ملخص
“سوريا لا تملك اليوم القدرات العسكرية أو الاقتصادية التي تملكها السعودية أو تركيا أو باكستان، لكن لديها ميزات مختلفة من بينها الموقع الجغرافي، حيث تقع عند تقاطع تركيا والعراق والأردن ولبنان والبحر المتوسط، وعلى مقربة مباشرة من إسرائيل، أي إن دخول دمشق إلى منظومة أمنية إقليمية يمكن أن يمنح الاتفاق عمقاً جغرافياً جديداً وموقعاً مهماً لمراقبة التهديدات الإقليمية”.
بعد أيام قليلة من توقيع “اتفاق مكة للدفاع المشترك” بين كل من السعودية وتركيا وباكستان، قال وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إن “سوريا تدرس الانضمام إلى الاتفاق، لكنها لم تتخذ قراراً نهائياً بعد”.
تصريحات الشيباني فاجأت الأوساط السياسية والإعلامية، خصوصاً أن سوريا التي خرجت للتو من حرب طويلة، لا تزال تضع اللبنات الأساسية لبناء الدولة الجديدة، وليس من المعروف ما الذي يمكنها تقديمه إلى تحالف يضم قوى إقليمية قوية وما الذي يمكنها الحصول عليه من التحالف.
انضمام قيد الدراسة
المحلل السياسي السوري عصمت العبسي يقول خلال حديثه إلى “اندبندنت عربية” إن “انضمام سوريا إلى اتفاق مكة ممكن تماماً، وهو قيد الدراسة حالياً، مما أكده وزير الخارجية الشيباني، ففي حال انضمام سوريا فإنها ستستفيد من دعم عسكري وأمني مباشر، يتضمن تدريب القوات والتعاون في حماية الحدود ومكافحة التنظيمات الإرهابية، بخاصة مع وجود توافق سعودي- تركي واضح على دعم الاستقرار السياسي ووحدة الأراضي السورية ومنع التدخلات الخارجية، ومن المتوقع أن يشكل هذا الترتيب قوة ردع إضافية”.
ويرى أن “هناك أيضاً عوائق أمام انضمام سوريا، من بينها عدم توافق التهديدات، فالدول الثلاث الموقعة تواجه أخطاراً مختلفة عن تلك التي تواجهها سوريا، ولا يوجد عدو مشترك”.
مشروع بعيد الأمد
ويرجح الصحافي السوري عبدالعزيز السلامة انضمام سوريا إلى تحالف مكة، لكن ليس بصورة سريعة أو تلقائية، ويعتقد بأن دمشق ستتعامل مع الموضوع باعتباره قراراً استراتيجياً طويل الأمد، وستحاول أولاً معرفة ما الذي ستحصل عليه مقابل الانضمام وما الالتزامات التي ستتحملها، قائلاً إن “موقع سوريا يجعلها مهمة جدا لأية منظومة أمن إقليمية، ولديها مصلحة في تعزيز علاقاتها مع الدول القوية، بخاصة في المجالين الأمني والعسكري”.
ويضيف أن “دمشق ستتردد في المقابل قبل اتخاذ القرار لأنها تريد التأكد من أن التحالف دفاعي فعلاً ولا يجر البلاد إلى صراعات أو مواجهات مع دول أخرى، كما أن دمشق ستنظر بعناية إلى تأثير العضوية في علاقاتها مع إيران وروسيا والولايات المتحدة وإسرائيل والعراق ولبنان، فالدخول في تحالف دفاعي جديد قد يغير حسابات هذه الدول تجاهها”.
من جهته يوضح المحلل العسكري السوري عبدالله النجم أن “انضمام دمشق إلى اتفاق مكة لن يعني بالضرورة دخولها في حرب مع إيران، أو مواجهة إسرائيل، أو حتى التزامها تلقائياً المشاركة في أية حرب تخوضها إحدى الدول الأعضاء، لكن العضوية ستضع سوريا داخل إطار أمني يقوم على مفهوم الردع الجماعي، وهو أمر مختلف جذرياً عن سياسة النأي بالنفس التي حاولت دمشق اعتمادها خلال أزمات المنطقة الأخيرة”.
ويضيف أن “الرئيس أحمد الشرع أكد في وقت سابق أن سوريا لا تريد أن تتحول إلى ساحة حرب جديدة، وأنها ستبقى خارج الصراعات الإقليمية ما لم تتعرض لاعتداء مباشر أو تنعدم الخيارات الدبلوماسية، لكن سوريا أيضاً تحتاج إلى مثل هذا الاتفاق لأنها لا تملك في الوقت الحالي قوة عسكرية قادرة وحدها على توفير ردع موثوق أمام خصوم يمتلكون تفوقاً جوياً وتقنياً كبيراً، فالجيش السوري الجديد لا يزال في مرحلة إعادة البناء، بعد تعرض البنية العسكرية السورية خلال الأعوام الأخيرة لدمار واسع، وتحتاج دمشق إلى تدريب جيشها وتسليحه وأيضاً إلى أنظمة اتصال ودفاع جوي وقدرات استطلاع ومراقبة، وإعادة بناء منظومات القيادة والسيطرة، وفي هذا السياق تبدو عضوية اتفاق مكة جذابة من الناحية العسكرية، نظراً إلى القوة الكبيرة التي تمتلكها الأطراف الموقعة عليه”.
