إعلان مظلوم عبدي، في 25 أغسطس/ آب الحالي، حلّ قوات سوريا الديموقراطية (قسد)، ليس إلّا تحصيل حاصل، ونتيجة مسار عملت فيه الدولة السورية بصورة منظّمة، وبقدر كبير من الإتقان والمهنية والصبر، مع قدرة واضحة على امتصاص الصدمات، واحتواء ردّات الفعل المنفلتة. ولذلك جاء الإعلان تحت سقف الدولة السورية التي نجحت في كسر الجمود بعملية عسكرية في يناير/ كانون الثاني الماضي، استعادت فيها خلال 24 ساعة أجزاءً من ريف حلب، ومحافظتَي الرقّة ودير الزور، ووصلت قواتها إلى مشارف مدينة الحسكة. وكانت تلك رسالةً قويةً إلى قيادة “قسد”، وإلى الأطراف الداعمة لها، أنّ وحدة سورية ليست موضع تفاوض، وأنّ الدولة لن تقبل تكريس واقعٍ يقسّم البلاد، أو ينتقص من سيادتها.
وبما أنّ الدولة تركت أمام “قسد” هامشاً محدوداً للمناورة، لم يكن أمام الأخيرة سوى خيار الدمج الذي يحفظ لها ماء الوجه، ويجنّبها الانزلاق إلى حرب تُراق فيها الدماء من دون طائل. وساعدت الولايات المتحدة وفرنسا وتركيا وإقليم كردستان العراق في هذا التوجّه الذي أثمر، في نهاية المطاف، القرارَ الذي أعلنه عبدي الذي يستحقّ التقدير على هذا، لأنّه اختار الحوار، واستوعب متطلّبات المرحلة، وأدرك أنّ مصلحة سورية تتقدّم على الحسابات الضيّقة. ولذلك، فإنّ زمان حلّ “قسد” ومكانه عنصران مهمّان. فاختيار القصر الجمهوري مكاناً للإعلان لم يكن تفصيلاً بروتوكولياً، بل حمل اعترافاً واضحاً بأنّ الدولة هي مرجع الجميع، وأنّ أيّ ترتيبات تتعلّق بمستقبل سورية لا يمكن أن تتم خارج مؤسّساتها. ويكتسب ذلك أهمّيةً أكبر في وقت تتواصل فيه المحاولات الإسرائيلية لإقامة جيوب انفصالية داخل سورية.
حتّى لا ننسى، وحتّى يتكرّر ما حصل، يجب التذكير بأنّ “قسد” لم تكن منظّمة خيرية، كما يحاول بعضهم تصويرها اليوم، وأنّ مشاركتها الولايات المتحدة الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) لا ينبغي أن تحجب جملةً من الحقائق المتعلّقة بطبيعتها وأهدافها. فهي ارتبطت بحزب العمّال الكردستاني التركي، وبمشروع عابر للحدود، ولم تكن علاقتها بالدولة السورية مجرّد خلاف على إدارة محلّية، أو ترتيبات أمنية مؤقّتة. ومن هنا، لا يعني قرار حلّها بالضرورة نهاية المشروع الذي حملته في سورية، ولا إلغاء الأفكار التي قامت عليها تجربتها، فقد ارتبط هذا المشروع، في مراحل مختلفة، بفكرة إقامة كيان كردي ذي طابع سياسي وعسكري مستقلّ في الجزيرة السورية، في مساحة من الأراضي تمتدّ إلى مناطق قريبة من حلب والساحل. ولهذا، لا يعني انتهاء “قسد” قوّةً عسكريةً منظّمةً بالضرورة انتهاء الأسئلة التي أفرزتها تجربتها، ولا يعني أنّ المخاطر التي رافقت مشروعها قد زالت تلقائياً. وبات التحدّي الرئيس اليوم قدرة الدولة على استيعاب التنوّع السوري من دون السماح بتحويله إلى مشاريع تقسيم، أو كيانات منفصلة عرقياً أو طائفياً، في عموم سورية، في الشرق، كما في الجنوب.
حلّ “قسد” هو إعلان آخر لإخفاق مشروع حزب العمّال في سورية، بعد المسار الذي انتهى إلى حلّ الحزب ونزع سلاحه في تركيا بقرار من قيادته، وفي رأسها مؤسّسه عبد الله أوجلان. وهو مشروع دفع ثمنه الكرد والعرب والأتراك على حدّ سواء، بعدما خلّف عشرات آلاف من الضحايا عقوداً. لكنّ تراجع هذا المشروع اليوم لا يبدو مصحوباً بمراجعة سياسية حقيقية، تتحمّل فيها قياداته مسؤولية الأضرار التي تسبّب بها، وتعيد النظر في الخيارات التي قادته إلى هذا المآل، بقدر ما يجري وفق منطق عقد الصفقات، بما يحفظ مصالح قياداتٍ شاركت في رسم السياسات التي أوصلت إلى هذا المصير البائس.
- العربي الجديد








