تعرف منظمات ما دون الدولة، بأنها التنظيمات والقوى التي تملك كيانات تعمل سياسياً أو عسكرياً أو اجتماعياً خارج إطار الدولة الرسمي، كالأحزاب والحركات السياسية ذات الأذرع المسلحة، والميليشيات والتنظيمات المسلحة، والجماعات القومية والإثنية العابرة أو المتجاوزة لحدود الدولة، وبعض المنظمات الدينية والحركات الاجتماعية، وبتعبير أشمل، المنظمات العابرة للحدود التي تؤثر في القرارات السياسية للدول.
بعض الباحثين يضيف إلى القائمة أعلاه، حركات مقاومة الاحتلال، والجماعات الدينية المنظمة، وفي بعض الحالات، شبكات اقتصادية وأمنية عابرة للحدود.
وتزدهر هذه الظاهرة عندما تكون الدولة ضعيفة عسكريا وأمنيا، أو منهارة اقتصاديا، أو لديها مشاكل في تمثيل جميع مكونات المجتمع.
بعد طوفان الربيع العربي، شهدت منطقة الشرق الأوسط، حالة من الحروب والاضطرابات، أدت إلى إضعاف الحكومات المركزية، على حساب نشوء مراكز قوى متعددة، وخصوصا في الدول التي لجأت فيها أنظمة الحكم إلى استخدام السلاح والقوة المفرطة ضد الاحتجاجات الشعبية السلمية، في دول مثل سوريا والعراق وليبيا واليمن، مما أدى إلى تحول جزء من الحراك الشعبي والثورات السلمية إلى حركات مسلحة، بهدف الدفاع عن النفس، وحماية الحراك السلمي بداية، لكنها تحولت فيما بعد إلى منظمات مسلحة لها أجنداتها العسكرية والسياسية، أي أنها أصبحت قوى ما دون الدولة.
يبقى العامل الخارجي هو الأساس في تحديد مصير منظومات ما دون الدولة..
غير أن التجارب أظهرت أن هذه القوى، عندما تتحول إلى بديل دائم للدولة، تواجه معضلات كبيرة، تتمثل في صعوبة بناء شرعية جامعة لمكونات المجتمع، والعجز عن إدارة الاقتصاد وتقديم الخدمات بكفاءة الدولة ومؤسساتها، والأخطر من ذلك، أنها تضطر إلى الارتهان للقوى الخارجية للحصول على التمويل أو السلاح أو الحماية، فيتحول السلاح خارج الدولة إلى عامل انقسام داخلي، ومع مرور الزمن، يزداد الاحتجاج الشعبي ضدها، بسبب فشلها في إرساء الأمن والاستقرار، وعجزها عن تقديم الخدمات الضرورية.
يبقى العامل الخارجي هو الأساس في تحديد مصير منظومات ما دون الدولة، فعندما تغيرت الاستراتيجية الأميركية، بسبب اعتبارات كثيرة، وذهبت لجهة التخلي عن استخدام هذه القوى، وإنهاء تحالفاتها معها، سواء
المعلنة مثل قسد، أو غير المعلنة، تغيرت موازين القوى في المنطقة بشكل كامل، واتجهت الأمور نحو إعادة الاعتبار لفكرة الدولة المركزية ومؤسساتها وجيشها الموحد.
وقد لعبت الحرب على إيران دورا حاسما في تغيير نمط التعاطي الأميركي، حيث تشكل منظمات ما دون الدولة أذرع إيران وقوتها الضاربة في الخارج، فبدأت واشنطن حربها ضد إيران، بتوجيه ضربة قاصمة لحزب الله اللبناني، باغتيال زعيمه حسن نصر الله، ومن قبله اغتيال قاسم سليماني، مهندس ومنسق العلاقات بين النظام الإيراني وأذرعه الخارجية، مما أدى إلى تغيير جذري في موازين القوى في الشرق الأوسط، حيث شكل انسحاب حزب الله من الساحة السورية، أحد أهم العوامل المباشرة لسقوط نظام الأسد في سوريا.
