يرى سوريون أن المشكلة مع بشار ووالده وقبلهما الرئيس أمين الحافظ ومن سبقوه، هي ذاتها المشكلة اليوم، وكأن التاريخ يتكرر فقط فيما يتعلق بالعمل الحزبي والممارسات السياسية.
حين النظر إلى المشهد السوري من الخارج، تبدو استحالة اختصاره في ثنائية مؤيد ومعارض فقط ضمن الحدود المجردة للمعنيين سياسياً واجتماعياً، فالحرب أفرزت على مدار عقد ونصف العقد تصارعاً قوياً غارقاً في التشعب الرؤيوي مع فيض من الآراء المتنوعة والمتباينة ضمن الضفة الواحدة وعلى الضفتين.
وعلى رغم ذلك ظلت شريحة كبيرة عصية على الدخول في ازدحام التصنيفات، فلا هي انخرطت في صفوف المعارضة، ولا تمسكت بموقف مؤيد لسلطة سابقة على رغم وجود الملايين الذين ظلوا يعيشون في المدن السورية خلال الثورة، أو بعد انتصارها.
يقول المحلل السياسي أدهم عبود في حديثه لـ”اندبندنت عربية”، “الكثير من السوريين في عهد بشار الأسد لم يروا معارضة سياسية تمثلهم بالمعنى الاصطلاحي التقليدي لكثرة ما أنتجت المعارضة من منصات ومؤتمرات وقوى وتحالفات وائتلافات خارجية كانت بعيدة من جمهورها في الداخل، وما شاب كل ذلك من غياب للفاعلية السياسية الدولية الخارجية والاتهامات المتعددة التي عصفت بالهياكل السياسية، والتي كانت تبعدها من حضانتها البدائية أكثر في كل مرة”.
ويضيف، “كذلك لم يروا في النظام القائم كياناً جديراً بالالتفاف حوله أبعد من إمضاء المصالح اليومية، فكان حكماً مستمراً بفعل الأمر الواقع لا القناعة، ونجا من الحال تلك ملايين المهاجرين إلى أبعد ممن بقي داخل البلاد، واليوم ليس هناك معارضة بالمعنى التقليدي، أي العسكري أو السياسي الواضح والفعال والمرتكز على أسس قوية وحوامل متينة، وليس هناك أيضاً موالاة بالمعنى الحزبي المنظم أكثر منها موالاة ولاءات ومناطق، لذلك هي دائرة الفراغ نفسها التي تتيح لشريحة واسعة ألا تقبل بالاصطفاف”.
ويشير إلى أن “هذه الكتلة البشرية لا تحمل مشروعاً سياسياً منظماً، ولا تشارك في الفضاء العام، لكنها تشترك في طلب الديمقراطية والعقد الاجتماعي والأمن والأمان والمعيشة الكريمة خارج حدود التصنيفات والاستقطاب والقتل وتصفية الحسابات والخوض في المجهول محلياً وإقليمياً”.
تشكل الشريحة
يرى الباحث في علم الاجتماع ثائر وصفي أن “ما تزرعه الشعوب في الأمس تحصده اليوم، والحياد الإيجابي أو السلبي أو الوسطي هو سمة عامة لشريحة كبيرة بفعل تراكم الظروف المعيشية والاقتصادية والسياسية والأمنية منذ مراحل الاستقلال المبكرة، وكرستها الحرب الحالية بالهجرة والنزوح والفقر والانهيار الاقتصادي والانفلات الأمني وتردي المؤسسات وتضاؤل الخدمات، ويمكن استحضار نماذج واسعة من التاريخ المعاصر لدول شهدت حروباً مشابهة وقررت شريحة واسعة من جماهيرها رفض الاصطفاف لإيمانها بأن المعسكرين يشوبهما الأخطاء ولو بنسب متفاوتة فكانت أحلامهم ورؤاهم أكثر اتساعاً ومطلبية”.
ويقول، “حتى بافتراض قوامية ثنائية لسلطة ومعارضة مناطقياً أو طائفياً، يظل الجميع في الأعم منشغل في قضايا أهم على رأسها تأمين الدخل والحصول على الخدمات والأمان وصولاً إلى مجتمع سالم مع أحلام لا حدود لها بالكرامة والحرية وإعادة إنعاش العملة وضخ الاستثمار والقضاء على البطالة وإصلاح التعليم والقضاء وتفعيل المنظومة الطبية والبدء بمشاريع إعادة إعمار فعلية تتمكن من تحريك كم الركود الهائل في سوريا“.