ويرى النجم أن “بالنسبة إلى سوريا فإن إسرائيل هي العامل الأكثر حساسية، فإذا كان هناك ملف واحد يجعل اتفاق مكة ذا أهمية استثنائية بالنسبة إلى دمشق، فهو إسرائيل، فمنذ سقوط نظام الأسد، شهدت سوريا سلسلة من الضربات الإسرائيلية والتوغلات في الجنوب، إضافة إلى استهداف مواقع عسكرية ومنشآت سورية، واستهداف مطار أبو الظهور العسكري قبل أيام كان تطوراً جديداً ارتبط بالخلاف حول احتمال وجود عسكري تركي في الموقع، وإذا انضمت دمشق إلى اتفاق مكة، فإن إعادة بناء الجيش السوري لن تكون شأناً سورياً-تركياً فقط، بل ستصبح مرتبطة بمنظومة أوسع تضم السعودية وباكستان أيضاً، مما قد يرفع كلفة أية محاولة لعزل سوريا أمنياً”.
الردع وتقاسم الأعباء
يشرح المحلل السياسي السوري محمد بشير دربيكة أن “الاتفاق الحالي ينص على أن الهجوم المسلح على إحدى الدول الثلاث هو هجوم عليها جميعاً، لكن لا توجد حتى الآن تفاصيل معلنة تسمح بالقول إن أي هجوم على سوريا، في حال انضمامها، سيؤدي تلقائياً إلى تدخل عسكري تركي أو سعودي أو باكستاني مباشر، وهذا فارق مهم، فالاتفاق قد لا يبدو التزاماً عملياتياً مفصلاً على طريقة المادة الخامسة في ’الناتو‘، وإنما هو إطار تعاون دفاعي يركز على الردع وتقاسم الأعباء، لذلك فإن القيمة الأساسية بالنسبة إلى سوريا قد تكون قيمة الردع السياسي قبل أن تكون عسكرية، فمجرد معرفة إسرائيل أو أية قوة إقليمية أخرى بأن دمشق أصبحت مرتبطة باتفاق دفاعي مع أنقرة والرياض وإسلام آباد يمكن أن يغير حسابات المخاطرة”.
ماذا يمكن أن تقدم سوريا؟
ويقول دربيكة إن “سوريا لا تملك اليوم القدرات العسكرية أو الاقتصادية التي تملكها السعودية أو تركيا أو باكستان، لكن لديها ميزات مختلفة من بينها الموقع الجغرافي، حيث تقع عند تقاطع تركيا والعراق والأردن ولبنان والبحر المتوسط، وعلى مقربة مباشرة من إسرائيل، أي إن دخول دمشق إلى منظومة أمنية إقليمية يمكن أن يمنح الاتفاق عمقاً جغرافياً جديداً وموقعاً مهماً لمراقبة التهديدات الإقليمية وممرات برية وتجارية تربط تركيا بالعالم العربي، ومجالاً للتدريب وإعادة بناء المؤسسات العسكرية، لذلك قد تصبح سوريا جزءاً من البنية الجغرافية التي تمنح اتفاق مكة معناه الإقليمي”.
يوضح أن “هناك احتمالاً وارداً أيضاً، وهو انضمام سوريا تحت إطار العضوية السياسية بلا التزامات عسكرية كبيرة، فلا مانع من أن تبحث دمشق عن صيغة تمنحها مزايا الاتفاق من دون أن تحمّلها كامل تبعاته، أي الانضمام إلى الإطار العام، مع تفاهمات خاصة في شأن طبيعة الالتزامات العسكرية”.
ويضيف أن “هذا النوع من الترتيبات سيكون مغرياً لدمشق لأنه يسمح لها بالاستفادة من التدريب والدعم والتنسيق، من دون أن تصبح ملزمة الدخول الكامل، لكن نجاح مثل هذه الصيغة يتوقف على استعداد السعودية وتركيا وباكستان لقبول عضو بدرجات مختلفة”.
ويستدرك “أما احتمال عدم انضمام سوريا، فقد يكون أحد أسبابه عدم قدرة دمشق على تحمل كلفة الانضمام، إذ إن التحالفات العسكرية تفرض التزامات، فإذا أصبحت سوريا عضواً في اتفاق دفاع مشترك، فستحتاج إلى بناء جيش قادر على العمل مع جيوش الدول الأخرى، مما يعني بناء عقيدة عسكرية متوافقة مع الشركاء، كما أن العضوية قد تتطلب موارد مالية كبيرة، وسوريا الخارجة من حرب طويلة لا تزال في أمس الحاجة إلى إعادة بناء الاقتصاد والبنية التحتية والمؤسسات، لذلك فإن أي التزام عسكري جديد يجب أن يكون متناسباً مع قدرة الدولة”.
- إندبندنت






