هل يعني حل هذه المنظمات خروجها من المشهد نهائيا؟
لا شك أن غالبيتها العظمى، تمر بظروف اضطرتها إلى حل نفسها وتغيير تكتيكاتها، وإعادة تعريف دورها، حيث لم يبق أمامها من خيارات سوى الاندماج في الدولة، وهو النموذج الأكثر استقراراً، والأقل كلفة، إذ تتحول الحركة من قوة عسكرية موازية إلى حزب سياسي أو مؤسسة مدنية، ويصبح السلاح محصوراً بيد الدولة، بعد أن أصبح بقاؤها كقوة موازية للدولة خياراً مستحيلاً، في ظل الظروف الدولية الحالية، وخصوصا مع استمرار الحرب على إيران.
في الحالة السوريةً، وبعد أن أعلنت قسد عن حل نفسها، تبدو المرحلة الحالية وكأنها اختبار حقيقي لهذه المسألة، فهل ستنتقل قسد وبقية القوى والتنظيمات المحلية والمسلحة من منطق القوة التي تسيطر على الأرض، إلى منطق القوة التي تعمل داخل الدولة؟
من العسير جدا التنبؤ بإجابة واضحة على هذا السؤال الحساس، حيث هناك الكثير مما يدعو للتفاؤل، خصوصا بعد التحول الجذري في التعاطي الأميركي، من استخدام وتوظيف تلك المنظمات في إدارة الصراعات في المنطقة، إلى التخلي عنها واعتماد استراتيجية جديدة، تقوم على إدارة التوازنات الإقليمية متعددة الأطراف، بما يغنيها عن الاعتماد على تلك المنظمات.
لكن يبقى الحذر مطلوباً، خصوصاً أن قيادة قنديل ما زالت غير راضية عن تخلي قسد عن سلاحها، وخصوصاً أن منظومة ب ك ك وتوابعها لديها الخبرة الطويلة في نقض العهود، وإعادة التموضع، والظهور من جديد من خلال أسماء مدنية، تخفي تحت عباءتها البندقية.
وهنا يبرز عاملان محددان أساسيان، الأول استمرار الاستراتيجية الأميركية في الابتعاد عن التعاطي مع هذه المنظمات، إذ لا ضمانة لذلك إذا تبدلت الإدارة الأميركية، والثاني هو القرار التركي الذي لا رجوع عنه في جعل تركيا ودول الجوار، وفي مقدمتها سورية خالية من الإرهاب.
لم ولن ينتهِيَ دور منظمات ما دون الدولة، لكن زمن صعودها بوصفها بديلاً دائماً للدولة يواجه أزمة حقيقية.
مقابل ذلك قامت الدولة السورية الجديدة بخطوات جادة ومخلصة لحسم هذا الملف بشكل سلمي، واتخذت الكثير من الإجراءات التي تضمن حقوق السكان الكرد ودمجهم ضمن منظومات الدولة الاجتماعية والحكومية والأمنية، بقصد علاج جذور المشكلة التي تمتد لمئات السنين، حيث التعاطي العسكري الأمني وحده لا يكفي. بل يجب أن يحصل القادة الكرد الذين تفاهموا مع الدولة السورية، على نجاحات على صعيد مطالبهم القومية، تحت سقف القانون والدستور، يتمكنون من خلالها من مواجهة القوميين المتطرفين الذين لا يرضون بأقل من دولة كردستان الكبرى، الممتدة على بقعة جغرافية تشمل تركيا وإيران والعراق وسوريا.
خلاصة
لم ولن ينتهِيَ دور منظمات ما دون الدولة، لكن زمن صعودها بوصفها بديلاً دائماً للدولة يواجه أزمة حقيقية. الاتجاه العام حاليا، خاصة بعد كلفة الفوضى والحروب، يتجه نحو استعادة الدولة المركزية لكيانها، ونجاح ذلك يتوقف على قدرة الدولة نفسها على أن تكون دولة عادلة، شاملة، قوية المؤسسات، وقادرة على استيعاب القوى الاجتماعية والسياسية المختلفة.
- تلفزيون سوريا