ويشير إلى أنه مع “تقوقع خصوم السلطة المحليين اضطرارياً في مناطقهم فإن مناصريها وجدوا طريقهم لداخل مؤسساتها وعملوا على التمدد في مفاصلها وصولاً لإحكام القبضة عليها بالكامل شيوخاً وأفراداً من خلفيات موالية بالمطلق لهيئة تحرير الشام، لتعود من جديد تلك الشريحة على الحياد مرغمة، فلا هي تريد أن تكون فلولاً، وهي ليست كذلك، ولا أن تحمل سلاحاً في مؤسسة عسكرية”.
ويمضي في تحليله، “هذا الحياد لا يعني أنه ثابت بالضرورة بل يحمل داخله رؤية فردية – جماعية لجميع أطراف النزاع والفاعلين فيه، لكن أهمية وجودهم تأتي من رفضهم لاختزالهم داخل بنية سياسية جاهزة، والكلام هنا في جوهره يتخطى الاصطفاف المناطقي والخلافات المعلنة بين المركز والأطراف داخل سوريا ليشمل المدن الرئيسة التي يحتدم فيها صراع خفي حول شكل وطريقة إدارة الدولة بعيداً عن الوزن الطائفي الطاغي للمشهد العام في سياق الأحداث”.
اللامنتمون
منصور حداد مهندس دمشقي يشرح من جانبه أن الاصطفاف السياسي في القضية السورية يعني خسارات مجتمعية متراكمة بلا توقف، وعن ذلك يقول “في سوريا المتصارعون كثر، جميعهم يتصارعون على هويات طائفية أو قومية، وأخطر تلك الهويات هي العابرة للحدود، كل واحد منهم لا يريدك أن تتعامل مع الآخر، وكل واحد يحمل أيديولوجيا خاصة، فيما نحن نصارعهم لتكون سوريا للجميع، سوريا التي تحاسب الثوار قبل الفلول لأن القانون لا يعترف بشرعية الجريمة احتراماً لتاريخ مرتكبها، تلك هي القضية التي تقضي على مفاهيم العدالة الانتقالية المعول عليها في نقل سوريا إلى بر الأمان ودونها سنظل مكاننا في احتراب معلن أو غير معلن ومعه ستزداد الضغينة والشرخ يوماً تلو آخر بين السوريين”.
“المشكلة مع بشار ووالده وقبلهم الرئيس أمين الحافظ ومن سبقوه هي ذاتها المشكلة اليوم، وكأن التاريخ يتكرر فقط”، يقول الطبيب الحمصي أمجد السباعي، قبل أن يتابع “لم أكن يوماً مع نظام بشار على رغم أننا كنا نعيش في مناطق سيطرته، الرؤوس الحامية دائماً تريد أن ترينا أن الأمور إما بيضاء أو سوداء، لا، هناك ألوان أخرى، لم يسقط بشار ليتعين مجلس شعب غير منتخب وتأخذ هيئة تحرير الشام كل الدولة، هل مثلاً نريد إسقاط هذه الحكومة؟، لا، لكننا نريد تقويمها من داخل المجتمع وهو ما يجعلنا لا في صفها ولا ضدها، إنما يجعلنا شريحة كبيرة تبحث عن مؤتمر وطني ودستور جامع وحكم للجميع، وتجعلنا رقباء على عملها فننتظر إفساح المجال للمساعدة في إصلاح مكامن الخلل لتكون حكومة وطنية تتمكن من تجاوز آثار مرحلة الحرب البغيضة لكن تلك الرقابة معطلة بقرار أكبر من المجتمع نفسه”.
بدورها تميز الطبيبة منى محمد بين الانتماء والاعتراض، وتبيّن ذلك بقولها “الانتماء لسوريا مقدس، لسوريا الجامعة التي لا يحترب أهلها في كل لحظة من أجل أي شيء، وهو ما يجعلني وكثر نستمر بنهج: لسنا مع ولسنا ضد، كما كان الحال منذ بدأت الثورة، نعم نحن أكثرية صامتة، لكنها وطنية للغاية، وبقدر ما هي وطنية بقدر ما هي غائبة لعدم القدرة على تنظيمها في إطار تنسيق موحد يستند إلى العصب الوطني لا الشد الطائفي والمناطقي والثأري ومحاباة المرحلة والتزلف لشخوصها”.
