجن؛ لذلك يقاتل دفاعًا عن مصيره الشخصي والحزبي وإرثه السياسي بشكل عام.
في الأخير، تمثل الغارات الإسرائيلية خطوة يائسة وتعبيرًا عن الأزمة، لا جزءًا من الحل بالنسبة إلى تل أبيب، حيث لا قدرة لها على التأثير في سيرورة بناء وإعادة إعمار سوريا الجديدة وعلاقاتها الخارجية، والدعم التركي ضمن مظلة الحماية العربية والإسلامية والدولية الواسعة والاستراتيجية للسيرورة الجديدة.
وفي السياق نفسه، ثمة أمر مهم ولافت ومعبّر، بدا بحد ذاته وكأنه رد غير مباشر على الغارات، وبعد ساعات منها، وتمثل بزيارة وزير الخارجية أسعد الشيباني «المقررة مسبقًا» إلى العاصمة الباكستانية «إسلام آباد»، واستقباله بحفاوة بالغة، وعقده لقاءات رفيعة المستوى مع القيادة السياسية والعسكرية، والتوافق على سلة تفاهمات متعددة المستويات، سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا، وتأكيد انخراط باكستان بقدراتها الكبيرة في مظلة الحماية الاستراتيجية لسوريا الجديدة.
علمًا أن الرد الجوهري على الغارات والسياسات الإسرائيلية يتمثل أساسًا في مواصلة البناء والإعمار الداخلي على كافة المستويات، ومواصلة التفاوض لتحديث اتفاق فك الاشتباك وفق ترتيبات أمنية وحضور عربي ودولي، وضمان انسحاب إسرائيل ومنعها من مواصلة العدوان والتدخلات السلبية المؤذية والضارة في الشؤون الداخلية لسوريا.
- تلفزيون سوريا
