غير مرئية
لا تبدو اليوم هذه الشريحة مرئية فعلاً لأسباب كثيرة من بينها تفكك الحضور المكاني الواحد واستحالة تنظيمها الفعلي في ظل غياب قوانين تسن رؤية تشكيل الأحزاب ما بعد سقوط النظام أو تسمح بمنتديات ولقاءات وحوارات جامعة أبعد من تلك التي قد يدور فيها نقاشات حذرة جداً على مواقع التواصل الاجتماعي أو في الجلسات القضية، فالكلمة لا تزال جريمة، كما يصف سوريون تحدثوا لـ”اندبندنت عربية”، مستندين في رأيهم ذلك على ما يرونه من تكميم أفواه لا يزال مستمراً.
وبالضرورة يستحيل الاستبيان والقياس حول حجم تلك الشريحة لأن المشكلة هنا تكمن في نشاطها غير المنظم أو المرئي، ويعود ذلك أيضاً لغياب عوامل قياس نموذجية تتعلق مجدداً بعدم وجود أحزاب وتيارات تماماً بقرارٍ سيادي أعلن عنه صراحةً أخيراً عبر إعلاميين مقربين من السلطة. وكذلك في ظل غياب المنتديات والبيانات، أما ما يمكن لحظه من مظاهرات سابقة أو بيانات متفرقة فهي تمثل عمق الاصطفاف المتطرف لهويات متحيزة، وبالتالي تفقد الشريحة الصامتة تلك أدوات تمثيلها وتعبيرها الجماعي، أو تمنع من التعبير أساساً عبر القمع ومنع التنظيم.
ماذا يريدون؟
في سوريا اليوم صراع خطر بين المراد سلمياً والمفروض عسكرياً بقوة البندقية والبزة العسكرية، فتلك الشريحة تبحث عن عيش مشترك، واندماج مجتمعي ووظيفي، وتفعيل دور سيادة القانون، وهيكلة الاقتصاد، والتعددية السياسية، والحريات العامة، والانتقال السياسي، والديمقراطية، وتولية الكفاءات على حساب الولاءات، وانتزاع بذور الإقصاء، ودستور وطني، وعقد اجتماعي.
رغبات تمثل جزءاً من مطالب عبر عنها سوريون يصطدمون بأنماط سائدة على الأرض تتنوع بين احتكار السلطة على حد تعبيرهم، وبين التفوق العشائري في امتلاك السلاح، وبين الوصاية المفروضة على القادم، وبين انغلاق الطوائف على بعضها ومشاريع بعضها الانفصالية أو الفيدرالية مما يهدد وحدة سوريا نفسها.
هل يمكن اعتبارها قوة سياسية؟
بحسب الأستاذ في علم الاجتماع عمر كيالي فإن “تلك الشريحة مهما بلغت من اتساع لن تكون ذات وزن سياسي في ظل غياب حزبي منظم يمتلك برنامجاً وبنية واضحة وقيادة رصينة، لكن ثقل هذه الكتل ينبع من مكانتها الديموغرافية والاجتماعية والمناطقية حتى، لأننا هنا لا نقول إن هؤلاء هم من طائفة ما، فرغم الخلافات، لكن شريحة الحياد تمتد لتشمل كل الطوائف والأديان، وحينها يصطلح على تسميتها بالكتلة الاجتماعية الكامنة التي تنتظر شرارة التنظيم والتمثيل”.
واختتم حديثه بالقول “اليوم يمكن مراجعة استطلاعات الرأي العالمية التي أجريت في عام 2025 لفهم طبيعة هذه الشريحة وتطلعاتها لكن من المستحيل لأحد الجزم بحجمها، بيد أنه من المؤكد أن التغافل عنها واعتبار وجودها أو عدمها واحد فهذا ليس أمراً صحياً لأنها أمام أول تحول مناسب يتيح لها التعبير سترفع صوتها عالياً لتحدث أثراً واسعاً في المجتمع، بل وقد تحدد اتجاهاته في لحظتها المنتظرة من الشارع إلى صناديق الاقتراع”.
- إندبندنت









